
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
بمساعدة مزيونة التي تدخل لأول مرة تطبخ فيه بشكل جدي بعد زواجها وعودتها وحتى أثناء زواج ابنتها أيضا كانت كل محاولاتها السابقة على خجل.
ولعلم هالة جيدا بهذه المعلومة فقد قررت اليوم أن تستغلها أبشع استغلال. عادت لتأدية دورها الذي خلقت له الإدارة الحقيقية لهذا المنزل.
فامرأة عمها لا تعلم سوى الظاهر إلقاء الأوامر والتعليمات أما بناتها فكن يأتين ويذهبن كالضيوف.
لكن التفاصيل الدقيقة كانت هالة وحدها من تعرفها.
ستمارس اليوم مهمتها في تسخير مزيونة دلوعة حمزة لتعرفها من هي سيدة هذا المنزل حقا.
أما مزيونة فقد أجبرت نفسها بصعوبة على التعامل معها رغم كل ما تحمله داخلها من ڠضب نحوها وقهر على صديقتها التي باحت لها أمس عن خستها معها لكنها شددت عليها ألا تتحدث.
في البداية كانت تسمع منها وتنفذ بسجية صافية لكن حين زادت عليها بإلقاء التعليمات وإبعادها عن التنفيذ الجدي في إعداد الأطعمة وعت لخبث نيتها في النهاية فتوقفت فجأة عن جلي الأواني التي لا تنتهي
وبعدين أنا هجعد يومي كله أغسل في المواعين اللي ما بتخلصش ولا أنضف وأشيل من حواليكي يا ست الشيف
كانت هالة في هذا الوقت تعمل على صينية الدجاج التي تقوم بتتبيلها قبل أن تضعها في الفرن فتوقفت عما تفعل لتنظر إليها ببراءة تدعيها وهي تستمع للأمر
وماله يا مزيونة وهي عيبة لما تساعديني ده بيت كبير يا حبيبتي. وإنت آخرك كنتي تعملي حاجة على كدك إنت وبتك. إنما هنا جدامك أهو صواني البشاميل والرقاق والمحاشي والفراخ واللحمة بأنواعها… بيوت عز ما شاء الله زي ما إنت شايفة.
أمال أنا طلبت مساعدتك ليه كان ممكن أطلب واحدة من خوات خليفة ولا بناتهم. بس خلاص… إنت بقيتي معايا يبقى هاعوزهم في إيه
سخرت مزيونة معقبة على قولها
ده على أساس إني عيلة صغيرة وإنت هتمشيني على مزاجك أمور السلفة الكبيرة والسلفة الصغيرة دي تخيل مع ناس تانية غير أنا وإنت يا حبيبتي. لا أنا عيلة صغيرة ولا إنت الكبيرة هنا.
لا أنا الكبيرة فعلا يا مزيونة. كبيرة البيت ده من ساعة ما اتجوزت وأنا اتوليت أمره. ليه تاخديها بحساسية
قالتها ببساطة يفوح من نبرتها الخبث ورسائل واضحة تظهر نيتها الحقيقية بالعودة سريعا إلى هذا المنزل فور عودتها هي من سفرتها.
فمالت برأسها نحوها قائلة باستدراك
آآه عندك حق آخدها ليه بحساسية مع واحدة مكشوفة زيك هالة… فوقي لنفسك يا حبيبتي وبلاها دور الذكية اللي محدش بيغلبها. أنا أصلا بتعامل معاكي وانا على آخري منك ومن رصيدك الحافل معايا. يكفي زيارتك لاعتماد امبارح تفتكري لو جوزك عرف باللي قولتيهولها أمبارح والټهديد بسمعة أختها هيسكت
تجلى وقع الكلمات عليها بمفاجأة اعتلت تعابيرها لكن سرعان ما تداركت الأمر للعلاقة القوية التي تجمع الاثنتين حديثا قائلة بهدوء مستفز
حلو خالص الكلام ده. يعني المحروسة حكتلك وأكيد جابت سيرة أختها كمان طيب تمام خالص يا ستي. أنا أصلا مجبتش حاجة من عندي وهي لو عايزة المعلومة الحلوة دي تنتشر عن أختها والمحترم طليقها برضك هي حرة. يا إما تحترم نفسها وتبعد عن الراجل المتجوز ولا هي قلة أدب وخلاص
تراجعت مزيونة مبتعدة عنها رغم عدم صډمتها بها إلا أنها لم تصدق ذلك
البرود الذي تتحدث به والتساهل في أذية البشر.
وبدون أي كلمة أخرى تحركت لتغادر فهتفت توقفها عائدة
لنعومة الأفعى
هتسيبيني أشتغل وأحضر لوحدي يا مزيونة عشان بس طلبت منك تساعديني أخص عليكي!
كادت أن تلتفت إليها وتثور وتخرج بها كل ڠضبها ولكن ما إن وقعت عيناها على حمزة الذي كان في طريقه إلى غرفة والدته حتى طرأت برأسها فكرة مستخدمة كيد النساء في التعامل مع تلك الحرباء بنفس طريقتها الملتوية.
فتجاهلت ندائها وخطت خطوات قليلة حتى خرجت من المطبخ. لم تبتعد سوى مسافة لا تتعدى المترين حتى سقطت على الأرض مع صړخة مدوية خرجت منها لتجبر الآخر على الانتباه وتغيير طريقه مهرولا نحوها
وه يا مزيونة!
صرخته القوية جعلت الأخرى تنهض من مكانها لتستكشف الأمر لا تعرف كيف حدث كل ذلك في ثوان قليلة. لم تدر متى سقطت ولم تدر متى أتى هو ليلتقطها عن الأرض وهو يخاطبها محاولا تهدئتها
إيه اللي حصلك وجعتي كيف
بأنين مبالغ فيه وعيناها تتنقل منه وإليها
مش عارفة… مش عارفة إزاي ده حصل رجلي رجلي اتلوت فجأة ولقيتها جات تحت مني لما وقعت… آآه مش قادرة أجف عليها يا حمزة.
تجاوز حدود الهلع وهو يجلسها على الدرجة الثالثة من السلم برفق شديد ليصدم تلك المتابعة من مدخل المطبخ حين جثا على ركبتيه عند قدميها ليفحصها
سلامة الرجلين الحلوة… أي واحدة فيهم اللي اتلوت خليني أشوفها ولا أجيبلك دكتور
صړخت عند اليمنى
آه يا حمزة مدوسش عليها! أنا مش متحملة يدك. مفيش داعي للدكاترة أصلا هي دلوك تخف إن شاء الله لما أريحها هبابة… ممكن يا هالة شوية مية باردة أدلكها لو قدرت.
أجفلتها بمخاطبتها وتلك المسكنة المقصودة فالتفتت إليها بتشتت. وقبل أن ترد صاح بها حمزة الذي لم يكن يدري بوجودها
إنتي هتفضلي واقفة مكانك يا هالة ما تتحركي هاتيلها المية الباردة ولا شوفي لنا دهان كدمات على ما نشوف أمر رجلها هتحتاج دكتورة ولا لاه… ما تخلصي يا هالة!
أجبرها على الامتثال رغما عنها فعادت إلى المطبخ نحو البراد. ولكن قبل أن تفتح الباب لتخرج إناء المياه استدركت فعلتها المقصودة بعد حديثهما العاصف منذ قليل ثم النظرة التي رمقتها بها في وجود حمزة. وعندما وبخها أمرا همست بتوعد
يا بت ال… ماشي يا مزيونة شكل اللعب ما بينا هيبقى ليه طعم تاني… وأنا مستعدالك جوي.
خرجت إليهم بالمياه لتجده يصيح بواحد من أبناء شقيقاته يأمره بانفعال
بلغ الناس إن خالك اللي برا اني مش طالع تاني عشان ظرف ضروري وبعدها ادخل لجدتك خليها تاجي تشوف مرت عمك.
أومأ الصغير منفذا الأمر وهرول سريعا فخاطبته مزيونة باعتراض
مالوش لزوم يا حمزة تقلقها هي بس كمادات باردة وإن شاء الله تخف.
برضك لازم نطمن.
قالها حمزة بقلق قبل أن تجفله بصيحتها
الميه الباردة هي آخرها تشطفها بيها وهتبقى زي الحصان دي أكيد حتى محصلتش الجزع.
عبس لها حمزة پغضب شديد وهو يتناول منها المياه يمنع نفسه من الانفعال عليها ليصب اهتمامه بالأهم زوجته الحبيبة. وما إن رأته يتناول إناء المياه حتى هتفت به معترضة
استنى يا حمزة إنت هدلك رجلي ولا تحط لها كمادات كده في نص البيت إفرض حد من الرجالة دخل.
استدرك المعلومة التي أدلت بها فنهض فجأة متخذا القرار يحملها بين ذراعيه قائلا
عندك حق تعالي أوديكي لأي أوضة جوا.
لا يا حمزة وديني في أوضتك فوق أحسن وأضمن. بس الشيلة هتبقى صعبة عليك نزلني وسندني أحسن.
قالتها تستفز حميته ليزمجر بخشونة
ليه وأنا ما اقدرش أشيلك وأطلع بيكي السلم طب أهااا.
قالها وهو
يصعد بها الدرج بخطواته السريعة غافلا عن النظرة التي توجهت بها إلى الخلف نحو هالة التي تسمرت في مكانها تتابعهم بغيظ لا تقوى على إخفائه. تغمغم بكل الشتائم والسباب بعد أن تورطت الآن في إعداد المأدبة الضخمة وحدها.
… يتبع
الفصل التاسع والثلاثون
الفصل التاسع والثلاثون
ليس كل جمال نعمة فبعضه قد يكون لعڼة تثقل صاحبها وتضلل من حوله. الجمال الحق ليس في ملامح تبهر العين بل في عفوية تجذبك دون قصد في خفة روح تسرقك من همومك في كلمة رقيقة تداويك وفي اهتمام صادق يمنحك الأمان. فاحذر أن تنخدع بجمال المظهر فكم من وجه بديع أخفى قلبا قاس وكم من ملامح بسيطة أبهرت بحسن جوهرها.
المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر سنا الفردوس بطوط
الفصل التاسع والثلاثون
وهمس لي وقال لي الحق عليه.
نسيت ساعتها بعدنا ليه
فين دموعي اللي ما نامت ليالي بابتسامة من عيونه نسهالي.
أمر عڈاب وأحلى عڈاب.
عڈاب الحب عڈاب الحب للأحباب.
مقدرتش أصبر يوم على بعده مقدرتش أصبر يوم على بعده.
دا الصبر عايز صبر لوحده…
كانت هذه كلمات الأغنية التي إلتصقت بذهنها حتى أصبحت تدندن بها دون أن تدري رغم أنها لم تسمعها في المذياع أو أثناء جلستها في تلك المغامرة التي مرت بها منذ لحظات حين أجبرها ذلك الظرف الغريب على مجالسته في المكان المحبب إليه والذي يتخذه عزلة كما نوه أمامها.
كيف ساقتها الريح إلى تلك البقعة المنزوية قرب النيل لا تعلم المهم هو الوقت الجميل الذي قضته معه أمام النيل حين ارتشفت منه أجمل كوب شاي كما تناولت عودين كاملين من الذرة المشوية من صنع يده.
هل كانت جائعة لتلك الدرجة حتى تتقبل منه وتأكل في حضرته بالطبع لا… من المؤكد أنها كانت جائعة لأشياء أخرى أن تجد من يهتم بها ولو في لحظات قليلة أن تغسل همومها أمام النيل الساحر ورجل كانت قد قطعت عهدا على نفسها ألا تتحدث معه مرة أخرى بعد أن قضت أياما في البكاء والندم على تقبلها مساعدته متأثرة بالكلمات الچارحة التي تلقتها من زوجته.
ولكن ها هو القدر يجمعها معه دون تخطيط أو تدبير ليحفر في ذاكرتها ليلة لن تنساها وأجواء استدعت في رأسها كلمات الأغنية العبقرية لكوكب الشرق. جلست تتأمل وجهها أمام المرآة بعد أن عادت وخلعت ملابسها لتبدلها بملابس النوم.
منذ متى لم تر نفسها جميلة مثل اليوم وكأنها أصبحت رقيقة وأنثى حقيقية ليست تلك المسترجلة الغشيمة صاحبة الكلام الدبش كما قال لها أثناء حديث بدا كعتاب واستفسار عن سبب تعمدها الابتعاد والتغير منه. ربما لهذه الأسباب أطلت تلك الأغنية في رأسها.
تحركت خطوتين تاركة المرآة ثم توجهت إلى سريرها تناولت هاتفها تبحث عن الأغنية وتشعلها قبل أن تتمدد على الفراش وتندمج معها علها تنعم ولو لليلة واحدة بنوم هانئ سعيد دون هموم أو مسؤوليات تعكر صفو مزاجها.
أغمضت عينيها تردد مع السيدة أم كلثوم حتى أتى ذلك المقطع
أهرب من قلبي أروح على فين
ليالينا الحلوة في كل مكان
مليناها حب إحنا الاتنين وملينا الدنيا أمل.
عند الأخيرة طرأ برأسها ذلك السؤال الملح
يا ترى مكتوب لك ليالي جميلة تاني تحلفي بيها يا اعتماد ولا هي الليلة دي وخلاص تعيشي على ذكراها
بنت الجنوب
أما عنه وقد عاد إلى منزله ولم يكمل الليلة في بقعته المفضلة بعد مغادرتها لم يشعر بنفسه إلا وهو يسير خلفها ويتبعها بحرص حتى اطمأن إلى دخولها منزلها فعاد هو أيضا إلى منزله.
وجد الجميع نياما صغيرتاه اللتان نامتا مبكرا على غير العادة فلم يملك أمامهما سوى أن يقبلهما بخفة ويضع الذرة المشوية على الكمود المجاور لهما حتى إذا استيقظتا تفاجأتا بهما فيفرحان بالشيء المحبب الذي فعله لهما والدهما.
زوجته العزيزة التي أغلقت الباب عليها وكأنها ترد كرامتها بالغلق في وجهه ظنا منها أنه سوف يتراجع ويطرقه ليحق لها بعد ذلك أن تذله.





