
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
أيدي الطبيب المعالج والممرضات يتخيل ما يحدث معها وكأنه في الداخل بجوار خالها وشقيقته التي ترافق والدتها.
وفي كل مرة تصل إليه أصوات التوجع والهمهمات المؤلمة منها ينتفض مڤزوعا وتتجه أبصاره نحو باب الغرفة بلوعة وعدم احتمال.
ولولا وجود ذلك الذي كان منتبها لكل حركة منه لكان اقتحمها دون أدنى تفكير وقد هتف به محذرا حينما فاض به الأمر
اهدي بقى وارسى على حيلك مش عايزين فضايح.
تشدق يخاطبه باستعطاف
مش قادر يا واد ابوي عقلي بيوزني اقوم اكسر باب الاوضة اللي مانعني عنها ده اطبطب عليها ولا احضنها اخفف من ۏجعها يا اما اضرب الدكتور واجبرلها كسرها انا بنفسي .
سمع منه حمزة قاطبا حاجبيه بدهشة شديدة معلقا
ېخرب مطنك كل ده شكلك مش هتجيبها لبر انا بجول تلم الدور وتروح احسن انت ايه اللي مجعدك هنا اصلا لا البت ولا أهلها يخصوك بشيء والكلام اللي ف دماغك بدري جوووي عليه على ما ربنا يعدلها جوم يا معاذ انا مليش خلق ليك قوم.
بعناد متأصل طالعه المذكور مقارعا
رجلي على رجلك ما انت كمان ملكش دخل بيهم ولا يمكن في صلة قرابة وانا معرفش
ياااا….
كادت أن تخرج من فمه سبة نابية ردا على استفزازه لكنه تمالك نفسه مردفا
يا سخام البرك انت يا عديم المفهومية انا جاعد وبعمل الواجب اللي عليا بعد اللي حصل امبارح وهما عرفوني وانا عرفتهم انما يعرفوك انت منين عشان تدخل لپتهم تسألها عن صحتها دا هي نفسها استعجبت من جرأتك انا مقدر لهفتك انما هما هيفهموا ايه من تصرفاتك دي اعجل يا واد ابوي وروح شوف مصالحك اختك منى جايمة بالواجب مع البت وامها وأنا براعي من بعيد لبعيد وكله في مصلحتك كل ما كانت علاقتنا بيهم متينة كل ما سهلت الأمور ما بينا فهمت بقى يا غبي
أومأ رأسه بتفهم نفاه بعد ذلك سريعا.
حتى لو كان برضو مش هسيب مكاني ولا همشي من غير ما اطمن على ليلى انا الاحق برعايتها دلوك بعد اللي سمعته النهاردة والليلة الواعرة اللي مرت عليها هي وأمها بسبب الزفت ابوها اللي كان عايز يجوزها ڠصب ويحرمني منها دلوك والله ما افرط فيها ولا اتوانى لحظة عن نجدتها.
كز حمزة على أسنانه يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار فيه فهذا الأحمق مصدر خطړ عليه وعلى نفسه بأفعاله المتهورة ورأسه اليابس.
ماشي يا معاذ بس عليا النعمة لو عملت اي غلط لااكون مهزقك جدامهم وجاطع عليك اي فرصة بعد كدة مع ليلى .
سمع منه قبل أن يأتي صوتها عن قرب فانتفض واقفا مثيرا الړعب في قلب شقيقه مرة أخرى.
هتعمل ايه البت طالعة مع خالها وامها مش ناقصة فضايح.
رمقه معاذ مترقبا بتحفز لخروج ليلى من الغرفة في ظل الأصوات التي تصل إليه قائلا
هحاول اسيطر على نفسي المهم اطمن عليها.
قالها وانفتح باب الغرفة ليخرج أولهم وصفي الذي كان يضم رأسها إليه وهي تتوجع بصوت عال ووالدتها تساندها من الجهة الأخرى ومن خلفهم منى التي اشتركت معهم في تلك اللحظات العصيبة بمسؤولية ليست بغريبة عنها رغم عبثها الدائم.
هم معاذ بالتحرك نحوها ولكن الآخر لحق به ليذكره محذرا بصوت خاڤت
هااا احنا جولنا ايه
زمجر بضجر مجبرا نفسه على طاعته
طططيب هترزع مكاني اها اما اشوف ايه اخرتها.
تنهد حمزة ببعض الارتياح وتقدم نحوهم بخطوات بطيئة مخاطبا إياهم
حمد الله على السلامة يا بنيتي ايه الاخبار دلوك
أجابه وصفي وهو يجلس بها على أحد المقاعد
الحمد لله اللي جات على كد كدة بكرة تخف وتبجى ايام واتنست .
ردت ليلى بصوت مخټنق بدموعها
أنسى كيف يا خالي بس دا وجعه عفش جوي.
جاء التعقيب المباغت من والدتها التي تدعي التحلي بالقوة والبأس امامهم
والله كله بيتنسي يا بتي كسر العضم أسهل بكتير من كسر الروح على الاقل دا بيلم ويخف انما الروح…..
ما أصعب كلماتها! هذا ما دار في نفسه وعيناه انصبتا عليها بتركيز تام وقد تناسى وضعه والظرف وكل شيء. تلك الجميلة التي رأى طليقها بالأمس ترى ماذا فعل بها ليصب المرار في حلقها هكذا وقد أخذها طفلة لا تعي من أمور الحياة شيئا.
الف سلامة يا آنسة ليلى لما انتي موجوعة جوي كدة ليه الدكتور الحمار ده معطاكيش حاجة تخفف عنك الۏجع ده شوية
ېخرب مطنك
غمغم بها حمزة داخله بعدما اجفله هذا المتهور بقوله ليأتي الرد الغاضب من الطبيب المعالج الذي كان خارجا من غرفته بالصدفة
الدكتور لو حمار كان زود عليها البنج وضرها انما احنا بندي الجرعة حسب الحالة المسكن لسة واخداه حالا يعنى لسه شوية على ما يشتغل.
سارع حمزة بالاعتذار لتخفيف وطأة الموقف الحرج وقد عم الصمت بين الباقين.
معلش يا دكتور هو مش قصده حضرتك اللي ما يعرفك يجهلك………
ولا يعرف حتى عن إذنك.
هتف بها الطبيب مقاطعا بحدة ثم تحرك مغادرا دون استئذان مما ضاعف من حنق حمزة تجاه ذلك المچنون الذي لا يسمع إلا لصوت رأسه الأحمق والذي تجاهل الأمر وكأنه لم يفعل شيئا مستمرا في الحديث إليهم
انا نازل تحت اجيبلي علبة عصير اشربها حد عايز حاجة اجيبهاله معايا
لم يأته رد من الثلاثة المذهولين وقد كانت أبصارهم منصبة عليه بعدم استيعاب لأفعاله فصرفتهم عنه منى بفطنتها متفكهة رغم غيظها هي الأخرى
روح يا حبيبي إحنا ريحة المستشفى اصلا نفخت بطونا يارب بس نعرف ناكل ولا نشرب لما نروح.
أومأ لها ثم الټفت مجبرا ليغادر حتى لا يفسد الوضع أكثر من ذلك فتابعت هي
بس العضم عايز وكل ودهن عشان يقوي من تاني يا مزيونة انا بستأذنك اخدها عندي على الاقل اكل على حسها والنعمة اخليهالك بطة بلدي .
تبسمت لها مزيونة تشكرها بامتنان على مشاركتها لها تلك اللحظات الماضية ودعمها فنهض وصفي من جوارهم
طب حيث كدة بجى استأذنكم انا خمس دقايق قبل ما نقول ياللا.
عقب حمزة على قوله وقد أدرك وجهة الرجل
ماشي وانا مستنيك عشان اروح بيكم
إليه وصفي يود الاعتراض لكن حمزة أخمد رفضه منذ البداية.
روح خلص اللي وراك عايزين نروح.
……………….
في القرية
كان جالسا على مقهى يبعد قليلا عن منزله قريب من الأراضي الزراعية يستنشق الهواء النقي لعله يصادف رؤيتها أيضا.
كان يقيد قدميه بصعوبة عن الذهاب إليها وتكسير رأسها بعد أن فضحته بالأمس. لن يتنازل عن حقه أبدا لكن عليه أن يتريث قليلا. يكفيه ما ناله من خزي وتوبيخ فوق ما يشعر به من صداع.
لن يتركها تهنأ بعيدا عنه يكفيه حماقاته في السنوات الماضية حين نفذ شروطا ووعودا غبية بابتعاده عنها رغم أنها كانت تحت سقف
منزله.
والآن بعد أن استعادت صحتها وحيويتها تتركه
أقسم أنه لن يسمح بحدوث ذلك.
جاعد لوحدك ليه يا عرفان سرحان وشارد في ايه يا عرفان
تمتم بها أحد الرجال من أبناء عمومته الذي نال نصيبه من الشماتة به بالأمس رغم إنكاره لذلك.
افندم يا عطوة وما اسرح يا سيدي ولا اجعد لوحدي انت مالك
تبسم المذكور بسماجة يعقب على كلماته بنوع من العتاب.
اخص عليك يا عرفان مالك بتعاملني كده ايه وترد عليا بكلام ناشف كأني بشتمك مع ان ربي العالم انا كل غرضي مصلحتك.
مصلحتي!
تمتم بها عرفان يطالع الرجل بتوجس لا يخلو من ضيق فتجاهله الآخر ليصل إلى غرضه مرددا
ايوة مصلحتك ما انا شوفت اللي حصلك ورجال العيلة اللي كانوا عاملين عليك رباطية وكأنهم منزهين عن الغلط محدش فيهم مقدر الڼار اللي أنت كنت فيها يجوا يشوفوا المحروسة اللي عملوا عمايلهم عشانها وهي راكبة العربية مع الراجل اللي ضړبك وواخدة معاها بتها كمان .
انتفض عرفان فجأة ممسكا إياه من تلابيب ملابسه
انت واعي للي انت بتجوله دا يا واد دا كلام تطير في رقاب
أومأ عطوة على خوف مبددا صمته ليخبره الحقيقة كاملة
يا عم عرفان انا مش قصدي حاجة عفشة انا بس استغربت لما شفتهم في العربية ومعاهم وصفي اخو المدام.
وصفي!
اه والله وصفي تفتكر راحوا فين
ضاق بعرفان فدفعه عنه ثم نهض مغادرا من أمامه بهيئة لا تبشر بالخير.
ليغمغم عطوة في أثره پحقد
جاك ضړبة لما تاخدك في حد يسيب مزيونة لهطة الجشطة ويجعد على صفا والله ما كنت تستاهلها من اساسه دي ما تستاهلش غير راجل زيي يعرف يقدر الابطال صح.
…………………….
أمام موظفة الاستعلامات في المشفى وقف وصفي مشدوها يردد خلف الفتاة باستفسار
بتجولي إيه كيف يعني الحساب ادفع من ساعة ما وصلنا
ردت الفتاة بعملية مشيرة إلى الحاسوب أمامها
يا فندم اهو مسجل قدامي مبلغ كبير اتحط تحت الحساب للمريضة ليلى عرفان يعني انا هكدب ليه مثلا حتى بالامارة….. استنى حضرتك
توقفت فجأة مومئة بذقنها للأمام نحو من انتبهت إليه وهو يسير بالقرب منهم في الناحية الأخرى
حضرتك الراجل اللي هناك ده هو اللي دفع.
الټفت وصفي نحو الجهة التي تقصدها ليمسح بكفه على جبهته المتعرقة بحرج محدثا نفسه
يا دي الكسوف يا ولاد ودا هعرف اتعامل معاه كيف دلوك
استجمع وصفي بأسه ليذهب نحو حمزة متحفزا بكل جهده. كان يريد ان يرجع له مال المشفى الذي دفعه لكن الآخر استطاع بحنكته وإصراره أن يجعله يقبل مجبرا مستغلا نقطة ضعف الرجل في أدبه المبالغ فيه.
ثم توقف على مسافة بعيدة عنهم تمكنه من الرؤية ليتابع رد فعلها الرافض وانفعالها نحو شقيقها الذي بدأ وكأنه يبرر لها كي تتقبل الأمر بعدما أخبرها بما تم. حتى كادت أن تتحول لمشاجرة ليسارع هو بالخروج من المشفى يسبقهما إلى سيارته قبل أن ينتبهوا لوجوده فينقلب الأمر عليه.
بداخل السيارة التي ستقلهم للمغادرة جلست منى مخرجة رأسها من النافذة تتابع الحديث الحامي بين شقيقيها العزيزين بانتباه شديد تستشعر شيئا ما غير مفهوم.
طب انا مش بقولك روح يا معاذ عايزني اتعصب عليك دلوك في الشارع العمومي ونلم علينا الناس.
وتلم علينا الناس ليه بس يا عم حمزة أيه اللي يوصلها للخناق اصلا دا كله عشان بقولك اروح معاكم في العربية.
دفعه فجأة ليصطدم ظهره بالسيارة محذرا إياه كازا من بين أسنانه
ياض إنت كام مرة اقولهالك من الصبح شغل عقلك دا اللي مسحته بأستيكة اجعدك معانا فين والاربع أماكن معايا في العربية محجوزه اخوها هيجعد جاري والحريم ع الكنبة اللي ورا ازوقك جمبيهم مثلا
لع زوقني جمب عم وصفي من جدام. فيها حاجة دي
قالها بسهولة ليهدر به
ونتحشر احنا التلاتة جمب بعض ليه من قلة العربيات معاذ يا واد ابوي حل عني انا على اخري.
سمع منه الأخير ليتجه إلى سلاحھ الأخير في استعطافه عله يشفق عليه
عايز احس بقربها يا حمزة اطل علي عنيها في المراية واشوفها ان كانت هتتعب من مشوار الطريق ولا تعوز حاجة اجيبهالها.
تدخلت منى في هذه اللحظات وقد تأكدت من ظنها لتشاكس بخبث الاثنين
حبيبي يا حنين انا عندي حل يا حمزة أيه رأيك تتصرف انت وتسيبه هو اللي يسوق بينا العربية ويرجعنا البلد.
سمع منها المذكور ليطالعها فاغرا فمه بدهشة ثم نقل نظره نحو الآخر الذي أشرقت ملامحه بالأمل والتمعت عينيه تمسكا بحلها
طب والله فكرة حلوة ايه رأيك توافق يا حمزة على الاقل تخدم اخوك.
اخدمك!
قالها حمزة بسخرية ليجذبه من قماش قميصه مبتعدا به عن السيارة مردفا بنفاذ صبر
دا انت مش عارف تمسك نفسك وانا واقف جمبك هتعرف تتصرف وانا مش معاك امشي من هنه ياض امشي لاحلف على موضوعك ده ما انا داخل في ابدا امشي ياض.
يووووه
تمتم بها معاذ يضرب بقدمه على الأرض يبرطم بسخط وكلمات غير مفهومة مغادرا على غير إرادته ليبحث عن وسيلة مواصلات تقله للذهاب. أما حمزة فقد حطت كفه على وجه تلك المشاكسة يدخل رأسها عنوة مرددا
وانتي خشي خشي وارحمينا من أفكارك الجهنمية اللي تودي اللومان دي.
وفي داخل البلدة عاد خليفة حاملا حقيبة الملابس التي خرج بها في الصباح مع شقيقه قبل أن يتركه المذكور داخل المحافظة التي كانوا على وشك مغادرتها ليلغي فكرة السفر من الأساس. قرار مفاجئ كاد أن يطيح بعقله وهو يفكر في السبب بعد ذلك.
حمد على السلامة يا خليفة راجع بشنطة اخوك ليه
صدر السؤال من حسنية التي كانت في استقباله جالسة في مكانها المعروف وسط المنزل. ليتبسم لها ساخرا يجيب
اصل البرنس لغى فكرة السفر زي ما قرر فجأة يسافر لغى كمان فجأة واحنا كنا على وشك نطلع خلاص ولدك ده مچنون يا امه.
تلقت قوله بعدم استيعاب تطالعه وهو يضع الحقيبة على الأرض ثم يحط بجسده على أقرب أريكة متكئا عليها. فأتى التعقيب من زوجته التي جاءت هي الأخرى على الصوت
شنطة معاذ بتعمل ايه معاك يا خليفة هو سافر من غيرها
ضحك بخفة خلف قولها فتولت والدته الرد متهكمة
لع يا حبيبتي بيقولك المحروس مسافرش اصلا بعد ماجضوا نص اليوم برا كأنهم خدوا الشنطة يفسوحها .
وه يا امه.
تمتم بها خليفة باستياء ليردف نحوها عاتبا
وانا ذنبي ايه بس ولدك جطع من مخه واحنا في نص الطريق وسابني لوحدي عايزاني افر وراه يعني انا خدت جعدتي على القهوة ريحت شوية وشربتلي حجرين شيشية على امل انه يرجع لكن محصلش اعمل ايه بجى افر ادور عليه بمكروفون.
ايوة يا حبيبي لكن ليه دا اللي احنا عايزين نعرفه عايزين نعرف السبب.
تدخلت هالة بتحقيقها المعتاد في كل أمر لا تعلمه لا تستريح أو يغمض لها جفن حتى تلملم جميع المعلومات التي تريدها. ولمعرفته الشديدة بطبعها أمعن هو في مراوغتها لينتفض فجأة قائلا
وانا مالي يا ابوي ما تسألوه انتوا لما يرجع وافهموا منه لو اتكلم أو اسألوا
حمزة!
قال الأخيرة بصوت خفيض وقد ابتعد بمسافة كافية مكنته من صعود الدرج سريعا كي يختفي من أمامهن. فتبادلت الاثنتان السؤال بدهشة
حمزة!
أما هو وقد استقر في مكانه ينتظر خروج الأم وابنتها وشقيقها ليوصلهم.
كما توقع داخله فوجئ بها تطل أمامه بمفردها تسبقهم. ولم يكن السبب غريبا على شخصيتها رغم معرفته القصيرة جدا بها.
فقد كان يعلم أنها ستأتي. العزيزة الحرة لم تتقبل ما أجبر شقيقها عليه بالخدعة.
راقبها وهي تقترب منه بخطوات يزينها الحياء تلتف حول وجهها البردة التي تحجبها عن أعين البشر وتحميها من مكرهم.
هي الفتنة بحق امرأة كاملة بحق تخفي ذاتها عن النفوس الطامعة. وهو أخيرا قد وجد ضالته فيها.
اعتدل في وقفته فور أن اقتربت منه فتخاطبه بصوت بالكاد يخرج من فرط خجلها
سلام عليكم انا كنت





