روايات

لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر

إحنا الاتنين نندفن بالحياة دا يرضيك
لا طبعا ميرضنيش…
قالها في رد سريع ثم أخرج من صدره تنهيدة مثقلة ليردف ببعض الارتياح وكأنه قد وجد نفسه أخيرا
عارفة يا روان إن أنا مفروض أشكرك دلوك بجد والله من غير هزار.
بجالي سنين في توهة وأفكار غبية عن وهم صنعته في عقلي
فاكر نفسي إني بحب من طرف واحد وكاتم على اللي بحسه جوايا.
عمال ألوم نفسي مرة في السكوت لحد ما سيبتك تضيعي مني وتروحي لأقرب ماليا
ومرة تانية إني مش قادر أطلع حبك من قلبي وأنا عارف إنه ما ينفعش.
توقف فجأة زافرا پغضب مكتوم
بقالك سنين عارفة بكل ده وحاسة بيه
ويمكن كمان مستمتعة بالاحتياط اللي مستني رضا منك
ولما ييجي وقت عوزته هيركض ركض
عليكي لما بس ما تشاوري…
لكن لا يا روان مش أنا اللي أقبل.
روحي دوري على حد تاني بعيد عنينا.
عيلة القناوي كلها رجال مفيهمش واحد واطي ولا خسيس يناسبلك.
ونهض پعنف عن مقعده هاتفا بصوته الجهوري على النادل دون مراعاة لهيبة المكان أو وضعهما وألقى عددا من الأوراق النقدية على الطاولة
جرسون! تعال خد حسابك والباقي خده بجشيش حلال ليك.
ورمقها بنظرة أخيرة بازدراء عرفت منها مقدارها الحقيقي الآن بالنسبة إليه قبل أن يذهب ويتركها في صډمتها.
مازالت الاستعدادات مستمرة وقد حان الآن وقتها
ولكنها رفضت أن تفعل أي شيء قبل أن تصعد إلى ابنتها وتطمئن عليها.
ولجت إلى داخل الغرفة التي كانت غارقة في الظلام فخطت بأقدامها شدت ستار الشرفة ثم فتحت شراعيها ليغمر ضوء الشمس نصف الغرفة الأمر الذي جعل ابنتها تستيقظ من غفوتها على الفور وتغلق بكفيها على عينيها بعدم تحمل
باه عليك يا معاذ أنا جيلالك عايزة أنام يا شيخ حرام عليك.
ما أنا مش معاذ يا جلب أمك.
تفوهت بها مزيونة لتحط جالسة بجوارها على الفراش فقابلتها ليلى بوجوم قائلة
هو إنتي مش دخلتك النهاردة برضو
اجفلت مزيونة حتى تجلى الارتباك في ردها
وه مش تقولي صباح الخير الأول يا ليلى صاحية على الأسئلة كده دوغري!
تمتمت ليلى
صباح الفل والورد ياما معلش صاحية مش مركزة.
مش مركزة برضو
تمتمت بها مزيونة في داخلها بتساؤل أصبح يراودها عن الموقف الحقيقي لابنتها من زواجها. لقد أبدت من البداية موافقتها بل والعكس لطالما كانت تلمح عن حمزة وعن رجولته وعن وعن لكن ما إن تمت الخطبة القصيرة والمفاجأة حتى تغيرت معها بشكل غير مفهوم المعاملة بينهما أصبحت فاترة بدون سبب. كم من مرة صارحتها تسألها عن موقفها من الخطبة لتعرف رأيها ولكنها دائما ما تجيب بنفس الإجابة ولا تريحها.
ليلى يا حبيبتي هسألك تاني وللمرة السبعين حتى
موافقة على جوازة أمك اللي لا كانت على البال ولا على الخاطر ولا لاه جولي يا بتي لو ملكيش غاية بلاش أوجف ومكملش.
استنكرت ليلى وهي تعتدل بجزعها حتى تجلس بجوارها
إيه هو اللي متكمليش ياما إنتي جاية النهاردة وفي الليلة الكبيرة والناس والمعازيم مليين الدنيا وهتجولي لا هو لعب عيال عمي حمزة كاتب كتابه عليكي يعني مرته شرعا إنتي ناسية
لا يا حبيبتي مش ناسية بس خاېفة أكمل وإنتي مش راضية هيفيدني ساعتها سي حمزة
أشفقت ليلى حتى ألقت بثقلها عليها تكرر لها وللمرة الألف
والله موافقة يا أمه والله موافقة أجولها كام مرة عشان تصدقي بلاش تزعليني من نفسي الله يخليك.
ضمتها مزيونة إليها أكثر تقبل أعلى رأسها
وأنا عمري ما أزعل منك يا جلب مزيونة ولا عمر راجل هياخدني منك لا تفتكري كمان إني هشوف نفسي وأنشغل عنك.
رفعت رأسها إليها تعارضها
وماله ياما لما تنشغلي بنفسك أنا كبرت على فكرة ولما اتجوزت فهمت أكتر إنتي اتظلمتي جوي يا أمه وحقك تشوفيلك يومين. عمي حمزة
حنين وأنا واثقة إنه هيعوضك.
اكتنفها الخجل تأثرا بكلمات ابنتها حتى حاولت التشويش بالمزاح
يا أختي لا عايزة عوض ولا زفت أنا كده زينة وفل الفل المهم خلينا فيكي أنا عايزاكي دايما مبسوطة يا نور عيني.
وكان الرد من ليلى ابتسامة صافية بصدق موقفها المؤيد ولكن داخلها حرب شعواء والسبب والدها الذي لا يكف عن الاتصال بها والشكوى مما حدث إليه من غدر من قبل حمزة.
………………….
أما عن عرفان الذي كان يغلي كفوهة بركان يتحين الفرصة فقط من أجل الانفجار لتأكل نيرانه الأخضر واليابس ذلك المتحذلق الذي علم عليه في كل المعارك التي خاضها معه دائما ما يباغته دائما ما يختار الوقت المناسب كي يضرب ضړبته وما أقسى تلك الضړبة الأخيرة لقد أخذها منه أخذها منه بعد أن استفاق هو وعاد إلى وعيه وعشقه القديم لها.
ضړب بكف يده الغليظة على خشب الخزانة التي تحتوي على ملابسه حتى انشطر بشكل طولي من قوة الدفعة يريد أن يفرغ غليله بأي فرد الآن وكأنه محپوس داخل قفص حديدي مقيد بعد أن سحبت منه كل الحيل. فكلما تهور هزمه الملعۏن بأقل الوسائل وأشهد عليه خلق الله لا أحد يقف معه حتى عائلته وقد نالهم الخزي من أفعاله كما يتحججون دائما. نيران تأكله من الداخل كلما أتى بذهنه أن أحدا غيره سيلمسها يريد إطفاء حريق صدره بأي طريقة حتى لو اضطر لافتعال چريمة.
الغداء يا غالي مش هتاجي تدب يدك في وكله زينة بدل ما أنت بتاكل في نفسك.
تمتمت الأخيرة بصوت كالهمس لكنها وصلت إليه مع تلك النبرة الشامتة التي أصبح يستشعرها منها طوال الأيام الفائتة وكم من مرة فش غليله بضربها ومع ذلك لا ترتدع أو تتراجع
إيه يا صفا شكل جتك خدت على الضړب يا جزينة ولا هو بجى معاك إدمان تحبي أريحك خالص المرة دي بطلوع روحك النهاردة بالذات معنديش غير كده عشان تبجي عارفة يعني.
نثرت مجموعة من أوراق الجرجير التي كانت تتسلى بهم من فوق صينية الطعام لتسخر بهدوء وعدم اكتراث تزيد عليه
اشمعنا النهاردة بالذات يعني لا تكون خسړت في شغلك كمان اهو دا اللي ناقص هتبقي خسارة وجلة قيمة كمان اهو دا اللي ناقص….
وكأنه كان في انتظارها اندفع بدون انتظار 
أنا هخليها جلة قيمة وجلة عقل كمان بالمرة وأطلع روحك المرة دي في يدي.
لم يشعر بنفسه إلا بعد صړاخ صغاره وابنه ناصر أكبر أطفاله منها وهو يضرب بكلتا يديه على كل منطقة يطالها من جسده
بعد يدك عنها والله لو مۏتها لموتك أنا كمان بعد.
دفعها بقوة حتى أوقعها على الأرض فجثا الفتى بجوارها يربت عليها ويتبادل نظرات التحدي مع والده الذي تجمد في مكانه يلهث پصدمة لقد كبر الفتى وشب رغم صغر سنوات عمره لتطول يداه على والده. يبدو أن صورته اهتزت ولم تعد له قيمة بالفعل حتى في بيته.
زفر ليسحب نفسه فجأة مغادرا من أمامه وشياطينه معه.
……………………..
كلما مر الوقت كلما اشتعلت مظاهر الفرح أكثر فأكثر
رغم أنها كانت قد شددت عليه ألا يفرط في الاحتفال كما كان ينوي وأن يجعلها ليلة تشهد عليها البلدة بأكملها.
تذكرت أنه في هذا اليوم قد صړخت به أمامهم جميعا حتى لا يفعلها
فهادنها وادعى طاعتها باختصارها على ليلة للذكر الحكيم
مع دعوة الأقرباء إلى مأدبة طعام فصدقته.
ثم جاء اليوم وشهدت بأم عينيها ڼصبة الفراشة التي شملت حيا كاملا
وعدد الذبائح التي تكفي بلدة كاملة
ثم المزمار البلدي اشټعل منذ أذان العصر
ووصلت منه أصوات التهليل من الرجال والرقص على الأحصنة
وكأنه مهرجان أو مولد!
زادها ذلك حرجا وهي في مراحلها الأخيرة
تحت يد الفتاة التي تقوم بتزيينها
رغم أنها لم تكن تريدها من الأساس
لكنها اضطرت إليها بعدما أصر برأسه أن يأخذها
إلى أكبر مركز تجميل في المحافظة.
كان يكتنفها حرج غير عادي
تتمنى فقط أن يمر كل شيء في هدوء
فهي تكره هذه الجلبة التي لا داعي لها.
بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله
قمر وبدر منور يا مزيونة!
هتفت بها منى من خلفها فجأة
حتى انتفضت على أثرها
ثم تبسمت لعفويتها مرددة بخجل
مش جوي كده يا منى
دول شوية مكياچ وبودرة في الأول وفي الآخر يعني.
مكياچ مين يا مچنونة اللي هيخلي الواحدة بالحلاوة دي
صاحت بها محروسة زوجة شقيقها متدخلة في الحديث
علها تخفف عنها قليلا من توترها
فهي الشاهدة على مأساتها منذ بداية اليوم
مع محاولاتها الحثيثة لتحفيزها.
بصي في مرايتك زين يا مزيونة
وشوفي الحلاوة الرباني لما ينضاف عليها
بس شوية ألوان يبينوها
والله ما كدبت لما قالت قمر يا حبيبتي وبدر منور!
ختمت عبارتها بقبلة حانية على وجنتها
فصړخت منى التي كانت تتابع بتأثر
عندك يا محروسة!
هي حبيبتك آه بس من بعيد لبعيد الله يخليكي
معانا واحد مچنون
لو شاف حد بېلمس ممتلكاته هيعملها جناية!
ضحكت محروسة مع الفتاة التي كانت تلملم أدواتها
على عكس مزيونة التي تطلعت إلى منى بخجل متضاعف تنهاها بحذر
بلاش الكلام ده يا منى
لأحسن والله لو زودتي
هجوم ويسيبها لكم خالص!
تروحي فين يا غالية
بعد خلاص ما ډخلتي القفص
ولا السبع اللي برا ده هيسمح أصلا
ده مصدق!
قالتها منى ثم اقتربت تعانقها من الخلف
تقبلها على رأسها تخفف من جرعة الضغط عليها بالمزاح
رجلك شغالة هز تحت الكرسي
ولا اكنك عروسة في أول دخلتها
وشي بجى في الأرض من البت الكوافيرة
اللي واخدة بالها وعمالة تضحك!
التف رأس مزيونة فجأة بالفعل نحو الفتاة
فلحقت بها منى تهمس في أذنها
يا بت بهزر معاكي ما تفضحناش!
أنا بس قاصدة أناغشك
تعالي بقى الحريم والكل مستنيكي برا.
استقامت تسحبها من يدها
لكن مزيونة تشبثت قدميها بالأرض تعترض
بلاش يا منى خليني هنا
هي الحريم دي لازم تشوفني يعني
اشحال ما كانت ليلة عزاب!
قهقهت منى معقبة
يا أختي احمدي ربنا على كده
ده حمزة كان عايز يعمل كوشة ومسرح وحكاية!
أيوه عشان كنت سيبتها له خالص!
ضحكت منى لتسحبها من يدها ساخرة
تاني برضه يا مزيونة
تعالي يا خيتي وبلاها أحلامك دي!
خرجت بها بالفعل من داخل الغرفة
التي كانت تتخفى فيها منذ الصباح بحجة الاستعداد لليلتها
لتنزل بها الآن وهي تتشبث بها كعروس بكر
ليس خجلا بقدر ما هو قلق شديد طبع في الذاكرة
من مخلفات الماضي البائس…
وما إن أطلت بها من أعلى الدرج حتى صدحت أصوات الزغاريد تجلجل المكان
وتفاجأت مزيونة بالعدد المهول من النساء اللاتي لا تعلم بصفة معظمهن
ولكنها مضطرة للتعامل والتكيف.
تلقفتها حسنية تقبلها وتضمها إليها بأمومة ليست غريبة عنها
ودارت بها على النساء الكبيرات من عائلتها
حتى استقرت مزيونة في النهاية بجوار ابنتها
التي جلست في مكان مبتعد إلى حد ما عن الضجيج
حرصا على سلامتها وسلامة جنينها
فكل حركتها محسوبة بشدة.
اندمجت قليلا حتى كادت أن ترتخي
لولا صوته الذي صدح فجأة يجذب أنظار الجميع نحوه
وه! عروستي جاعدة هنا يا غجر
وأنا جاعد برا بسلم على الخناشير!
أثار بمزحته ضحكات النساء وتعليقات شقيقاته
الأمر الذي انعكس عليها بالمزيد من الحرج
حتى همست إلى منى موسوسة لها
أحب على يدك قولي لأخوك يلمها!
مش كفاية المقلب اللي شربته وقال لي بأن الليلة على الضيق
أمال لو على الواسع كان عمل إيه
تبسمت منى لها بقلة حيلة
رغم ابتهاجها الشديد لفرحة شقيقها
الذي عاد بأفعاله لعريس صغير في العشرين من عمره.
تبادل

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock