روايات

لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر

النهاية قد تخطاها بالفعل يسير بخطوات مستقيمة ثابتة غير مكترث بحالتها وقد توقفت محلها تطالع أثره پصدمة وعدم استيعاب. هذا ليس خليفة الذي كان يتلهف إلى نظرة منها والذي كانت معجبة به في البداية قبل أن تلتقي بحمزة ويأسرها بشخصيته القيادية الجريئة والقوية. لقد خسړت الإثنان الآن بسبب هالة زوجها القوي الجريء وخليفة الصديق الطيب.
……………………
لا يوجد سقف لجنونه معها لم يكتف بسفرهما بعد الفجر باكرا حتى إذا وصلا إلى هنا داخل الشاليه المنزوي في جهة وحده بعيدا عن الزحام والبشر جزء كامل منه على البحر لهما وحدهما.
تماما كما طلبه حمزة من صديقه … لم يمهلها إلا ساعتين فقط للراحة ليسحبها من يدها ويخرج بها من أجل السباحة.
أجبرها هذه المرة كما فعل سابقا وجعلها ترتدي ملابس لم تكن لتجرؤ على ارتدائها أبدا ليأتي الآن ويجعلها ترتدي هذا الشيء الجديد عليها يدعى بوركيني يغطيها بالكامل ولكن جزءا منه ملتصق بها والجزء الأعلى فوقه خفيف ومختلف في قماشته. ومع أنه كان يبدو جميلا عليها إلا أنها ما زالت تتذمر وهو يسحبها نحو مياه البحر
يا باي عليك يا حمزة وعلى غلاستك يا عم سيبني أكمل القعدة على الشط وعوم أنت
لوحدك أنت عارفني هعرف أعوم يعني!
شدد حمزة بإصراره المعتاد
مش مهم تعرفي يا ست مزيونة المهم أنا أعرف وأعلمك تعومي معايا. أنا مش جايبك تتفرجي عليا لازم نعيش التجارب كلها سوا ونستمتع مع بعض.
تابعت تزوم برفض وقدماها تخطوان داخل المياه من خلفه رويدا رويدا تتقدم في العمق
كفاية يا حمزة الميا قربت توصل لرقبتي سيبني أشوح بيدي ولا أبلبط في الجزء ده وأنا واقفة وانت قدم للغويط براحتك.
ما فيش عوم في الغويط من غيرك يا مزيونة اشبطي فيا كده وما تخافيش.
يا مري مخافش كيف
قالتها بړعب حين حملها فجأة بين ذراعيه يسبح بها وهي ما زالت تتشبث به بړعب تصلها أصواته بصعوبة وهو ينصحها أن تسترخي أن تترك خۏفها وجزعها من المياه والڠرق حتى تمكنت في الأخير أن تثبت محلها وهو في المياه يعوم حولها ويشاكسها ثم يغطس ويصعد يغطس ويصعد مأخوذا بمتعة السباحة في المياه الباردة ورؤيتها هي عابسة غاضبة خوفا عليه. كم من مرة نصحته ألا يزيد بالتخفي داخل المياه وكتم أنفاسه ولكنه يقابل نصيحتها بالعند حتى إنه في المرة الأخيرة زاد من المدة حتى صعد بعد عدد غير قليل من الثواني اختبر فيها عزيمته ليصعد بعدها شاهقا پعنف وابتسامة واثقة يريد معرفة رد فعلها على الإنجاز الذي قام به ولكنه لم يجدها…
جالت أبصاره في كل الاتجاهات من حوله ليدور بجسده يمينا ويسارا يكاد عقله أن يجن أين ذهبت
هو لم يغب عنها سوى لحظات قليلة قضاها داخل الماء كاتما أنفاسه بقصد التسلية وتخويفها أيضا ليصعد الآن ويجدها اختفت.
لا يوجد في البحر غيرهما والمساحة شاسعة وهي لا تعرف العوم!
مزيونة… مزيونة!
كان نداؤه صرخات يريد العثور عليها سريعا بأي طريقة. لقد شل الخۏف عقله لا يعلم كيف يفكر وأين سيبحث.
مزيونة… مزيونة…
جاءت صرخته الأخيرة أعلى من كل ما سبق ليباغت وعلى حين غرة فتظهر له فجأة من المياه كالجنية بمسافة قريبة إلى حد ما تلتقط أنفاسها لترد له المقلب كما يبدو لكنها لا تعرف العوم كيف تفعلها وتغطس!
كده برضو تخلعيني عليكي يا مزيونة كيف عملتيها وكتمتي نفسك ما خوفتيش لا ټموتي فيها
تبسمت بثقة تخبره وهي تستمتع بالمياه حولها وقد ارتخت أعصابها أخيرا.
لأ مخوفتش يا حموزي عشان بسببك
اكتشفت إني بعرف أعوم وأغطس أحسن منك كمان أنا بس اللي كنت ناسية.
كنتي ناسية!
ردد بها غيظا من خلفها ليغطس فجأة يقطع المسافة الفاصلة بينهما سابحا وفي لمح البصر وصل إليها ليقبض على ساعدها
أنا عايز أعرف دلوك اتعلمت السباحة فين وامتى وكيف جالك قلب تعملي المقلب الماسخ ده فيا
ضحكت تغطس منه مثل سمكة وهذا موطنها ترد الصاع صاعين
الكلام ده تقوله لنفسك يا حموزي. دلوك سميته مقلب ماسخ لما رديته ليك لكن أنت لما توجف قلبي عادي.
تمتم حمزة بتشتت وهي لا تعطيه فرصة للتفكير بالدوران من حوله
يا بت اهمدي خيالتيني أنا يا ستي راكبني الغلط واستاهل اللي يجرالي. المهم إنتي اتعلمتي السباحة فين دا إنتي ولا أكانك سمكة بلطي ولا مولودة في الميا
ما أنا فعلا تقدر تعتبرني مولودة في الميا
اسم الله!
صاح بها ساخرا بتعصب من أفعالها الاحترافية من حوله لتجيبه ضاحكة هذه المرة وهي تعوم بظهرها
الحكاية سهلة والله يا حموزي أنا كنت جلوعة أبويا لو تفتكر يعني كل أفعال الولاد كنت أعملها مع أخويا حتى العوم في الترعة…
أومأ حمزة بمرح وقد جاءت فرصته
العوم في
الترعة جولي كده…
أيوة وعوم في البحر كمان لما كنت أقعد بالشهر عند خالتي في سفاجا يعني نفس البحر اللي هنا.
تعيرت ملامحه فجأة باستدراك يجذبها من يدها بعصبية
خالتك دي عندها ولاد
عندها…
قالتها لتزيد من انفعاله ثم ابتعدت تتلاعب به
ولدها حسان كان زي أخويا يا حمزة وعمره مقارب من عمري ما يفرقش عني غير سنتين أنا وأخواته البنات كنا نسابقه ويسابقنا…
لم يعلق ولكنها رأت الشرار يتراقص في عينيه وبدا وكأنه على وشك الفتك بها إن لم تلحق نفسها
بس ده كان زمان يا حبيبي قبل ما أدخل الإعدادية يعني أنا كنت صغيرة وهو صغير بس دلوك هو كبر وأنا كبرت وجوزت بنتي على يدك وما شاء الله كلها كام شهر وابقى جده…
قالت الأخيرة ضاحكة أيضا ولكنه لم يتأثر بل عاد إلى الموضوع الأساسي الذي يشغله قائلا
المهم حسان ده اتجوز ولا ما اتجوزش
ما أعرفش.
لاه تعرفي بتقولي أكبر منك بسنتين يعني ما كملش خمسة وتلاتين واحتمال كبير ما اتجوزش.
وه يا حمزة وأنا هشغل نفسي بيه ليه ولا باخباره يعني
قالتها بارتباك ليؤكد عليها هو
لا مش هتشغلي نفسك بيه يا ست مزيونة بس هو اسمه ابن خالتك يعني طبيعي جدا إنك تعرفي معلومة كده ولا كده عنه.
ضيق الخناق عليها ليجبرها أن تخبره
وه عليك يا حمزة وعلى زنك عيال خالتي علاقتي مقطوعة بيهم من زمان من ساعة ما اتجوزت عرفان.
الحاجة الوحيدة اللي عرفتها عنه لما قابلت أخته من سنتين فاتو بالصدفة في بلدنا قالت أنه شغال في السياحة لما كنت بسألها عن أخبار خالتي وولادها بس كده ولا أعرف أي حاجة تاني…
ظنت أنها قد استراحت من الحاحه حين أخبرته بكل ما تعرفه ولكنه عاد يدخل إليها بطريقة أخرى
أمم يعني عرفان كان قاطع علاقتك بيهم أنا ليه حاسس إن حسان هو السبب
أنت كمان حفظت اسمه طيب مع نفسك بقى فكر وعيد وزيد أنا بصراحة ما صدجت لقيت الميا… عن إذنك يا حموزي.
قالت الأخيرة تتخذ طريقها في السباحة وتبتعد عنه حتى استفزته ليصيح بها بغيظ وهو يهم ليتبعها
الله عليك يا ستي السباحة يعني أنت تلفي راسي بكلمتينك وبعدها تعيشي حياتك في الميا… وديني ما أنا سايبك!
……………..
ولج إليها داخل الغرفة بعد أن استأذن وسمح له بالدخول ليجدها الآن جالسة بنصف نومة تتناول الطعام من يد شقيقتها الصغرى التي كانت جالسة بجوارها تطعمها الأرز بالملعقة.
فقابلته بابتسامة رائقة تناقضت تماما مع الشخصية التي يعرفها حتى جعلته يبادلها الابتسامة في إلقاء التحية
صباح الخير يا رب تكوني زينة النهاردة.
أجابتها برقة
صباح النور أنا بخير والحمد لله.
يبدو أن الفتاة الصغيرة هي الأخرى قد انتبهت للتغير الذي أصاب شقيقتها وهي ترد على أحد الرجال بلطف غريب عنها فتبسمت بحالمية تتابع الحديث بين الاثنين
أسحب لك الكرسي من الجنب وأقعد يا خليفة ولا أنت هتفضل واقف
لا يا ستي وأفضل واقف ليه نسحب الكرسي.
سحب أحد المقاعد ثم اقترب واتخذ جلسته بالقرب منهما يخاطب الصغيرة
أخبارك إنتي إيه حلوة هديتي دلوك بعد ما اطمنتي على اختك
أطرقت رغد بخجل لتتكفل شقيقتها بالرد عنها
حلوة إيه بس يا خليفة أنت فاكرها عيلة صغيرة دي في الجامعة هي بس اللي شكلها منمنم شوية…
وه…
تمتم بها شاعرا بالحرج وسارع للتوضيح
والله افتكرت إنها في إعدادية بس حتى لو كان ما هي زي أختي الصغيرة أو بنتي في كل الأحوال
مفرجتش يعني وهرجع أقولها تاني أخبارك إيه يا حلوة!
ضحكتا الاثنتان معه هذه المرة رغد التي شعرت بنوع من الألفة معه واعتماد التي لأول مرة تسمح لأحد أن يغازل شقيقتها المدللة أمامها لثقتها التي نمت مع الأيام والظروف القاسېة والتحديات التي مروا بها لشخصيته الناضجة المتزنة التي تجعلها لا تشك لحظة في نيته نحو تلك الصغيرة التي كانت ولا تزال العقدة الأساسية لها.
ممتشكرين… يا عم خليفة على زوقك… أختي اعتماد مش بس اختي لأ دي أمي وأهلي كلهم…
نظر إليها خليفة بتأثر وقد تأكد له الآن أن تلك هي حالتها الطبيعية في التلعثم فتاة في الجامعة وتتلعثم! ماذا تبقى من المآسي لك يا اعتماد
وكأنها لم تلاحظ هتفت اعتماد لتصرف انتباهه عن شيء آخر
الرائد اللي جه حقق معايا من شوية بلغني إنك شهدت على محمود بأنه زقني وكان متعمد ېقتلني.
سمع منها ليسألها باهتمام شديد
وانت كان ردك إيه أوعي تجولي إنك أنكرت.
نفت له تجيبه بحكمة
لا طبعا ما نفيتش لأني حتى لو ناوية اتنازل بالفعل عشان إنه جوز أختي وأبو بنتها رغم أنه يستاهل بس برضو مش هيحصل غير بعد ما أضمن حقي وحقها.
برافو عليكي يا اعتماد!
تفوه بها خليفة بإعجاب شديد لرجاحة عقلها ولأنها تزن الأمور بحكمة مهما كانت صعوبتها.
……………………….
داخل الشاليه الذي يجمعه بها توقف مذهولا ينظر إليها بعد أن ارتدت فستان السهرة الذي أتى به مخصوصا لهذه الليلة.
بلونه الأسود اللامع الجميل انتشرت عليه بعض الورود الملونة لتزيد من بهائه يغطيها من الرقبة حتى حذاء القدمين بالأسفل منسدل على الجسد برقة لا هو بالضيق ولا بالوسع وحجاب في الأعلى لفته بطريقة عصرية تغطي شعرها بالكامل أما عن زينة الوجه فكانت خفيفة جدا يميزها الكحل الأسود في رسم العينين ليضعها في مكانها الصحيح… فاتنة.
بالفعل كان مذهلا ولائقا بها حتى جعله يشعر بالفخر مهللا
أيوه كده هو ده يا واد يا حمزة عشان تعرفي إني بقيت حافظ كل حاجة فيكي وعارف اللي يليق عليكي بالتمام.
عبست قليلا مستهجنة طريقته الفجة
حافظ كل حاجة فيكي! ما تنقي ألفاظك يا حمزة أنا أصلا لابساه ڠصب عني وممكن أقلعه حالا على فكرة.
تخصر أمامها واقفا بالحلة التي كان يرتديها يخطف الأنفاس بطلته وأناقة هو الآخر يسخر مشاكسا لها
ولما تقلعي الفستان هتروحي معايا العزومة إن شاء الله في المطعم بإيه بقميص النوم مثلا ولا بالبيجاما البرمودا
ضړبت بقدميها على الأرض لتنهره حتى يكف عن وقاحته
احترم نفسك يا حمزة وبطل قلة أدب.
جلجل ضاحكا يرد عليها
مبقاش حمزة لو بقيت مؤدب! يلا يا ماما إيدك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock