قصص قصيرة

الحقيقة اللي سارة اكتشفتها

نفهمها إنتِ ليه عايشة كل السنين دي تحت الخوف ده؟
افتكرت كلام أحمد، وافتكرت الجملة اللي بيخليني أكررها كل ليلة.
أنا مش السبب وبكرة هيبقى أحسن.
وفجأة، بدأت أشك إن الموضوع كله مرتبط بحاجة أقدم بكتير من جوازنا.

السر اللي كان مدفون من 18 سنة
رجعت البيت، وأحمد كان لسه مرجعش من شغله.
دخلت أوضتنا، وبدأت أدور في الدولاب على أي ورق قديم يخصنا.
كنت فاكرة إن مفيش حاجة ممكن ألاقيها، لحد ما وقعت عيني على علبة خشب صغيرة، مستخبية ورا هدومه الشتوي.
فتحتها.
كان جواها جواب قديم، وصورة لراجل غريب واقف جنب أحمد، وورقة طبية مطوية بعناية.
إيدي بدأت تترعش وأنا بفرد الورقة.
كانت نتيجة فحص قديم، معمول قبل فرحنا بشهور.
قريت السطور أكتر من مرة، لحد ما فهمت إن أحمد كان عامل فحوصات متعلقة بالإنجاب قبل جوازنا، وإن فيه نتيجة كانت محتاجة متابعة مع دكتور متخصص.
لكن مفيش في الورقة ما يثبت إنه كان عقيم، ولا إنها كانت نتيجة نهائية.
اللي صدمني فعلًا كان الجواب.
كان مكتوب بخط أحمد
أنا مش قادر أقول لسارة الحقيقة. لو عرفت إني كنت خايف أعمل الفحوصات وأواجه النتيجة، ممكن تسيبني. لازم تفضل مصدقة إن المشكلة عندها، لحد ما ألاقي حل.
وقعت على السرير وأنا مش قادرة أتنفس من الصدمة.
يعني أحمد كان عارف إن فيه احتمال تكون المشكلة عنده، ومع ذلك سابني 18 سنة ألوم نفسي وأصدق إني أنا السبب!
لكن لسه فيه سؤال واحد ملوش إجابة
إيه حكاية الجملة اللي كان بيخليني أكررها كل ليلة؟

المواجهة اللي مكنتش مستعدة ليها
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح الباب.
أحمد رجع.
خبّيت الورق بسرعة، لكني مكنتش قادرة أخفي ارتباكي.
دخل الأوضة، وبصلي، وبعدها قال
مالك يا سارة؟ إنتِ تعبانة؟
بصيت في عينيه وسألته
إنت كنت عامل فحوصات قبل جوازنا؟
وشه اتغير في لحظة.
إنتِ بتسألي السؤال ده ليه؟
طلعت الورقة من ورا ضهري وحطيتها قدامه.
فضل باصص لها من غير ما يتكلم.
وبعد صمت طويل، قعد على طرف السرير وحط إيده على وشه.
أنا كنت خايف يا سارة.
صرخت فيه وأنا بعيط
خايف؟! وإنت سيبتني 18 سنة أعيش وأنا فاكرة إن العيب فيا! كل مرة كنت بطلب نروح لدكتور كنت بتزعقلي! ليه عملت فيا كده؟
بدأ يعيط.
كنت خايف تخسريني. كنت صغير، وخفت أواجه الحقيقة. وبعدها كل سنة كانت بتعدي، وكان الاعتراف بيبقى أصعب.
والجملة اللي بتخليني أكررها كل ليلة؟ إيه حكايتها؟
رفع عينيه ليا، وقال بصوت مبحوح
ليلة قبل فرحنا، حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين أبويا. كان بيضغط عليا أفسخ الخطوبة، لأني كنت شاكك إن عندي مشكلة في الإنجاب. وأنا بدل ما أواجهه، فضلت أقول لنفسي إن كل حاجة هتبقى كويسة.
سكت شوية، وبعدها كمل
بعد جوازنا، لما كنتِ بتقولي إنك مش السبب وإن بكرة هيبقى أحسن، كنت بحس إنك لسه معايا، وإنك مسامحاني، حتى من غير ما تعرفي أنا عملت إيه.
بصيتله بذهول.
يعني كنت بتخليني أكرر الكلام ده عشان تطمّن نفسك؟ على حساب عمري وراحتي وكرامتي؟
نزل راسه، ومردش.
ولأول مرة من 18 سنة، فهمت إن الجملة اللي كنت بقولها كل ليلة مكانتش وعد بمستقبل أحسن.
كانت وسيلة أحمد عشان يهرب من ماضيه.

لكن المفاجأة الأخيرة كانت في تقرير الدكتورة!
تاني يوم، رجعت للدكتورة عشان أراجع معاها نتيجة الفحوصات.
شرحتلي إن كبر بطني محتاج تقييم دقيق، وإن فيه أسباب طبية مختلفة ممكن تؤدي للأعراض اللي عندي، وإن لازم أكمل الفحوصات قبل ما نعرف التشخيص النهائي.
وبعدها سألتني
يا سارة، إنتِ قلتي إن جوزك كان بيجبرك كل ليلة على تكرار جملة معينة. هل كان فيه أي تهديد أو أذى لو رفضتي؟
حكيتلها إني كنت بخاف من رد فعله، وإنه كان أحيانًا يمسك إيديا بقوة ويصرخ لحد ما أوافق.
قالتلي بوضوح
خوفك مش حاجة بسيطة، ومن حقك ترفضي أي تصرف بيخوفك أو بيؤذيكي، حتى لو كنتِ متجوزاه. والأهم دلوقتي إننا نهتم بصحتك ونفهم سبب الأعراض.
خرجت من العيادة وأنا بفكر في كل السنين اللي ضاعت مني.
مكنتش عارفة إذا كنت هقدر أسامح أحمد، ولا إذا كان جوازنا ممكن يكمل بعد كل اللي عرفته.
لكن كنت عارفة حاجة واحدة مش هسمح له تاني يقرر بالنيابة عني إيه اللي أعرفه عن جسمي، وإيه اللي أصدقه عن نفسي.
ولما رجعت البيت، حطيت الورقة القديمة قدامه وقلتله
من النهارده، مفيش أسرار تخص صحتي، ومفيش لوم من غير دليل، ومفيش إجبار. لو عايز نكمل، لازم نواجه الحقيقة سوا، وكل واحد يتحمل مسؤوليته.
أحمد فضل ساكت، وبعد لحظات قال
أنا مستعد أروح معاكي للدكتور.
بصيتله وقلت
المرة دي، أنا اللي هقرر.
ومن يومها بدأت رحلة جديدة، مش عشان أضمن إني أخلف، لكن عشان أسترد حقي في معرفة الحقيقة، وفي حياة مفيهاش خوف.
أما نتيجة الفحوصات النهائية، وهل كان أحمد عنده مشكلة في الإنجاب فعلًا، وهل كان ممكن يكون عندنا أطفال لو واجهنا الحقيقة من زمان، فدي أسئلة مكانش ينفع نجاوب عنها بالتخمين؛ كان لازم نواجهها بالفحوصات الطبية الصريحة.
العبرة مش كل سر بيتخبى بيحمي صاحبه، ومش كل سكوت معناه رضا. ساعات الحقيقة بتوجع، لكن الوجع الأكبر إنك تعيش عمرك كله بتلوم نفسك على حاجة مكنتش ذنبك أصلًا.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى