روايات

الراجل اللي كان پيتحرش روايات احمد عمار حصرى

مني أختلق حكاية أو أتهم الراجل بحاجة ما شفتهاش.
قلت لها
أنا مستعدة أوضح اللي حصل، لكن مش هقول غير الحقيقة.
ردت
وده كل اللي محتاجينه.
قفلت المكالمة، وكنت فاكرة إن دوري انتهى عند كده.
لكن بعد أسبوع، وصلني اتصال تاني.
المرة دي، كان من مسؤول التحقيق نفسه.
قال لي
يا أستاذة نجلاء، إحنا راجعنا إفادتك، وعايزين نبلغك إن الشكوى اتاخدت بجدية. لكن قبل ما نقفل الملف، فيه نقطة محتاجين نتأكد منها.
قلبي انقبض.
إيه هي؟
قال
محمود ذكر في إفادته إنه ما كانش يقصد يضايقك، وإنه اعتذر لك. لكنه نفى إنه حاول ياخد الموبايل منك. هل ده صحيح؟
رديت فورًا
لأ، ده مش صحيح. هو مد إيده ناحية الموبايل، والكمسري منعه قبل ما يلمسه.
سألني
هل فيه شهود؟
قلت
أيوه. كان فيه ركاب كتير، والكمسري نفسه كان موجود.
قال
تمام. هنراجع أقوال الشهود.
وبعدها شكرني وأنهى المكالمة.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وأنا حاسة إن الموضوع قرب يخلص.
لكن الحقيقة إن النهاية كانت لسه جاية.
بعد حوالي أسبوعين، كنت راجعة من الشغل لما لقيت رسالة من هبة.
لو تسمحي، عندي خبر مهم بخصوص التحقيق.
اتصلت بيها.
قالت إن التحقيق خلص من مراجعة الواقعة، وإن الإدارة قررت اتخاذ إجراء تأديبي بعد الاستماع للشهود ومراجعة الإفادات.
ما دخلتش في تفاصيل سرية تخص الموظف، وما طلبتش مني أنشر أي حاجة.
كل اللي أكدته إن شكواي اتسجلت، وإن القرار اتاخد بناءً على مراجعة رسمية، مش على مجرد رسالة أوكلام متداول.
سألتها
يعني الموضوع انتهى؟
قالت
من ناحية التحقيق في الواقعة اللي حصلت معاكي، أيوه. أما أي شكاوى تانية، فكل واحدة ليها إجراءاتها وأدلتها.
شكرتها وقفلت.
كنت متوقعة أحس بانتصار كبير، أو إني أخيرًا انتقمت من الراجل اللي ضايقني.
لكن الغريب إني ما حسيتش بكده.
حسيت براحة.
راحة إنني ما اضطريتش أصرخ علشان حد يسمعني، ولا أختلق اټهامات علشان أثبت إن اللي حصل كان غلط.
قلت الحقيقة، وقدمت إفادتي، وسيبت الإجراءات تكمل طريقها.
وفي المساء، وأنا قاعدة مع بنتي، سألتني
ماما، إنتِ ليه كنتِ زعلانة الأسبوع اللي فات؟
بصيت لها وابتسمت.
علشان كان فيه حد ما احترمش كلامي، يا حبيبتي.
سألتني
وإنتِ عملتي إيه؟
ضمّيتها لصدري وقلت
قلت له لأ، وفضلت متمسكة بكلامي.
بصت لي ببراءة وقالت
يعني لو حد ضايقني، أقول له لأ؟
قلت لها
أيوه. ولو ما احترمش كلامك، تبعدي عنه وتطلبي المساعدة من شخص موثوق. ومش لازم تدخلي في خناقة علشان تثبتي إنك قوية.
هزت راسها، ورجعت تلعب.
أما أنا، ففضلت أفكر في الجملة اللي قلتها لها.
لأن القوة مش إنك تخوف اللي قدامك، ولا إنك تفضحه، ولا إنك ټنتقم منه.
القوة الحقيقية إنك تعرف حقك، وتحافظ على نفسك، وما تسمحش لحد يحول اعتراضك على تصرف غلط إلى تهمة ضدك.
بعد شهر تقريبًا، كنت في محطة القطار مرة تانية، مستنية رحلتي للقاهرة.
المرة دي، الجو كان لطيف، والتكييف شغال، والعربية مش زحمة أوي.
قعدت جنب الشباك، وفتحتكتاب صغير كنت جايباه معايا.
بعد دقائق، شاب وقف عند الكرسي اللي جنبي وسألني
لو سمحتي، ممكن أقعد هنا؟
رفعت عيني، وابتسمت.
اتفضل، الكرسي فاضي.
قعد، وحط شنطته تحت الكرسي، وبعدها رجع يقرأ في موبايله.
كل حاجة كانت عادية جدًا.
لكن قبل ما القطر يتحرك، افتكرت الرحلة القديمة، والراجل اللي كان فاكر إن مجرد وجوده في مساحة ضيقة مع ست لوحدها يديه الحق يتجاهل اعتراضها.
افتكرت صوته وهو بيقول
إنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أقعد بره القطر؟
وافتكرت صوته بعد دقائق، وهو بيترجاني
أرجوكي، لأ! متعمليش فيا كده!
ابتسمت لنفسي، مش شماتة فيه، لكن لأنني فهمت درسًا مهمًا.
هو كان متخيل إن خۏفي من الإحراج هيخليني أسكت.
وإن عدم قدرتي على التحرك من مكاني معناه إنه يقدر يفرض عليّا الوضع اللي يعجبه.
لكنه اكتشف إنني مش مطالبة أختار بين
السكوت وبين الخناقة.
كان عندي اختيار تالت أرفض، وأطلب المساعدة، وأوثق اللي حصل، وأسيب الحقيقة تتكلم.
والأهم من ده كله، إنني ما احتجتش أؤذيه علشان أحمي نفسي.
كل اللي عملته إنني وقفت عند حدودي، ورفضت أتنازل عنها.
ومن يومها، بقيت مؤمنة إن بعض الناس مش بيخافوا لما تزعق فيهم بيخافوا لما يكتشفوا إنك مش هتسكت، وإن تصرفاتهم مش هتعدّي لمجرد إنهم متعودين إن الناس تسكت.
ودي كانت نهاية رحلتي مع محمود.
لكن لو فيه درس واحد يستحق إننا نفتكره، فهو ده
ما تسمحش لحد يقنعك إن الحفاظ على كرامتك قلة ذوق، أو إن اعتراضك على الأڈىمبالغة. اللي يتجاوز حدودك هو المسؤول عن تصرفه، مش إنت المسؤول عن انزعاجه لما ترفضه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى