قصص قصيرة

السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…

وفيه ريحة خشب قديم وكتب مركونة في رفوف على الحيطان. في الصالة كانت فيه صور كتير متعلقة، بعضها باهت من الزمن، وبعضها متغطي بإطارات خشبية.
أول ما دخلت، وقعت عيني على صورة كبيرة لست شابة شايلة طفلة صغيرة.
نفس الصورة اللي شفتها في الكاميرا.
قربت منها وأنا مش قادرة أتكلم.
الست العجوزة لاحظت نظرتي، فقالت
دي الصورة اللي اتاخدت في آخر يوم كانت فيه العيلة كلها مع بعض.
لفيت ناحيتها بسرعة.
آخر يوم؟ يعني إيه؟
بصت لأمي، كأنها مستنية منها الإذن.
أمي قعدت على الكنبة القديمة، وحطت إيديها على وشها.
وقالت بصوت مكسور
احكي لها… أنا تعبت من إني أفضل لوحدي بالحكاية دي.
الست العجوزة قعدت قصادي، وأخدت نفس طويل، وبدأت تتكلم.
قالت إن أمي لما كانت بنت صغيرة، كانت عايشة في البيت ده مع عيلتها. كان عندها أخت أصغر منها، وكانت علاقتهم ببعض أقوى من علاقة أي أختين.
أمي كانت الكبيرة، والأخت الصغيرة كانت متعلقة بيها بشكل مش طبيعي. كانت تمشي وراها في كل مكان، وتقلدها في كل حاجة، وحتى لما كانوا بيلعبوا، كانت ترفض تلعب لو أمي مش معاها.
كان أبوهم راجل شديد، بيؤمن إن البنت لازم تسمع الكلام من غير نقاش، وإن سمعة العيلة أهم من أي حاجة تانية. أما أمهم، فكانت ست طيبة، بتحاول تحمي بناتها على قد ما تقدر.
لكن لما أمي كبرت شوية، بدأت الخلافات تظهر في البيت.
أمي كانت بتحلم تكمل تعليمها، وتشتغل، وتبقى ليها حياة تختارها بنفسها. أبوها كان شايف إن ده كلام مالوش لازمة، وإن مستقبلها لازم يتحدد بالطريقة اللي هو شايفها مناسبة.
أما أختها الصغيرة، فكانت بتحاول دايمًا تهدي الأمور، وتقول لأمي إنها لازم تصبر.
لحد ما جه اليوم اللي غيّر كل حاجة.
في اليوم ده، حصلت خناقة كبيرة بين أمي وأبوها بسبب قرار كان أخده من غير ما يرجع لها. أمي رفضت، وعلي صوتها لأول مرة، وقالت إنها مش هتعيش طول عمرها محپوسة في حياة حد تاني اختارها لها.
أبوها اعتبر كلامها إهانة، وطلب منها تسيب البيت.
أمي كانت لسه صغيرة، وما كانش معاها فلوس كفاية ولا مكان تروح له. ومع ذلك، خرجت وهي مصممة إنها مش هترجع غير لما تقدر تعيش بكرامتها.
لكنها قبل ما تمشي، وعدت أختها الصغيرة إنها هترجع تاخدها معاها.
وعدتها إنها مهما حصل، عمرها ما هتسيبها لوحدها.
الست العجوزةسكتت شوية، وبعدين كملت
المشكلة إن أختها كانت لسه طفلة، وأبوها كان مقتنع إن خروج الكبيرة من البيت عار لازم يتدفن. منع أي حد يتكلم عنها، وحتى صورها حاول يشيلها من البيت.
بصيت لأمي، لقيتها بټعيط في صمت.
سألتها
يعني الست اللي في الصور دي أختك؟
هزت راسها ببطء.
أيوه يا بنتي.
حسيت إن قلبي اتقبض.
كنت طول عمري أعرف إن أمي كانت بنت وحيدة، أو على الأقل ده اللي اتقال لي من وأنا صغيرة. ما شفتش في حياتي صورة لأخت ليها، ولا سمعتها بتحكي عن أخت، ولا حتى مرة واحدة قالت إنها كان ليها أخوات.
سألتها وأنا مش مصدقة
ليه عمرك ما قلتيلي؟ ليه طول عمرك بتقولي إنك كنتِ لوحدك؟
أمي بصتلي بعينين مليانين ندم.
لأني كنت فاكرة إن ده أحسن ليكي وليها. كنت فاكرة إن الماضي لما يفضل مدفون، محدش هيتوجع بسببه.
لكن الست العجوزة قاطعتها بحزن
الماضي ما كانش مدفون. إحنا اللي كنا عايشين فوقه، وكل يوم بندفع تمنه.
وبعدين قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب خشبي صغير في آخر الصالة.
فتحت درج مقفول، وطلعت منه صندوق قديم.
حطته على الترابيزة، وفتحت غطاه.
جواه كانت فيه خطابات كتير، مربوطين بشريط أبيض، وصور قديمة، وشهادات ميلاد، وورق رسمي متآكل الأطراف.
قالت
دي كل الحاجات اللي فضلت معايا من الأيام دي. فيه خطابات اتبعتت، وفيه خطابات ما وصلتش، وفيه حاجات اتخبّت عشان محدش يعرف الحقيقة.
مدت إيدها وطلعت خطاب، وناولته لأمي.
أمي أول ما شافته، شهقت شهقة صغيرة، وحطت إيديها على بقها.
قلت لها
إيه ده يا ماما؟
ردت وهي بتبص للخطاب
ده آخر جواب كتبته لأختي قبل ما تختفي.
الست العجوزة بدأت تحكي عن الأيام اللي أعقبت خروج أمي من البيت.
في البداية، أمي كانت بتتصل وتسأل على أختها من خلال الجيران والمعارف، لكن أبوها كان بيرفض يوصلها بأي معلومة. وكل مرة كانت تحاول ترجع، كان يهددها إنه لو دخلت البيت تاني، هيتصرف بطريقة تخليها ټندم على اليوم اللي خرجت فيه.
وبعد فترة، وصل لأمي خبر إن أختها اتنقلت تعيش مع قرايب بعيدين، وإنها مش هترجع البيت تاني.
أمي حاولت توصل لها، لكن كل الأبواب اتقفلت في وشها.
وبعدها بسنين، سمعت إنها اتجوزت وانتقلت لمحافظة تانية، وإنها مش عايزة تعرف أي حد من عيلتها القديمة.
الكلام ده كسر أمي.
كانت فاكرة إن أختها هي الليرفضتها، وإنها صدقت كلام أبوهم عنها، وإنها اختارت تنساها.
ومع مرور الوقت، أمي بدأت حياتها من جديد، واتجوزت، وخلفتني، وحاولت تركز في أسرتها الصغيرة.
لكنها ما قدرتش تنسى وعدها القديم.
كل سنة، في يوم ميلاد أختها، كانت تكتب لها جواب وتحطه في درج مقفول. كانت تكتب كل حاجة حصلت في حياتها، وتحكيلها عن نفسها، وعن البيت، وعن أحلامها اللي اتحققت واللي ما اتحققتش.
كانت بتكتب كأن أختها قاعدة قصادها وبتسمعها.
ولما سألتها ليه ما حاولتش تدور عليها بعد كل السنين دي، ردت
دورت يا بنتي. دورت سنين طويلة، لكن كل ما كنت أقرب منها، كان حد يقول لي إنها مش عايزة تشوفني. وفي الآخر، صدقت إن وجودي في حياتها ممكن يكون ۏجع ليها أكتر من غيابي.
بصيت للست العجوزة، وسألتها
طب إنتِ عرفتي إزاي مكان أمي؟
ردت
أنا ما عرفتش مكانها دلوقتي. أنا كنت عارفة هي فين من زمان، لكن ما كنتش عارفة إزاي أوصل لها من غير ما أظلم حد تاني.
أمي رفعت راسها فجأة.
إنتِ كنتِ عارفة مكاني؟
الست هزت راسها.
أيوه. بعد ۏفاة أبوكم، حاولت أدور عليكي. لكن لما وصلت ليكي، لقيتك مستقرة ومتجوزة وعندك بنت صغيرة. خفت لو ظهرت فجأة، أكون بهد كل حاجة بنيتيها.
أمي ردت بۏجع
بس أنا فضلت طول عمري فاكرة إنك نسيتي وجودي.
الست العجوزة مسكت إيديها.
وأنا فضلت طول عمري فاكرة إنك إنتِ اللي نسيتي وجودي.
في اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل ما كانش بسبب كره، ولا خېانة، ولا رغبة في الاڼتقام.
كان بسبب خوف قديم، وكلام ما اتقالش، ورسائل ما وصلتش، وسنين كاملة ضاعت لأن كل واحدة فيهم صدقت إن التانية مش عايزاها.
لكن لسه كان فيه سؤال أهم من كل ده.
لو أمي عرفت مكان أختها من زمان، ليه رجعت دلوقتي بالذات؟ وإيه اللي حصل خلال الأسبوع اللي فات وخلاها ترجع بالشكل ده؟
بصيت لها وسألتها.
أمي مسحت دموعها، وقالت
لأن أختي بعتت لي جواب من حوالي شهر. قالت لي إنها تعبت، وإنها مش عايزة ټموت قبل ما تشوفني مرة أخيرة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا أول ما قريت الجواب، ما قدرتش أستنى. اتصلت بيها، واتفقنا إني أجيلها لمدة أسبوع. لكن لما وصلت، اكتشفت إن حالتها الصحية أسوأ بكتير مما تخيلت.
الست العجوزة نزلت عينيها للأرض.
أنا ما كنتش عايزة أقلقها. كنت عارفة إنها لو عرفت الحقيقة كاملة، هتفضلجنبي ومش هترجع بيتها.
أمي بصت لها بحزن.
كنتِ هتخليني أمشي من غير ما أعرف إنك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى