قصص قصيرة

السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…

السر اللي أمي خبّته عني خمسين سنة…

موقع أيام تريندز


الخۏف ممكن يسرق مننا عمر كامل، وفي قد إيه كلمة واحدة ممكن تغير حياة ناس كتير لو اتقالت في وقتها.
بعد يومين، خرجت أخت أمي من المستشفى، ورجعنا بيها البيت القديم.
قررنا نخليها تعيش معانا فترة، عشان نقدر نهتم بيها، وما تبقاش لوحدها.
ولما دخلت بيتنا لأول مرة، وقفت قدام صورة عائلية كبيرة معلقة في الصالة.
كانت الصورة ليا وأنا صغيرة، في حضڼ أمي اللي ربتني.
فضلت تبص لها، وبعدين قالت
أنا كنت بتخيل اللحظة دي كتير. كنت بتخيل إني هاجي يوم وأشوفك في بيتك، وأعرف إنك كبرتي وبقيتي ست قوية.
بصيت لها وقلت
أنا كنت محتاجة أعرفك، حتى لو متأخر.
ابتسمت.
وأنا كنت محتاجة أعرفك من غير ما أكون خاېفة.
أمي اللي ربتني كانت واقفة بعيد شوية، بتراقبنا.
قربت منها أختها، ومدت إيدها.
أنا مش هطلب منك تنسي اللي فات، لكن نفسي نبدأ من جديد.
أمي بصت لها طويلًا، وبعدين حضنتها.
إحنا ضيعنا وقت كفاية. مش عايزة نضيع أكتر من كده.
في اللحظة دي، حسيت إن الحكاية أخيرًا بدأت تخرج من دائرة الۏجع.
مش لأن كل شيء اتصلح، لكن لأننا بطلنا نخبي الحقيقة عن بعض.
بعد مرور شهور، رجعت أمي لحياتها الطبيعية، لكنها بقت تزور أختها كل يوم تقريبًا،

حتى في الأيام اللي كانت فيها تعبانة.
وأنا بقيت أزورهم الاتنين، وأحاول أقضي معاهم وقت أكتر.
كنا بنقعد سوا، ونحكي عن الماضي، لكن من غير ما نخليه يسيطر على كل كلامنا.
أحيانًا كنا نضحك على مواقف قديمة، وأحيانًا كنا نعيط لما نفتكر السنين اللي ضاعت.
لكن أهم حاجة إننا بقينا قادرين نتكلم.
وفي يوم، وأنا برتب البيت القديم، لقيت الشنطة السودا في ركن الأوضة.
كانت فاضية تقريبًا، بعد ما رتبنا كل الصور والخطابات في صندوق خشبي.
شيلتها وحطيتها قدام أمي، وقلت لها
فاكرة الشنطة دي؟
ابتسمت وقالت
إزاي أنساها؟ دي الشنطة اللي رجعت بيها من الرحلة اللي كنت فاكرة إنها هتكون أصعب أسبوع في حياتي.
ضحكت وقلت
وأنا كنت فاكرة إن جواها سر واحد.
بصتلي، وقالت
طلع جواها عمر كامل.
قعدنا جنب بعض، وفتحنا الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة.
كان جواه كل شيء الصور القديمة، والخطابات، والجواب اللي كتبته أمي لنفسها، والصورة الجديدة اللي اتصورناها سوا.
حطيت الصورة الجديدة فوق كل الورق، وقفلت الصندوق.
ما كانش عندي رغبة إني أمحي الماضي، ولا إني أرجع أعيش فيه.
كنت عايزة أحتفظ بالحقيقة كلها، الحلو منها والمر، وأكمل حياتي وأنا عارفة أنا

مين، ومنين جيت، ومين اللي اختار يحبني.
وقبل ما أخرج من الأوضة، أمي نادت عليا.
استني يا بنتي.
لفيت لها.
قربت مني، وحطت إيديها على وشي، وقالت
أنا عارفة إنك مش هتقدري تنسي اللي حصل، ومش هطلب منك تنسيه. لكن عايزاكي تعرفي إنك طول عمرك كنتِ بنتي، مش لأنك اتولدتي مني، لكن لأن كل يوم من عمري كان فيه جزء منك.
حضنتها، وقلت لها
وأنا مش هنسى إنك ربيتيني، ولا هنسى إنك في الآخر اخترتي تقولي الحقيقة، حتى لو اتأخرت.
وبعدين بصيت ناحية أختها، اللي كانت واقفة عند الباب وبتبتسم.
في اللحظة دي، فهمت إن العيلة مش دايمًا بتكون حكاية بسيطة، وإن الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها كمان ممكن تفتح لنا باب كنا فاكرين إنه اتقفل للأبد.
أما الشنطة السودا، فكانت آخر حاجة كنت أتوقع إنها هتجمعنا بدل ما تفرقنا.
لأن السر اللي فضل مستخبي خمسين سنة ما كانش إن واحدة فيهم أخدت بنت التانية.
السر الحقيقي كان إن الخۏف خلّى أمّين يعيشوا عمرهم كله وهما فاكرين إن الحب لازم يكون معاه تضحية وصمت وۏجع.
لكن في النهاية، اكتشفنا إن الحب الحقيقي مش إننا نخبي الحقيقة عشان نحمي اللي بنحبهم.
الحب الحقيقي إننا نثق فيهم كفاية، ونسيب لهم حقهم في معرفة

الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة هتوجعنا كلنا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى