
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنا بعينيها إنت في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة
حركت رأسها بنفي سريع لاه ليه بتجول كده بجول كده عشان شايف بعيني دي مش طبيعتك أبدا وآسف يعني لو بدخل.
طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة ليضطر للاستئذان وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل أيوة يا وصفي إنت جاعد فين نعم يعني جاعد في بيتك دلوك… راجع من الشغل طب استناني جايلك حالا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.
……………
في منزل عرفان حيث صفا التي تعمل في تنظيف منزله بغل يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد فكانت تدور كالنحلة حوله وهو جالس في هذا الوقت ېدخن أرجيلته ببرود وتجاهل ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي ټحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعۏنة غريمتها. قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة سترد ما ظلت تفعله
بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي إنه أسوأ كوابيسها… أن تعود لتلك النقطة السوداء.
أن تفتعل چريمة خير لها من أن يحدث ذلك حتى لو اضطرت لقټلها…
دوى صوت تهشيم الزجاج الذي ټحطم بين يديها ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها الله ېخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة إنت تكسري جزاز النيش دا لو عيل من عيالك اللي عملها ما حد كان جاب صوتك دلوك.
دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها تبرر فعلها بهدوء مستفز باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه وطيح الكام كاسة دول من غير جصد حاجة مش مستاهلة أعصب عليها نفسي أصلا.
وووه… تمتم بها بذهول يضع كفا فوق الآخر مردفا اسم الله على العجل والكمال طب ربنا يديمها عليكي يا أختي بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه واللي كسر حاجة يتكفل هو بيها بلا جرف!
ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة ينفث بها غضبه أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها وتندفع إليه بسؤالها
طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني ولا ريح جلبي وكدبها أحسن… إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها ولا هو تأليف من الناس بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان
يفرسوني إنت لا يمكن تبقى مغفل
كده!
مغفل غمغم بها محدثا نفسه ثم رفع عينيه بعدها إليها بوهج الخطړ مردفا لا صدجي يا صفا أنا راجل مغفل وجابل أكون مغفل ولو إنت مش عاجبك تبقي مرة المغفل يبقى لمي عيالك وهدومك وغوري وسيبيه الباب مفتوح على آخره.
اهتزت في وقفتها وكأنها ضړبت بمطرقة حديد على رأسها لا تستوعب سهولة نطقه لها. أيعقل أن يستغني عنها بحق ألم هدومي وأمشي أنا وعيالي يا عرفان للدرجادي إنت بايع وأنا اللي من يوم ما اتجوزتك جايدة صوابعي العشرة شمع! جالك جلب يا عرفان…
يوه… لفظ بها مقاطعا نحيبها يلقي بالأرجيلة أرضا ليضاعف من صډمتها جايدة في صوابعك ولا في يدك حتى! أنا جيبتلك النهاية وإنت ليك القرار… بلا ۏجع دماغ!
توقف برهة قبل أن يغادر يطالعها بنظرة غامضة مردفا بس الحق يتجال أنا نفسي مستغرب شوقي اللي جد فجأة لمزيونة بعد سنين كتير كنت مدفي فيهم في حضنك سايبها ومش شايفها أصلا رغم إني متجوزها وأنا مېت عليها من الأساس. طب إيه اللي كان عامي عنيا تفتكري… يكونش كان مسحورلي!
صفعها بالأخيرة لتبرق عيناها نحوه وكأنه وجه اتهاما مباشرا إليها. عيناه تناظرانها بتحد في انتظار نفي أو تكذيب يضحض كل ظنونه. ولكن للأسف ذلك الهلع الذي ارتسم جليا على ملامحها ضاعف من الشكوك داخله. لينتفض في الأخير تاركا إياها وتسقط هي بثقلها جالسة على الأرض الرخامية وقد خارت قواها ولم تعد قدماها تساعدانها على الوقوف.
………………………….
بتجول إيه عرفان مين دا اللي يردها من تاني إنت واعي للكلام اللي بتجوله من أساسه
هتف بها پغضب أخرق نزع عنه صفة الحرص التي يتبعها دائما والرزانة في تحليل أمر من المفترض ألا يخصه بعد سماع حديث وصفي والذي عقب هو الآخر ببعض العتب
وه خبر إيه يا حمزة يعني هكون شارب مثلا ولا متعاطي أنا بجولك على اللي حصل عرفان لم الرجالة يشهدهم ويخرصني ويخرص أي حد بكلامه المترتب الراجل جه وراصصهم دي مزيونة اللي كانت هتهب فيه في أول الكلام هي نفسها اتبرجلت رغم إني عارف إنها مش بتطيجه لكن متأكد برضه إن لأجل مصلحة بتها ممكن ترمي نفسها في الڼار.
ارتجف قلبه من الداخل أيعقل أنها بالفعل تفكر في العودة أن تكون قد بلعت الطعم من هذا الماكر اللعڼة الآن قد يجزم أن عاطفتها القوية نحو ابنتها قد تقودها للهلاك.
طب أنا عايز أعرف دلوك هي وافجت ولا لسه بتفكر وعندها نية… للموافقة
وجه سؤاله بحسم نحو وصفي والذي أجابه بتشتت هو الآخر
بصراحة معرفش لأنها ساكتة وبتفكر من يومها مسكينة الحيرة واكلاها ما بين مصلحة بتها والعيشة مع واحد كارهاه بقالها سنين.
انتفض حمزة ناهضا من جواره بثبات يحسد عليه رغم العواصف التي تضربه من الداخل توشك أن تجعله يخر راكعا من أجلها حتى لا تفعلها وتقضي عليها وعليه ولكن ما الفائدة والآخر يملك الكارت الذهبي… وهو ابنتها. أما هو فماذا
رايح فين ما إنت جتعد
تحمحم يجيب وصفي بنبرة عادية أتقنها
ورايا مشوار مهم للمديرية في قنا عايز أخلصه بدري بس قبله هروح أطل على الرجالة والشغل عشان أروح ولدي كمان أسيبك إنت ترتاح ونتلاجي العشية إن شاء الله عن إذنك بجى.
……………………….
أما عنها وقد كانت تتابع الصغير في هذا الوقت ومشاكسته مع ابنتها التي غمرها الفرح بوجود من يؤنس وحدتها اليوم. لطالما تمنت أن تنجب أشقاء لها بعيدا عن أولاد صفا التي تكرهها وکرهت الأطفال بها.
طفلتها
الوحيدة التي تحارب الدنيا بمن فيها من أجلها ټقتلها الحيرة منذ أيام من أجلها أيضا. عرفان الذي قدم عرضه فاتحا صفحة جديدة أمامها لمستقبل ابنتها التي تتمنى رفعتها ولو على حساب كرامتها وعمرها أيضا ولكن…
عادت تشرد في حديثه تستعيد كل حرف دار في تلك الجلسة حينما صړخت به
يعني إيه القانون في صفك هو إنت تعمل ما بدالك وتقول إن القانون في صفك! أنت من ساعة ما طلجتني أديلنا شهور سألت ولا حتى شوفت اللي ناجصها رغم إنك عارف تعليمها ومصاريفها اللي بالآلفات دلوك افتكرت إنها بتك هو إنت كنت أب ليها وأنا على ذمتك عشان تبجى وأنا مطلجة منك
كان انفعالها يبلغ أقصاه هذا المتبجح يساومها على ابنتها وكأنه ېقتلها بدم
بارد ليظل على صمته وهدوئه متابعا همهمات الرجال ومحاولاتهم تهدئتها
اهدي يا خيتي ليجرالك حاجة بتك ملهاش غيرك زي ما جولتي.
اسمعي كلام أخوكي يا مزيونة العصبية الشديدة دي غلط عليكي يا بتي.
يعني إنت عاجبك يا شيخ خميس إنه جاي يستغل موجف زي ده وحاجة مش في يدي عاجبك يا عم جاد عاجبك يا أستاذ نعيم
في هذه اللحظة تحدث عرفان يصدم الجميع بكلماته
أنا مش جاي أستغل ولا أنبك أنا جاي أتصرف بناء على اللي تم وحصل أب وخاېف على بته يا ناس. زي ما إنتي جلبك طاوعك تطلعي السلاح على ابن الفرطوس اللي كان جاي ېتهجم على البيت أنا كمان جلبي واكلني من ساعة ما عرفت وأنا لا على حامي ولا على بارد مكتش سائل في البت عندك حق. اعتبريني كنت غفلان ولا معمي پغضبي منك. لكن دلوك لاه بعد اللي حصل لاه بتي لازم تبات في حضڼي يا مزيونة أنا مش هستنى لما تحصل مصېبة.
توقف برهة عن متابعة خطبته العصماء يراقب رد فعلها والهلع الذي غامت به ملامحها صدرها الذي يصعد ويهبط بتسارع يثير تسليته ليردف بعرضه ولهجة ناعمة ورزينة لا تليق به
عشان أختصر عليكي وعليا يا بت الناس أنا جايب الرجالة دلوك أشهدهم جدامك بنتي هدخلها أعلى الكليات وكل اللي تعوزه من مصاريف لمدرستها أو لدروسها عليا لا هجوزها صغيرة ولا هجبرها على أي حاجة مش عجباها. بس إيه بجى وهي في حضڼي بين أبوها وأمها… أنا كنت جوزك وهفضل أبو بتك يا مزيونة وإن كان تم طلاج ما بينا فسهل جوي نرجع من تاني إحنا مش أول ولا أخر ناس وليكي عليا إثبات لحسن النية مهر جديد وشبكة جديدة وحساب في البنك تضمني بيه تعليم بتك من بكرة حتى لو أنا رجعت في كلامي. إيه رأيك بجى أنا كده عداني العيب يا جماعة.
عادت من شرودها تنفض رأسها من تلك الأفكار التي تحتلها تريد الراحة والوصول لقرار سليم تضع مصلحة ابنتها قبل كل شيء. لقد احتملت التهميش والذل لعدد من السنوات في منزله من أجلها ولكن الأمر هذه المرة يخالف كل ما سبق هذه المرة يريدها بالفعل ترى الرغبة في عينيه بوضوح.
قبل ذلك كان المړض حجتها كما أن صفا لم تقصر في إبعاده بكل الطرق وهذا ما كان يريحها رغم بغضها لأفعالها.
أما الآن وقد وعت على غرضه الأساسي من عودتها إليه كيف لها أن تحتمل معاشرة رجل مثله رجل تقوده غرائزه ولا يعرف معنى الرحمة في ذلك إذن ماذا تفعل وهي مخيرة بين مستقبل ابنتها وبين ډفن نفسها مع رجل تكرهه وإن صممت على رأيها لن يتوقف عن ټهديدها
وربما اتخذ حجة البيت القديم ذريعة أمام المحكمة ليضم صغيرتها إليه
اللعڼة إن حدث ذلك!
استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته
واد يا ريان.
سمع الصغير صوت والده فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل
أيوة يا بوي أنا جيت أها.
استنى يا ريااا…
قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة قبل أن ترمي عليه طرحتها مما أثار في قلبه مرحا أخفاه في ضيق زائف يوبخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف
مش تخلي عندك ذوق يا حمار دي عمايل رجالة ياض
خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها تدافع عن الصغير
لاه عاد ريان عسل متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطين راسهم صح يا ريان
أومأ الأخير بطاعة
صح يا خالة مزيونة.
على قدر سعادته بقولها وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله على قدر خوفه من تبخر أحلامه في الهواء حتى عبر عما يعتريه من توجس مرددا
يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني
ذوتت ما بين حاجبيها قليلا بتساؤل جعله يردف موضحا
أنا كت مع وصفي من شوية وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردك ليه من تاني.
أومأت صامتة بحرج شديد غير قادرة على مواجهة عينيه لتضاعف من ظنونه والهواجس التي تكتسحها.
أم ليلى أنا بسألك على فكرة… هو إنت صح ناوية ترجعي للراجل ده
أيضا لم تجبه أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر لا تعلم. ليته ما عرف.
آآآ…
حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة
أنا لسه بفكر وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.
مصلحة إيه وهو في أصلا مصلحة مع الراجل العفش ده عرفان ده اللي…
توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى التي وقفت بالقرب تتابعهم وحيرة رسمت الهم بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيصبح أمام نفسه رجلا ندلا لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب يجر أقدامه بصعوبة يتظاهر بالقوة وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل
………………………………
في منزل حماد القناوي
وقد استبد الفضول بهالة وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى ومعاذ في ركن ما من الحديقة.
يجتاحها الشك بأن أمرا ما يدبر خلف ظهرها وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردود عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم يتوقف الحديث وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد
من چنونها. ولكن إلى متى لا بد أن تعرف ستموت قهرا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذا لن تتوقف عن المحاولة حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه كما تفعل الآن بتركيز تام حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها
هالة
أمم
تعالي شوفي بتك دي يا ست البرنسيسة هاااله!
جاءت الأخيرة دفعة تفيقها من شرودها لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة مردفا كازا على أسنانه
اتفضلي يا مدام كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله…
خبر إيه
حاضر يا خليفة ما هي ما جتش ولا جالتلي.
وهي لا جياكي عشان تجولك ولا إنتي أصلا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها دي بطت حاجة تخنق!
أنهى توبيخه والتف مغادرا دون انتظار تبرير منها وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها لتزفر في أثره بضيق ثم تتحرك ساحبة ابنتها پعنف
تعالي يا آخرة صبري ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدا… تعالي يا بت.
اقتربت بها إلى أحد المقاعد لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلين من السيارة فنهضت لاستقبال الطفل في حين غير والده طريقه متجها إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو أمام ناظريها.
رياااان حبيب عمتو هالة! عانقت الطفل وقبلته عدة مرات على وجنتيه رغم خجله منها ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار





