
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
اللعڼة!
قبل قليل
كان موعد انتهاء الجولة الأولى من الاختبارات قد انتهى لتمارس عادتها مع الطالبات التي سحبنها من غرفتها لتراجع معهن الإجابات المدونة في ورقة الامتحان ومدى الصواب والخطأ فيها. ورغم أنها تحل ضيفة في مدرسة أخرى داخل المحافظة إلا أن هذا لم يمنعها من الحضور اليوم لتطمئن على مدى تقدم صديقتها المقربة وتدعمها في خوض التجربة للمرة الأولى بعد انقطاع دام ما يقارب عقدا من السنوات.
لم تكن تعلم أن من بين اللجنة الغريبة شخصا تعرفه جيدا فقد رآها منذ أن دخلت من باب المدرسة وفوجئ بهيئتها الجديدة بعدما أصبحت تعطي لنفسها مساحة صغيرة من الاهتمام لتصبح امرأة بحق.
كان الحماس على أشده في ثرثرة الفتيات حولها بعد أن ابتعدت مزيونة لإجراء مكالمة هامة مع زوجها المتابع لحظة بلحظة هو الآخر
يعني إجابتي كانت صح يا أبلة اعتماد
لا هتتحسب نصها تقريبا لأنها مش صحيحة بالكامل.
طب وأنا يا أبلة اعتماد
وأنا كمان يا أبلة اعتماد ما شفتيش إجاباتي
حاضر حاضر… خلوني أخلص واحدة واحدة عشان أركز معاكم.
ممكن دقيقة يا أبلة اعتماد
دوى الصوت الرجولي بنبرة لم تكن غريبة عن مسامعها ليقطع وصلة الثرثرة النسائية بمختلف طبقاتها. ارتفعت أبصار الفتيات تسبقها نحو أحد الأشخاص من طاقم المدرسين الغرباء الذين التحقوا بالمدرسة في أيام الاختبارات.
تحدث مرة أخرى حين لم يجد منها ردا ولم ترفع حتى عينيها إليه
أبلة اعتماد أنا بستأذنك بس في دقيقة.
زفرت زفرة خاڤتة سبقت التفاتة بطرف عينيها لتتأكد من هويته ثم أمرت الفتيات بالانصراف. وظلت على وضعها حتى التف هو وجلس على الأريكة المقابلة لها لتلتقي عيناها بعينيه عينان خضراوان ضيقتان وأنف مفرطح ذو فتحات واسعة وشفاه غليظة قاربت السواد بفعل الټدخين الكثير على بشړة من المفترض أن تكون فاتحة بيضاء لكنها امتلأت بالبثور والحفر وربما تجاعيد مبكرة.
كيف كانت تراه وسيما ولم يمر على انفصالها به سوى سنوات قليلة لتبصر الآن التغيرات التي طرأت عليه بوضوح
كان ينظر إليها مباشرة دون مراعاة للأصول وقد أصبح طليقها ومن المحرم عليه النظر إليها وفقا للدين وللأعراف والتقاليد. بادرها بحديثه
عاملة إيه يا اعتماد أول مرة أشوفك من سنين.
تغاضت عن ڠضبها لترد بجفاء وتنهي تلك المقابلة الثقيلة
زي ما انت شايف حضرتك. نحمد ربنا ونشكر فضله على نعمه.
رد عليوة طليقها السابق
زي ما أنا شايف… يبقى ما شاء الله تشكري ربنا صح. اتغيرتي واتبدلتي ولا كأنك بجيتي واحدة تانية.
سألته بسجية ولم تفهم قصده بالبداية
بجيت واحدة تانية كيف يعني
جاءها الجواب من نظراته الكاشفة قبل أن ينطقها فجة
احلويتي يا اعتماد وبقيتي مره صح…
احترم نفسك لو سمحت وما تلبخش بالكلام.
قاطعته بانتفاضتها عن المقعد واقفة لتجبره على الوقوف هو الآخر فقال مفصحا عما يريده
أنا مش قصدي أعاكسك ولا أقل أدبي بس أنا كنت في يوم جوزك وعرفت النهاردة إنك لساكي على حالك ما اتجوزتيش يبقى حقي أتكلم مدام غرضي شريف. أنا بجيت خالي دلوك بعد ما طلقت مرتي التانية… مرتين اتجوزتهم بعدك ولا واحدة فيهم ملت عيني زيك. إنت تباني من برا ناشفة وكلك شوك لكن في الأصل ناعمة زي حتة المارشميلو. اعتماد… أنا عايز أردك تاني لعصمتي.
ازدادت شراسة
نحوه تمنع نفسها بصعوبة من الھجوم عليه
عصمة مين يا أبو عصمة ومين قالك إني هوافق ولا إنت كيف أصلا جتك الجرأة والبجاحة تكلمني أو تفتح معايا موضوع زي دا فضها وروح لحال سبيلك.
ثار عليوة يقابل رفضها بعنجهية
وإيه اللي يمنعني يا ست البرنسيسة على راسي بطحة ولا كنت ظبطيني متلبس ساعة الليلة إياها وهي من الأساس شكوك في راسك بس مع إن كان قصدي…
بسس!
صاحت توقفه بقلب ارتجف بداخلها خشية أن يتمادى ويفصح عن تفاصيل أو يذكر اسم شقيقتها ولو بالخطأ. وقد كانت الطالبات يراقبن المشهد باهتمام شديد.
في إيه ومين ده
جاءها فجأة ذلك الصوت الدافئ من العدم وكأن يدا امتدت لتنجدها في لحظة بائسة كادت أن تضيع بها. التفتت إليه بصمت وعجزت عن النطق لكنها رمقته بنظرة استجداء لم يفهمها.
ليأتي رد عليوة بتبجح
أنا طليقها يا سيدي وبتفاهم معاها عشان أردها. وإنت مين بجي
طليقها!
تفجرت من خليفة وهو ينظر إليها بتساؤل. فاكتفت بإيماءة بسيطة فرد بشراسة على الآخر
ولما انت طليقها بتتعارك معاها ليه هو الرجوع بالعافية
سمع منه عليوة ليزداد ڠضبا
انت خليتها عركة بالعافية. بقولك بتفاهم معاها! إنت إيه دخلك وسطينا من الأساس يا جدع إنت
كادت اعتماد أن تفحم هذا الوقح بما يستحقه لكن سبقتها إحدى الطالبات المتابعة للمشاجرة تتدخل دون إذن قائلة
لأ كان بيتعارك معاها يا عم خليفة حتى بالأمارة عاكسها وقال لها احلويتي وبقيتي مره صح!
سمع منها فاتسعت عينا خليفة بشكل مرعب ينقل نظراته نحو تلك التي وجدها جميلة اليوم بالفعل وبين هذا الأحمق فتخلى عن هدوئه واتزانه المعروف. لينقض عليه فجأة قابضا بكفيه على ياقتي قميصه وزجره پعنف
إنت البعيد أمك داعية عليك ولا شيطانك هو اللي وزك عشان تروح روحك هدر! من برا بلدنا وجاي تعاكس في حريمنا وتفرض نفسك عليهم كمان
دا أنت ليلتك مطينة بطين
صاح عليوة يثير انتباه الجميع من المارة والأساتذة والطلبة لينضموا لجمع المتفرجين وهو يحاول نزع قبضتيه عنه
بقولك كانت مرتي! يا حشري يا قليل الذوق! جاي تدخل بينا على أي أساس بتتهمني إني غريب وأنا ليا عيلة كانت ساكنة هنا!
رد خليفة بحدة
ليك ولا ملكش المهم إنك اتجرأت عليها والبنات الصغيرة شاهدة! بتوصف في جمالها وهي محرمة عليك بحكم الشرع إنك طلقتها. طب اختشي حتي يا بارد ياعديم الإحساس والدم!
تسمرت اعتماد مكانها كتمثال من آثر الصدمة تكتم بكفيها على فمها تراقب الوضع يخرج عن السيطرة حتى أفاقت تحاول التفريق بينهما
خلاص يا خليفة سيبه يغور في داهية! مش ناقصين فضايح الله يرضى عنك!
لكن عليوة إزداد حنقا لېصرخ بها مزمجرا
انا اللي أغور يا اعتماد! هو صفته إيه عندك عشان تترجيه وتعامليه بمفاضله عليا أنا اللي أعرفه إنك مقطوعة ما لكيش ناس! يبقى مين ده
تجمدت كالتمثال أمام نعته الأخير ومعايرته حتي لم تجد القدرة علي النطق بحرف واحد والأنظار كلها مصوبة نحوها من الطلبة والمدرسين في إنتظار ردها علي ذلك الوقح حتي أجفلت بما أذهلها حين وقع عليوة على الأرض پعنف إثر لكمة حديدية تلقاها من خليفة الذي آبي أن يتركه دون أن يترك عليه علامة تجعله يندم علي جرحه لها أمام الملأ فكانت العلامة سنتين
ونصف ضرس.
تلقفهم عليوة في كف يده
لېصرخ بړعب والډماء تسيل من فمه
سناني! الحقوني يا ناس! طيرلي سنتين التركيب وكسرلي الضرس اللي جارهم نصين! أنا عايز حقي!
هرعت مزيونة من الركن الذي كانت تتحدث فيه على الهاتف بسبب الصړاخ متفاجئة بالمشهد لتتوجه إلي اعتماد بتساؤل. لكنها لم تجد جوابا سوى نظرة مذهولة نحو خليفة الذي كان ينفض يده من أثر الضړبة بإشمئزاز وكأنه شخص آخر لا يبدو عليه أي ندم أو أسف…
بنت الجنوب
دلف إلى داخل المدرسة بعد الاتصال الذي ورد إليه من زوجته وكذلك من بعض الأشخاص الذين علموا بالمشاجرة بخطوات سريعة محددا هدفه حتى وصل إلى الغرفة الكبيرة لمدير المدرسة. وقد كانت شبه مكتظة بعدد من المدرسين ومعهم منصور وكيل المدرسة وزوج شقيقته الذي تكفل بسحبه إلى الداخل بصمت أثناء سماع شكوى ذلك الرجل المضړوب على فمه. وأمامه على الكرسي المقابل له جلس شقيقه البحر الهادئ الساكن في معظم الأوقات ولكن حين يفيض به الڠضب لا أحد يجاري قوته وعنفه هذا هو خليفة الذي يعرفه جيدا.
مساء الخير أنا حمزة القناوي يا حضرة المدير.
قالها وهو يضغط بكفه على كتف شقيقه الثابت دون ذرة اهتزاز واحدة بلفتة تظهر دعمه له ليومئ له بعينيه والمدير يتلقفه بالترحيب والشكوى
يا أهلا بحمزة باشا نورت الدنيا. تعالى شوف بعينك الله يخليك عايزين نلم الموضوع. الأستاذ عليوة عايز يكبر القصة ويوصلها للبوليس…
قاطعه عليوة
أيوه وأخليها جناية كمان دا تعدي على موظف أثناء تأدية عمله دا غير العاهة المستديمة ولا فاكريني هفرط في حقي
نظر حمزة إلى كف الرجل المفتوحة وبها عدد من الأسنان المکسورة ثلاثة أو أقل ليعلم مقصده بالعاهة المستديمة فعلق ساخرا
يا سيدي إن كان على دول نركب طقم غيرهم المهم تكون على حق. إنما لو على باطل…
خليه يعمل ما بدا له إن شاء الله حتى يوصلها للمحكمة الدولية. اللي يغلط دا جزاته عندينا.
أضافها خليفة على قول شقيقه ليصيح عليوة بمظلومية
شايف يا سيادة المدير شايف يا أستاذ منصور بقى دا يرضيكم يا ناس انضربت وكمان اتهنت!
سارع المدير بمهادنته كما حاول منصور أيضا أن يلطف الجو قليلا حتى يحجم من اندفاع الرجل الذي افتعل مشكلة بين العائلات.
أما حمزة والذي تركه قليلا يهذي اقترب من شقيقه يسأله
أمال فين مزيونة واعتماد مش شايفهم يعني
أجابه خليفة بارتباك تجلى في نبرته
معرفش اختفوا فين فجأة بس أنا مكسوف أسأل اتصل بمرتك وشوفها.
لم يغفل حمزة عن قلق شقيقه ولهفته للاطمئنان على اعتماد لكنه كان يدرك أن الظرف يمنعه من التصريح بذلك أمام أحد فاكتفى بأن يستجديه بعينيه ليطمئن عليها.
أخرج حمزة الهاتف من سترته وما إن هم بالاتصال بزوجته حتى تفاجأ بها تدلف بصحبة اعتماد التي تجلى عليها أثر ما حدث حتى ضاعف من ثقل ما يشعر به خليفة حين رأى الانتفاخات المتفرقة بوجهها وعينيها الذابلتين من البكاء. زفر في داخله بضيق متعاظم يتابعها وهي تدلف حتى استقرت على الأريكة الجانبية في ركن الغرفة ومعها مزيونة التي توقفت لتبادل زوجها الحديث السريع بالهمس عن حالتها حتى اقترب منها يشجعها ويحفزها
اعتماد مټخافيش من عليوة ولا غيره إحنا مش هينين لحد.
وكأنها فقدت القدرة على الكلام فسلمت أمرها إلى الخالق ليسير مركبها كيف يشاء. أومأت له برأسها شاكرة باستسلام فاستقام حمزة ينوي التوجه إلى شقيقه ليطمئنه حتى تنتهي تلك المشكلة لكن قطع عليه دخول آخر شخص يتوقعه يعرف بنفسه للمدير
أنا محمود جوز أخت المدام والأستاذ عليوة كان عديلي أيام ما كان متجوزها.
انتبه عليوة إلى قدومه الآخر يتلقى حضوره بلهفة
تعالى يا محمود شوف اللي حصلي أنا اتصلت بيك مخصوص عشان انت أكتر واحد أعرفه في البلد دي ابن أصول وتفهم في العيبة.
في تلك اللحظة انتفضت اعتماد تنزع عنها ثوب الضعف متوجهة إليهم برفض قاطع
يعني إنت سايب معارفك كلها في البلد ورايح تتصل بمحمود! هو دا اللي يفهم في الأصول والعيبة ولا صحيح الطيور على أشكالها تقع.
صاح عليوة في مواجهتها ناهضا عن كرسيه
وماله محمود! ولا هو عشان فيه مشاكل ما بينكم خلاص الراجل كفر
حدقت به بعدم تصديق بعد أن أثبت لها معرفته بقضيتها مع هذا الفاشل الذي أفسد صفو علاقتها





