
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
شفاها الله وعفاها من أوهام رأسها.
دلف إلى غرفته يخلع الجلباب وما يرتديه أسفله فلم يبق سوى البنطال والقميص القطني ثم ارتمى على الفراش ينظر إلى السقف بشرود جميل. فرق شاسع بين حالته حين خرج من المنزل وما يكتنفه من مشاعر رائعة الآن لا يعرف لها وصفا.
ما أجملها حين تتصرف بعفويتها بذلك الخجل الفطري الذي تغطيه بخشونة تدعيها كي تحمي نفسها وشقيقاتها من غدر البشر وأطماعهم في ثلاث نساء لا يوجد لهن سند ولا حماية في هذا العالم الموحش. ورغم الخۏف الذي رآه في عينيها وأثار داخله التساؤلات إلا أنه لا ينكر أن داخله تسلى برؤية ذلك الجزء الخفي منها. ليسائل نفسه
يا ترى هشوف وأعرف عنك إيه تاني يا اعتماد
بنت الجنوب
صباحا وبعد ليلة هانئة رأت فيها أحلاما سعيدة استيقظت مبكرا وقامت بالأعمال الروتينية التي تفعلها كل صباح ثم تجهزت بمزاج رائق قبل أن تخرج من غرفتها. وجدت شقيقاتها على الطاولة المستديرة ينتظرنها لتشاركهن مأدبة الطعام.
رغد كانت تضع الطبق الأخير قبل أن تجلس متربعة وروضة تهدهد ابنتها التي لا تكف عن الثرثرة بكلمات غير مفهومة. انصبت أبصارهما عليها بما يشبه الازبهلال حتى ألقت تحية الصباح عليهما متسائلة بدهشة هي الأخرى من تحديقهن بها
صباح الخير مالكم يا بنات مبحلقين كده ليه شوفتوا حاجة غريبة
اقتربت في الأخيرة تتناول شطيرة خبز وتضع عليها بعض الجبن لتأكلها سريعا وهي واقفة فأجابتها رغد بلهفة وانبهار
ححاجة غريبة دا إيه! قققولي شفنا البدر اللي طلع بنوره على وش الصبح. إنت النهاردة حلوة جوي يا اعتماد.
خجلت من وصف شقيقتها حتى صارت تلوك قطعة الخبز بصعوبة داخل فمها قائلة
دا إنت اللي كلامك حلو يا ست رغد قال بدر طلع على أول الصبح قال! أما عليكي مبالغة بشكل.
تدخلت روضة في هذه اللحظة تتفحصها بتمعن وبحدة أخرجت كلماتها
بس هي ما بالغتش ولا حاجة إنت فعلا النهاردة باينة بشكل مختلف. وشك منور والطرحة بترميها على رأسك بعدم اهتمام لافاها لفة زينة. دا حتى الدريس اللي لابساه اهتميتي تربطي الحزام وتظبطيه على جسمك رغم إن دي كنت دايما تهمليها. دا غير ال…
بس كفاية…
قاطعتها لتوقفها عن الاسترسال في تفحصها وألقت باقي الشطيرة على الطاولة أمامها ثم نفضت يديها شاكرة الله على نعمته كعادتها لتردف باستئذان قاصدة الذهاب سريعا بعد أن تلبكت معدتها واضطربت فجأة من نظرة شقيقتها الحادة وهي تصفها
يدوب ألحق شغلي عن إذنكم.
راقبتها روضة حتى خرجت من باب المنزل ثم عادت إلى شقيقتها الصغرى معقبة
أختك وشها نور وبقت تهتم بنفسها. شكل الموضوع فيه إن…
فردت رغد موبخة
وولا إن ولا أخواتها ولا عماتها حتى! ما تشوف نفسها وتتتهتم وتبقى حلوة. ولا هي مش ست زي بقييية الستات عشان تحس بجمالها وتشوف مستقبلها
مصمصت روضة بفمها رافضة التقريع من شقيقتها الصغرى التي كالعادة تغلبها بمنطقها فلا تجد سوى التقليل منها ومعايرتها بغمغمة وصلت جيدا إلى رغد
موشح كامل عشان كلمتين على بعض قلتهم! أمال لو بتجمعي الكلام زين كنت عملت إيه
صوبت إليها رغد نظرة تغني عن ألف كلمة. فما فائدة الجدال مع واحدة أسهل شيء عندها أن تعاير شقيقتها بشيء ليس لها فيه ذنب
وإن كانت لا تتورع عن جرحها فماذا تركت للغرباء
بنت الجنوب
كانت الساعة تقارب العاشرة صباحا حين أتت مزيونة من منزلها إلى
المنزل الكبير وقد تأخرت عدة ساعات عن موعدها اليومي.
كان في استقبالها منى التي هللت بمزاح لفت انتباه الجميع
يا أهلا يا أهلا بالعروسة اللي جايلنا قريب الظهر شكل السهرة امبارح كانت صباحي.
شهقت مزيونة التي باغتتها بالتلميح لتقف عندها وتضع كفها على فمها
يا لهوي عليكي وعلى جنانك! البيت فيه بنته صغيرين من عيال خواتك اعقلي يا مرت الأستاذ.
نزعت يدها عن فمها قائلة
وحد قالك إن مرت الأستاذ ما هتفهمش يا مرة ياللي جايلانا على احداشر!
أردفت تواصل متخصرة
كنتوا بتعملوا إيه الوقت دا كله يا بت بتلعبوا كورة
يا مري هتفضحينا يا ولية!
تمتمت بها مزيونة لتعود وتكتم فمها مرة أخرى قبل أن تميل على أذنها وتهمس ببعض الكلمات. فصارت الأخرى تنصت لها لتبادلها الردود والضحكات بأصوات خفيضة أثارت اهتمام تلك التي كانت تنزل الدرج تطالعهما بريبة قبل أن تتجه إلى مزيونة مخاطبة
اتأخرتي النهاردة يا مزيونة مع إنك عارفة إن في غسيل الغلة قبل ما ننشفها ونوديها المطحنة.
وقبل أن تجيبها سبقتها منى
معلش يا حبيبتي اعذريها أصلها ماكانتش فاضية حمزة مشندلها في المراجعة.
مراجعة إيه
تساءلت هالة بعدم فهم قبل أن تجفلها ضحكة صاخبة جعلت مزيونة تهجم عليها تريد أن ټخنقها فتزداد ضحكاتها مرحا. حتى فهمت هالة المقصود فثارت بها نيران الغيرة وجفلتهم بصړختها
وافرض زي ما بتقولي برضك كان لازم تقدر. ولا إحنا يعني مش متجوزين وما بنباتش مع أجوازنا البيت هنا محتاج خدمة كبيرة وحرام أشيل أنا لوحدي.
توقفت ضحكاتهما يطالعنها لحظات بصمت حتى ردت منى بعد أن استردت أنفاسها من الضحك
وافرضي ما قدرتش ولا مجاتش أصلا! افتكري يا حبيبتي إن مزيونة بتيجي تخدم في البيت الكبير هنا تطوع منها زيي أنا وزي إخواتي البنات وبناتهم. يعني مش ملزمة ولا خالطة. وعلى العموم يا ستي كفاية إنك تقومي بشقتك فوق وتراعي عيالك وجوزك. وهي برضك مزيونة تقعد في بيتها عادي. والبيت هنا زي ما إنت شايفة ما بيخلاش وإحنا كفاءة وما نخليش أمي تحتاج لحد ولله الحمد لسانا بصحتنا.
تدخلت مزيونة معبرة عن رأيها
ما تقوليش كده يا منى. أنا طول ما فيا نفس عمري ما هوجف أجي هنا ولا أبطل أخدم خالتي حسنية. دا كفاية جميلها مع بتي اللي معززها وشايلاها على كفوف الراحة.
طبعا شيلاها على كفوف الراحة إنت هتجوليلي المحظوظة بت المحظوظة.
غمغمت هالة بهذه الكلمات داخلها قبل أن تتوجه بالرد نحو منى توضح بالكذب
ما تقولينيش كلام ما قلتوش يا منى. أنا عمري ما طلبت أعزل من مرت عمي حسنية. دا بيتي وبيت عيالي كيف يعني أسيبه وأتحبس في شقة فوق عن إذنكم بقى المطبخ محتاج ليا النهاردة.
ختمت حديثها وتحركت ذاهبة من أمامهن يتابعنها بأعينهن. حتى إذا اختفت علقت منى
وتسيبي دور الكبيرة لمين دا إنت ټموتي لو ده حصل!
بنت الجنوب
يسحبه من ذراعه يجبره جبرا على السير نحو الجهة التي يريدها والآخر يجاريه على مضض لا يكف عن التذمر
يا بوي عليك يا عرفان لما تطلع في دماغك حاجة! يا أخي ساحبني زي البهيمة ومش مديني حتى فرصة أرفض. مش فاهم ليه مصر على جيتي معاك
زمجر عرفان مشددا على مسك يده التي يحتجزها داخل الكف الغليظة
يا بوي على رطك إنت! كذا مرة أقولك إنك لازم تاجي معاي مينفعش أدخل عليهم وحدي وأنا مش ضامن رد فعلهم. أهي لو فتحت سيرة الحجر والليلة اللي فاتت نعتذر وإن محصلش أنا برضك داخل عليهم بمصلحة.
مصلحة إيه بقى يا ناصح
تساءل بها عطوة بهمهة ليجيبه الآخر بغموض
هتعرف دلوك متستعجلش.
ردد عطوة بعدم رضا
أعرف بمصلحة ومع ناس زي دول كل سنة ياجوا بموال ينصبوا بيه على الناس. يا ترى جايين بإيه السنادي
ضحك عرفان بحشرجة وكأنه لا يبالي
بياخدوا المواعين الألومنيوم البايظة من الأهالي ويرجعوها حاجات تانية سليمة. شوفت النصاحة
اممم
زم عطوة فمه المغلق بغيظ متفاقم وهو يراه بذلك الحماس يتابع السير بخطوات ثابتة نحو ڼصب الخيام التي ارتصت أعلى المصرف. يحدق به بشك يتمنى ألا يصدق.
حين وصلا الاثنان إلى الخيمة المقصودة وجدا رجلا وامرأة متربعين بجلستهما على مدخلها. ارتفعت أبصارهما نحوهما بتساؤل أجاب عنه عرفان بتحية ألقاها عليهما
السلام عليكم يا أهل الخير أنا التاجر عرفان ودا صاحبي عطوة كنت بعت لكم ولدي ناصر في طلب من ساعتين.
خيم الصمت على المرأة والرجل بتفكير متعمق حتى تذكر الأخير ليجيبه
أيوه افتكرت. قصدك على براد الشاي والكام صحن القدام اللي جابهم بغرض نسيحهم ونعملهم حلتين كبار.
أيوه عليك نور يا حج. حاجتي بقى خلصت
بدا السؤال شديد الغباء من رد فعل الرجل الذي اعتلت ملامحه الدهشة والضيق حتى تبادل نظرة ذات مغزى مع زوجته التي عقبت محرجة الاثنين بقولها
ليه يا سيد عرفان على أساس إنهم بلاستيك هيسيحوا ويتصنعوا في دقايق دا حتى الألومنيوم بياخد وقت.
مسح عطوة بكف يده على وجهه بحرج شديد من أفعال هذا الأحمق المكشوفة فتدخل يحاول لملمة الموضوع بصورة تحمل درجة من الإقناع
مقصدوش كده طبعا هو بس كان عايز يعرف التفاصيل وحسبتكم تكلف كام.
ما احنا قولنا لولده على حسبتهم هي شغلانة
دوى الصوت الناعم من داخل الخيمة لينتبه الاثنان على تلك الجميلة التي كانت واقفة بميل تحتضن إحدى الأواني القديمة. ثم تقدمت خطوتين حتى اقتربت منهما وعيناها منصبة على عطوة الذي علق بضجر
والولد مقالش عشان نسي يا ست. ع العموم لو مضايقين ناخدهم ونمشي
قاطعه عرفان بلهفة
لا استنى إنت كمان! ناخدهم كيف إحنا لسة متفقناش ومتعرفناش.
تبسمت تلك الجميلة ثم طلبت من والديها الانصراف لأمر ما. حتى إذا خلت الأجواء عليهما واجهته بسخريتها
يعني إنتوا عايزين تفهموني إن جوز رجالة طول وعرض جايين عشان كام حلة وكام براد شاي دا كويس إن أبويا وأمي كانوا ماسكين نفسهم معاكم.
احتقن عطوة من أسلوبها في الاستخفاف بهما ليوضح لها بحدة
لا اسمعي أما أقولك متعيشيش في الدور! أنا جاي ڠصب عني أصلا هو اللي كان رايد يشوفك. اتفاهمي معاه عن إذنكم.
وتحرك مغادرا تتبعه بعينيها حتى ودت أن توقفه لكن شغلها عرفان الذي استغل الموقف ليزداد تعارفا بها
أيوة صح أنا اللي كنت رايد أشوفك وأطمن عليكي. حاكم بعد اللي حصل مجانيش نوم واصل وأنا خاېف ليكون الحجر أذاكي. ما تطمنينا يا ست عليكي وقوليلنا اسمك إيه على الأقل.
حملقت به بغيظ شديد وعيناها تذهب كل لحظة نحو الطريق الذي ذهب منه عطوة بتفكير حتى حسمت في الأخير تخبره
اسمي نورة نورة يا سي عرفان.
سمع منها ليهلل
الله أكبر! دا إنت مش نورة بس دا نورة ومعاها بوسي كمان!
بنت الجنوب
مر أكثر من أسبوع لم يرها فيه. حاول أن يتجاهل الأمر أكثر من مرة ولكن يوما بعد يوم كان ذلك الشعور المؤلم بالرغبة في رؤيتها يتضاعف كوحش ينهش قلبه حتى فاض به ليجد قدميه تتحركان وحدهما إلى داخل المدرسة التي تعمل
بها بحجة زيارة زوج شقيقته الذي يعمل وكيلا للمدرسة. ورغم أنها فترة امتحانات إلا أنه في تلك اللحظة قرر أن يتبع إحساسه فقط.
دلف من الباب الرئيسي وخطا إلى الداخل يبحث عنها بعينيه في كل اتجاه يبطئ من خطواته وعيناه تدوران بلا هوادة حتى وقعت أبصاره عليها بالفعل داخل محيط المدرسة أسفل مجموعة من الأشجار حيث تستظل الفتيات وكانت هي تراقبهن عن قرب وهي ټتشاجر مع أحد الرجال…





