قصص قصيرة

تظاهرتُ بالموت لاختبار خادمتي الخجولة… لكن ما قالته وهي تبكي دمّر كل ما في داخلي

تظاهرتُ بالموت لاختبار ولاء خادمتي الخجولة — لكن ما اكتشفته كان أعمق مما يحتمله قلبي.

أنا لورينزو فيرغارا، أبلغ من العمر واحدًا وأربعين عامًا. مدير تنفيذي. ثري. الجميع ينظر إليّ بإعجاب— باستثناء شخص واحد فقط: مارا، خادمتي الأكثر خجلًا والأشد ولاءً.
إنها هادئة. مهذبة. لا تعرف الوقاحة. لا تتكلم إلا عند الضرورة. وخلال العامين اللذين عملت فيهما لديّ… لم تنظر إليّ مرة واحدة مباشرة في عينيّ.

لكن هناك شيء مختلف فيها— لطف لا أستطيع تفسيره. وبسبب ما تعرّضتُ له مرارًا من أذى على يد أناس «طيبين» في الظاهر، بدأتُ أتساءل:
هل هي مخلصة حقًا؟ أم أن كل هذا مجرد تمثيل؟
ومن هنا بدأت الخطة التي لم يكن ينبغي لي أن أضعها أبدًا.

أعددتُ الخطة لمدة أسبوع: أن أتظاهر بإصابتي بنوبة قلبية. أن أتظاهر بالسقوط. أن أتظاهر بأنني لا أتنفّس.
أردتُ أن أرى ردّ فعلها الحقيقي. أردتُ أن أعرف إن كانت ستعتني بي… أم ستهرب كما يفعل معظم الناس.
حزن؟ خوف؟ طلب للمساعدة؟ أم… لا مبالاة؟

وفي أحد أيام بعد الظهيرة، نفّذتُ الخطة.
تمدّدتُ على أرض غرفة الجلوس— بلا حراك، بلا صوت.
وانتظرتُ دخول مارا.

عندما فتحت الباب، خلعت نعليها كعادتها، وبدأت التنظيف بهدوء.
لكن حين رأتني ممدّدًاعلى الأرض…
سقطت المكنسة من يدها.
أسرعت نحوي.
جثت على ركبتيها.
وقبل أن أتمكّن حتى من التفكير… سقطت دموعها على خدي.

لم أستطع تحمّل ذلك.
كانت الدموع حقيقية.
والخوف حقيقيًا.
وصوتها المرتجف حقيقيًا.

قالت مارا:
«سيدي… سيدي… أرجوك ليس الآن… أرجوك لا تتركني… أرجوك…»

كانت تنتحب كطفلة خائفة. ولم تنادِني هذه المرة بـ«السيد فيرغارا» كما اعتادت، بل قالت فقط: «سيدي»، محمّلة بالحنان والألم والتوسّل. وربما كان يجب أن أقول الحقيقة في تلك اللحظة. لكنني لم أفعل. كنتُ لا أزال أريد أن أعرف ماذا ستفعل بعد ذلك.

اتصلت بالإسعاف— ويداها ترتجفان ارتجافًا لم تستطع إخفاءه، حتى كاد الهاتف يسقط من بين أصابعها. كانت تتحرّك في أرجاء المنزل بلا هدوء، خطواتها متسارعة، أنفاسها متقطّعة، وكأن المكان أضيق من أن يحتمل خوفها. كانت تذهب وتعود، تفتح بابًا ثم تغلقه، تتلفّت حولها، وكأنها تبحث عن قوة لا تعرف من أين تأتي بها.

ثم عادت إليّ، جثت بجانبي، وأمسكت بيدي بكلتا يديها، كأنها تخشى أن أفلت منها. كان جسدها يرتعش، وصوتها بالكاد يُسمَع حين تكلّمت، خافتًا، مكسورًا، صادقًا إلى حدٍ موجع.

قالت مارا:
«لو كنتَ تعلم فقط… كم أنت طيب معي، حتى وإن لم أقل ذلك يومًا. لو كنتَتعلم كم أنا… أقدّرك، وكم يعني وجودك في حياتي أكثر مما أستطيع قوله.»

وفي تلك اللحظة— خفق قلبي بقوة لم أعرفها منذ سنوات.
لم يكن خفقان خوف، ولا ألم جسد…
بل ارتباك روح، وانكشاف قلب.

لم أعد أحتمل.
لم أرد أن أراها تنهار أكثر بسبب كذبتي القاسية.
لم أرد أن أكون سبب هذا الوجع الذي يسكن صوتها وملامحها.
ففتحتُ عينيّ ببطء، كمن يعود إلى الحياة على استحياء.

قلتُ بصوت متعب:
«مـ… مارا؟»

تراجعت خطوة إلى الخلف، واتّسعت عيناها بذهول، وكأنها رأت معجزة لا تُصدَّق.

قالت، وهي تكاد تصرخ:
«سـ… سيدي؟! أنت حي؟!
أنت حي!!!»

ثم غطّت فمها بيدها، وابتعدت مسرعة— خجلة، مرتجفة، متورّدة الخدين، وكأن الدم اندفع فجأة إلى وجهها، وكأنها على وشك أن تفقد وعيها من شدّة الصدمة.

قلتُ بسرعة:
«مارا! انتظري!»

نهضتُ ولحقتُ بها إلى المطبخ بخطوات مترددة، كأنني أخشى أن أزيد ارتباكها. كانت تستند إلى الثلاجة، وظهرها ملتصق بها كمن يبحث عن شيء صلب يحميه من السقوط. إحدى يديها كانت تمسك صدرها بقوة، والأخرى معلّقة في الهواء، وأنفاسها متقطعة، سريعة، كأن قلبها ما زال عالقًا في تلك اللحظة التي ظنّت فيها أنني رحلت إلى الأبد.

وقفتُ أمامها لحظة، عاجزًا عن الكلام، أراقب ارتجاف كتفيها،وأدرك للمرة الأولى حجم الفزع الذي زرعته في قلب إنسانة لم ترتكب أي ذنب سوى أنها صدقتني.

قلتُ لها أخيرًا، بصوت صادق لم أعرفه في نفسي من قبل، صوت خالٍ من الكبرياء، ومن كل الأقنعة التي اعتدت ارتداءها:
«أنا آسف… لم يكن يجب أن أفعل ذلك. أخطأت في حقك، وأخطأت في حق نفسي.»

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليّ بعينين دامعتين، فيهما عتاب أكثر مما فيهما غضب، وقالت:
«سيدي… لماذا خدعتني؟ لماذا فعلت بي هذا؟ هل كان خوفي عليك مجرّد تجربة؟»

صمتُّ لحظة، كأن الكلمات ترفض الخروج، ثم قلتُ بعد تردّد:
«أردتُ أن أعرف… إن كنتِ حقيقية. إن كان هذا اللطف الذي أراه كل يوم صادقًا، أم مجرد واجب تؤدّينه.»

تنفّست بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها، ثم قالت وقد استعاد صوتها بعض الثبات:
«أنا حقيقية. أنا إنسانة أيضًا يا سيدي. أتألم كما يتألم البشر. أخاف كما يخافون. أضعف… وأحاول أن أتماسك.
ونعم… لديّ مشاعر، حتى إن لم أجرؤ يومًا على إظهارها.»

سكتُّ لحظة طويلة. كان الصمت أثقل من أي كلمة. ثم سألتها بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع:
«وما… هذه المشاعر؟»

أغمضت عينيها، وأدارت وجهها بعيدًا، كأنها تحتمي من نظرتي، وكأن الكلمات التي على وشك أن تخرج أثقل من أن تُقال. كان صوتها مرتجفًا، لا بسببضعف، بل لأن الصدق حين يتأخر كثيرًا يخرج مرتعشًا مهما كان صاحبه شجاعًا.

قالت:

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى