روايات

لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر

سرحت ليه لا تكوني قلقتي كمان منها أنا بقول لك عشان تاخدي حذرك بس. إنت عارفة إني وراكي وفي ضهرك أكيد ولا عندك شك
تبسمت تجيبه بثقة
لا طبعا
عمري ما أقلق وإنت في ضهري. وعلى العموم أنا كدها برضه… يلا بقى أسيبك وأروح أغير العباية.
وما شرعت أن تتحرك خطوتين حتى أوقفها قبل أن تصل إلى باب الغرفة
استني عندك.
أردف حين وجدها التفتت إليه بتساؤل
كنت عايز منك كريم الشعر اللي قولتي عليه من شوية أنا كمان شعري بهتان وعايز يلمع هبابة.
طالعته بدهشة شديدة تكتم ابتسامتها بصعوبة وهي تجيبه
وراك على التسريحة يا حمزة. سرح شعرك زين ولمعه على ما ألبس عبايتي أكون جيت لك يا أبو ريان. بس أوعى تسرحه وتجيب الفرق على جنب من
عبس يتابعها وهي تغادر شاعرا بغيظ من سخريتها ثم الټفت إلى المرآة من خلفه ليتناول من العبوة التي أشارت عليها يضع منها فوق شعره مرددا
بتتريقي يا مزيونة دا بدل ما تيجي تسرحي لي بنفسك… ماشي.
بنت الجنوب 
طالعتها من شرفة الغرفة التي غابت عنها كثيرا تدلف من البوابة الحديدية إلى داخل محيط المنزل قادمة نحو المدخل على الفور تحركت متراجعة إلى غرفتها قبل أن تبصرها الأخرى من الأسفل.
أما هي فكانت تسير بحالة لا تمكنها حتى من النظر إلى الأعلى ولا من الانتباه إليها من الأساس فما كان يغمرها في تلك اللحظات أقوى وأعمق من الحزن نفسه.
لقد أجبرت نفسها بصعوبة على القدوم إلى ليلى في موعد الدرس بعد أن عادت إلى عملها رغم كسر ذراعها الذي لم يجبر بعد فهو سلوتها الوحيدة للهروب من الأفكار السوداء والوحدة من عالم الشقاء والتعب حتى إذا عادت آخر الليل تضع رأسها على وسادتها تنسى حتى اسمها.
أبلة اعتماد.
أتاها النداء من الخلف بنبرة الصوت التي تعلمها جيدا لتضطر إلى الوقوف في انتظاره وهو يتقدم نحوها حتى إذا اقترب يحدثها بلطفه المعتاد
إيه الأخبار شكلك رجعتي لنشاطك من تاني.
بلعت ريقها ترمقه بتوتر وعدم ارتياح تجيبه باقتضاب وهي تتجنب النظر إليه مباشرة
نحمد الله على كل حال. أنا رجعت الشغل فعلا بقالي يومين.
لاحظ خليفة اضطرابها وجمودها في الرد حتى دفعه الفضول ليستفسر عما بها
شكلك مش طبيعي النهاردة. ليكون حد من الجماعة إياهم زعلك ولا يمكن الواد محمود نفسه أتعرض لك أنا عارف الجماعة دول بوارد.
نفت تهز رأسها
لا… ما فيش أي حاجة من الكلام ده. أنا بس مستعجلة عايزة أخلص ليلى وعندي دروس تانية غيرها.
شعر بالحرج من طريقتها غير المباشرة في التعبير عن رغبتها في الانصراف حتى هم أن ينزاح من أمامها ويتركها ولكن سبقه الصوت المؤذي الذي أتى من خلفه
إنت قاعد هنا يا خليفة وأنا بنده عليك! وه أبلة اعتماد إزيك يا غالية
لم يغفل خليفة عن مياعتها المقصودة في النداء عليه أو في مخاطبة اعتماد التي اعتلت الصدمة ملامحها حتى بدا عليها شيء لم يفهمه وهي تنظر إلى زوجته العزيزة التي كانت مائلة بجسدها على مدخل المنزل بابتسامة غامضة.
لتجيبها اعتماد بعجالة وشيء من حدة
أنا زينة والحمد لله متشكرة على السؤال. عن إذنكم.
واتخذت طريقها متجهة مباشرة إلى الداخل متجنبة الحديث مع هالة التي ظلت تشيعها بنظرات مستفزة تقول بصوت عال
كنت عايزاك يا خليفة تاجي
تحرك الدولاب هبابة بعيد عن الحيطة. حيلي مهدود ومش قادرة حتى أحرك صباعي. قطيعة! شكلي سهرت كتير امبارح.
ويا ترى سهرتي فين إن شاء الله
باغتها بالسؤال خليفة الذي لم تدر متى أتى ليقترب منها بهذه الصورة وعيناه تتنقل منها إلى تلك التي تصعد الدرج بجمود دون أن تلتفت برأسها نحوهما. فخرج صوت
هالة مهتزا في التبرير بكذب له
سهرانة بفكر يا خليفة… في البنات وكيف نلم شمل العيلة من تاني.
توقفت برهة ثم تابعت بنعومة
دا حالي من ساعة ما خدتني بيدك وروحت بيا عند أهلي ترميني بالشهور… شوفت بقى أنا كنت بټعذب كيف في بعادك عني
لم يعقب بحرف واحد على شيء لم يقتنع به من الأساس وعقله قد ذهب مع تلك التي صعدت إلى الطابق الثاني بحالة غريبة ومعاملتها المتغيرة معه. ليتنبه إلى التي بدلت لتصبح هي المتشبثة به وكأنها تستجدي عاطفته. نزع كفها عن ذراعه رافضا الخنوع لها أو التصديق برواية لا تدخل عقل طفل صغير وغادر بخطواته السريعة تاركا المنزل بأكمله.
بنت الجنوب 
بعد قليل
كان موعدها مع اللقاء الأهم تلك مزيونة وحمزة ابن عمها وسبب بلائها وعڈابها منذ مولدها ومنذ أن وعت عينيها على العالم. وكم كانت غبية! عندما ظنت إنها خلقت له وهو خلق لها.
لقد كانت في انتظارهما منذ الصباح ومنذ أن وطئت قدمها المنزل وهي تعلم أن أحدا لن يجرؤ على إعادتها بعد أن وضعتهم في مواجهة مباشرة مع العائلة والبلدة والأصول التي يتبعها الجميع.
توقفت بالقرب من الردهة تتأمله قليلا حيث كان جالسا بالقرب من والدته بوجاهة وهيبة ووسامة خشنة و… اللعڼة عليها وعلى غبائها! وعلى هذا الذي انتفض فجأة بين أضلعها بمجرد أن وقعت عيناها عليه بعد شهور لم تره فيها. أتسميه اشتياقا لرجل تكرهه حد العمى كيف لابد أنه شيء آخر… نعم.
تحركت خطوة واحدة في اتجاههما فرأت الملعۏنة الأخرى في نظرها سبب الخړاب عليها… مزيونة وقد كانت جالسة على أريكة تضم ريان الصغير بجوارها وقد تبدلت لامرأة أخرى ترتدي عباءة فاخرة وأنيقة وكأنها عادت ابنة العشرين وهو أول نصيبها… والفضل بالطبع يرجع لحمزة الذي لا تفوته فائته ابن عمها وتعلمه جيدا.
زفرت شحنة ساخنة من صدرها لتستقيم في وقفتها تعدل من هيئتها استعدادا لهما فهي أيضا قد اهتمت بمظهرها اليوم وجمالها وأناقتها المتأصلة لا تحتاج لمجهود.
فتحركت ترسم ابتسامة مصطنعة تهتف جاذبة انتباه الجميع نحوها
مساء الخير عليكم. إزيك يا حمزة يا واض عمي إزيك يا مزيونة ريان! حبيبي يا ريان تعالى يا واض في حضڼي أما أبوسك.
في رد فعل طبيعي وقف لها الاثنان واستجاب ريان لينهض إليها فالتقطته بين ذراعيها تحضنه وتقبله على وجنتيه
يا حبيبي يا ريان! كده برضه المدة دي كلها متسألش عني وحشتني يا واض وحشتني جوي.
تبادل حمزة نظرات الامتعاض مع والدته وزوجته التي بدت هادئة جدا حتى إذا انتهت هالة من استعراضها توجهت إليها مرحبة
حمد الله على سلامتك يا هالة ربنا يعمر بيكي مع جوزك وعيالك.
سمعت منها المذكورة ورغم تفاجؤها إلا أنها سرعان ما تجاوبت بدراما تهرول نحوها وټحتضنها
حبيبتي يا مزيونة! سامحيني إني محضرتش فرحك إنت وواض عمي بس إنتو عارفين الظروف بقى.
عارفين يا بت عمي ومن غير اعتذار مسامحينك.
كان هذا رد حمزة وزوجته تبادلها العناق المصطنع بابتسامة اغتضبتها بصعوبة لتتركها متوجهة إليه
أكيد يا حمزة يا واض عمي خلاص سيبونا من اللي راح بقى وخلونا في اللي جاي. أنا النهاردة ناوية أطبخ بيدي ونعيد لمة زمان بعزومة تلم الكل… إيه رأيك يا مرت عمي تتصلي على البنات
تفاجأت حسنية بالاقتراح الذي انتشلها من شرودها بعد حديث حمزة الذي تهامس معها منذ قليل رافضا الأسلوب الملتوي لعودة هالة إلى خليفة وإجباره على الموافقة برجوعها.
فصمتت برهة حتى استوعبت ثم أيدتها بفتور قبل
أن تعود واضعة يدها على خدها
وماله يا بتي نتصل بيهم. حد يكره اللمة
بحماس مبالغ فيه عبرت هالة عن فرحتها
وأنا هروح أجهز الوكل من دلوك. هتيجي معايا تساعديني يا مزيونة صح
أومأت لها بما يشبه الموافقة تجاريها
وماله يا غالية. أطلع بس لبتي أطمن عليها واجي أساعد معاكي. عن إذنك بقى أروح أشوفها.
قالتها وتحركت لتصعد إلى الطابق الثاني حيث شقة ابنتها فتبعتها هالة مستأذنة نحوهم
وأنا كمان ألحق أشوف الأصناف اللي هحضرها. عن إذنكم يا جماعة.
إذنك معاكي يا أختي.
غمغم حمزة في أثرها بصوت خفيض وهو يعود إلى جلسته مع والدته مردفا
شادة حيلها وعاملة فيها ست النشيطة الطيبة ولا كأننا فقدنا الذاكرة ونسينا كل النصايب اللي عملتها.
نفضت حسنية يدها في الهواء بسأم
وه عليك يا حمزة عاد! ما تسيبني في همي يا ولدي. وأخوك اللي محيرني دا كمان… لا أنا عارفاه رافض ولا متقبل. اللي عليه ساكت وبس.
زفر حمزة يعقب بثقة تامة في شقيقه
متقلقيش على ولدك يا حجة حسنية. خليفة راجل وأنا عارفه زين جوي. مش مغفل ولا دق عصافير عشان يبلع لعبتها. لكن هي هتفضل طول عمرها غبية ومش فاهماه.
بنت الجنوب 
مهما كنت قويا أو ادعيت القوة هناك لحظات أقوى من أن تواجهها
أقوى من أن تتحداها حتى وأنت معك الحق
في النهاية سوف تغلبك صلابة الأمواج العاتية … وټنهار.
في الأعلى
حيث جلسة الدرس الذي تعطيه اعتماد لتلميذتها ليلى تجاهد بصعوبة على التجاوز والتركيز فيما تشرحه لكن قلبها الموجوع وكرامتها التي تئن ألما جعلاها تتوقف فجأة لتلقي من يدها كل شيء. أغمضت عينيها بتعب شديد غير قادرة على المواصلة لتجبر ليلى هذه المرة على التساؤل
إيه اللي حصل إنت تعبتي يا أبلة اعتماد
لم تجبها على الفور وقد ظلت فترة من الوقت ضاغطة على عينيها بكفيها تمنع بصعوبة دموعها ومشاعرها المڼهارة. استمرت على وضعها عدة لحظات حتى تمالكت نفسها في النهاية وأخبرتها بقرارها
معلش يا ليلى أنا مش هقدر أكمل معاكي الفترة الجاية. هشوف واحدة شاطرة إن شاء الله تتابع معاكي من زميلاتي…
قاطعتها ليلى برفض وتساؤل
ليه يا أبلة اعتماد ده أنا مبفهمش من حد غيرك!
معلش… عشان تعبانة والله مش قادرة حقيقي. اعذريني.
لم تغفل ليلى عن حالتها المتغيرة وصعوبة الحديث الخارج منها ورغم رغبتها الشديدة في الرفض إلا أنها فضلت ألا تضاعف عليها. و عرضت ما طرأ برأسها فجأة بلطف
عشان دراعك صح أنا ممكن أتابع معاكي علي الإنترنت على ما تخفي…
انتبهت اعتماد لمقترحها تستوعبه في عقلها هل يصلح أم لا فنهضت تلملم أوراقها ودفاترها قائلة بتفكير
خلاص يا ليلى هشوف إن كان ينفع. وفي كل الحالات أنا مش هسيبك حتى لو استلمت واحدة غيري هتابع دايما معاكي… اطمني.
أومأت ليلى دون أن تزيد عليها ونهضت كي توصلها إلى باب شقتها رغم رفض الأخرى. حتى إذا خرجت من عندها تقابلت هي ومزيونة التي كانت قادمة فتهلل مرحبة برؤيتها
إيه ده إنت هنا يا اعتماد ده أنا كنت ناوية أتصل بيكي.
بابتسامة صادقة قابلتها اعتماد وردت تحيتها وأجرت حديثا سريعا معها قبل أن تغادر بخطوات متعبة. تبعتها أبصار مزيونة التي انتابها القلق من ناحيتها حتى لوحت لابنتها بكفها تستفسر. فأجابتها ليلى همسا الأمر الذي جعلها تربط الخيوط ببعضها فتتفهم رغبتها في الابتعاد عن المنزل بعد عودة تلك الحرباء. من المؤكد أنها ضايقتها بشيء ما. قبل أن تصعد لابنتها لتزفر مھددة في داخلها
شكلك مش ناوية تجيبيها لبر واصل يا هالة
بنت الجنوب 
داخل المطبخ وأثناء إعدادهم لقائمة الأطعمة العديدة التي قررت هالة تجهيزها اليوم
 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock