روايات

لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر

شوية طيب! يا مري الحقها يا حمزة… ولا إنت يا معاذ!
توجهت بآخر جملة نحو معاذ بعدما رأت الرفض على وجه حمزة فاضطر الآخر أن يستجيب لوالدته ويتبعها على مضض.
حتى إذا خلت الأجواء على الثلاثة توجهت المرأة نحو ابنها الأكبر
يبقى كده جه دورك يا كبير. أنا عايزة أفهم منك كل حاجة دلوك.
أومأ حمزة واقترب منها واضعا قبلة على رأسها موافقا
عنيا يا ست الكل بس ممكن يبقى الحديت في أوضتك عشان ناخد راحتنا.
أخرجت المرأة تنهيدة من عمق صدرها قائلة
ماشي يا حمزة. أنا رايحة أصلي العصر دلوك. خمس دقايق وألاقيك جيت ورايا… على ما ييجي دور التاني وحسابه الكبير معايا.
قالت الأخيرة بمقصد واضح عن خليفة ثم سحبت نفسها لتذهب وتسبقه إلى غرفتها. تنفس حمزة الصعداء قليلا ليهدأ من وتيرة الانفعال داخله قبل أن يتبعها ليوصل الصورة الصحيحة عما حدث. فتحدثت زوجته معبرة عن خۏفها
حمزة أنا مړعوپة على اعتماد. أكيد هالة هتفضحها هي وأخواتها وتعملها نصيبة كبيرة.
ردد خلفها باستهجان وعدم تقبل
تأذيها هي وأخواتها مرة واحدة وتعملهم ڤضيحة! مش لدرجادي يعني يا مزيونة.
لا للدرجادي. والمصحف أنا متأكدة من اللي بقوله.
قالتها بصدق جعل الشك يتسرب إليه فأمرها أن تتحدث بحزم
جيبي من الآخر يا مزيونة إنت مخبية عني حاجة
ابتلعت ريقها تتضرع إلى خالقها بالاستغفار وقد حسمت أن تصارحه وتنفض عقدها مع صديقتها خشية عليها من أذية هالة
هقولك على كل
حاجة… بس اسمعني من غير عصبية.
تفوهت بها وكانت تلك البداية لسرد ما حدث ليربط هو الخيوط ببعضها فيصل إلى استنتاجه الأخير.
بنت الجنوب 
عادت بجسد منهك تجر أقدامها جرا حتى دلفت إلى داخل المنزل بعد أن استقلت السيارة مع مزيونة بقيادة حمزة. لتجد شقيقتيها في صحن المنزل جالستين في وضع المناقشة وكأنهما في انتظارها أيضا وهذا ما أظهرته روضة في طريقة استقبالها لها
حمد الله على سلامتك يا اعتماد. كل دا تأخير بعد انتهاء اليوم الدراسي وإحنا مستنينك على ڼار يا شيخة.
رمقتها الأخيرة بدهشة قبل أن تجلس على الكرسي المقابل لهما ترد وهي تخلع حجابها
ليه يعني تستنوني على ڼار خير… حصل حاجة
ردت رغد بلهفة وارتباك تنقل ببصرها نحو شقيقتها الأخرى بنظرات تحذيرية
خير يا خيتي هي بس كانت عايزة تطمن عليكي. خشي روحي نامي وريحي جسمك.
قالت الأخيرة تشير نحو غرفة نومها ولكن قاطعتها روضة مرددة بانفعال
مش قبل ما تفهمينا الأول… اللي سمعناه دا صح ولا غلط
سألتها اعتماد بريبة وهي تخلع الحذاء عن قدميها
هو إيه اللي سمعتوه بالظبط
جاء الرد سريعا مندفعا من شقيقتها الوسطى
إنك اتخطبت لواد البهوات خليفة القناوي اللي داير رايح جاي حواليكي. دلوك بس الراجل نديله عذره مدام أعلنها وقالها قدام الكل عاد. بس مش كان الواجب برضو يا غالية تبلغي أخواتك المساكين ولا إحنا ملناش قيمة ولا في دماغك أصلا!
زجرتها اعتماد بحزم حتى تكف عن سم الكلام الذي تتلفظ به رغم ارتباك أمعائها من الداخل نتيجة الدائرة التي تتوسع حولها بتلك الخدعة.
كادت أن تتحدث وتروي الحقيقة لكنها استدركت فجأة لتسألها
وانت عرفتي منين بالكلام ده إن شاء الله الباشا هو اللي بلغك صح
صاحت روضة بتجه تؤكد لها
أيوة
هو اللي بلغني! واشتغل ساعة يتمسخر عليا عشان عرف قبلي. أنا اللي عايزة أعرف بالظبط هو خطبك إمتى ولا هي علاقة اللي ما بينكم والباشا حب يغطي عليها لما اتزنق وسط الرجالة
وضعت رغد كفها على فمها بحركة لا إرادية بعد صډمتها من فجاجة ما تلفظت به روضة أمام شقيقتها الكبرى. والتي اجفلت وتلجمعت لحظات حتى استوعبت لترد بلوم وڠضب
انت بتقوليلي أنا الكلام دا يا روضة واخدة بالك أصلا من الكلام اللي بتخربطي بيه ولا المحروس اللي مسلماه ودنك قلبك على أختك خلاكي تنسي مين هي اعتماد
نهضت روضة بكل ما تحمله من غل رافضة محاولات شقيقتها الصغرى في منعها لتقترب من المقعد الذي تجلس عليه اعتماد. ناظرة لها من علو تردد
فهميني… انت مين هي اعتماد الشديدة اللي بتوجف حي بحاله لو حد بس قرب من خواتها ولا التانية الحبيبة اللي مالت وحنت لصنف الرجالة لما ظهر في حياتها ولد القناوي بس بصراحة أنا مدياكي عذرك… راجل طول بعرض وحلي وجمال. حقك يا بت أبوي تضعفي… والأنثى اللي ډفناها جواكي تطلع.
توقفت برهة ثم صړخت بها
بس المهم بقى تبقي عادلة! والشيء اللي استحليتيه لنفسك من قبل حتى ما يبقى حلال متحريمهوش على غيييرك. انتي عيشي حياتك… وإحنا كمان نعيش حياتنا.
صدمة البداية في تلك اللحظة التي اختلطت فيها الحسړة والألم والندم على عمر قضته تحارب كقطة شرسة عنهما تحفر في الصخر من أجل أن تمنع عنهما العوز. وبعد مرور عدد من السنوات وهي العمر ذاته يأتي عليها الوقت الآن وتتهم بأبشع تهمة قد توجه لامرأة حرة… ومن من! من شقيقتها التي لا تصغر عنها سوى سنوات قليلة
وما زالت لا تقدر ولا تفهم. والأصعب… الطعنات التي توجهها لها دون شفقة أو رحمة.
كانت ما زالت متجمدة محلها حتى أتت رغد الصغيرة تحاول الاطمئنان عليها وقد التصقت بالمقعد كأنها تمثال. أهدابها فقط ما تتحرك لتدل أنها على قيد الحياة. حتى تمالكت بأسها بصعوبة لتنهض وتواجهها بصوت بح من فرط ما شحن داخلها من مشاعر قاسېة أقوى من أن تحتملها
يعني انت يا روضة بتتهمي أختك في أخلاقها وإنها مش عادلة معاكي عشان بس عايزة أعملك كرامة من واحد شرع أن ېقتلني لولا ستر ربنا
حاولت رغد تهدئتها حتى لا تواصل وتزيد على تعبها الذي بدأ ظاهرا عليها بقوة ولكن اعتماد أبت إلا أن تواصل الرد على هذه الجاحدة
بتغلي وشايلة مني عشان بس قبلت بحكم الرجال إن لا يتم صلح ولا تنازل لحد ما يدفع الغرامة كتعويض هو وناسه على أساس إنه هحط في حسابي المبلغ يا روضة وأتمتع مش عشان أربيه ما يكررهاش! ولا إنه يستغلك ويمضيكي على قرض ولا ورقة تورطك في مصېبة! وانت متخلفة كدة وكلمة منه توديكي وكلمة منه تجيبيك!
أنا متخلفة يا اعتماد
صاحت بها روضة مرددة بلوم وقد تجاوزت كل ما سبقها. لترد اعتماد وقد فقدت الذرة الباقية من الاحتمال منها
أيوة متخلفة! وأنا حمارة إني مقضية عمري أحوش عنك وأمنع الأڈى! واكنك ما بتشوفيش… ولا طفلة مش عارفة الصح من الغلط! اسمعي يا بت… عايزة ترجعي للزفت الحيوان دا المركب اللي تودي… يبيع ولا يشتري فيكي ولا يلبسك مصېبة حتى! إياك تجري علينا ولا تقولي الحقوني ولا انجدوني! مش انت قابلة تروحي له بالرخيص رغم كل اللي عمله فيكي يبقى ياللا في داهية!
سمعت بالأخيرة لتصيح بمظلومية
بتطرديني من بيت أبوي يا اعتماد بجي دا اللي ربنا قدرك عليه عشان بواجهك باللي سمعته
أومأت تؤكد لها برأس يكتنفها الدوار مع تسارع دقات قلبها جعلها تتحدث بأنفاس متقطعة
وياللا… روحي لمي شنطتك… وامشي دلوك! متستنيش! لا… إحنا أساسا معدناش طايقينك ولا طايقين سيرتك… بسرعة!
أنهت اعتماد وسقطت تجلس على المقعد بقدمين لا تستطيعان حملها. تنتظر الرد من واحدة هي الأعلم بشخصيتها حين تحشر في منطقة اتخاذ القرار. وهي بطبيعتها المتكلة دائما على غيرها تريد تنفيذ رغبتها لكن دون تحمل المسؤولية. إذن لو وافقت من دونها ستكون الخاسرة لا محالة.
وكما توقعت لاح التردد على ملامحها المكشوفة قبل أن تلجأ في الأخير إلى الرفض والصياح والشكوى بمظلومية. فتذهب من أمامها نحو غرفتها وهي ما زالت تندب حظها البائس الذي لم يترك لها سوى شقيقة ظالمة تتحكم في أمرها.
حتى إذا انتهت ثورتها بإغلاق الباب كانت اعتماد قد وصل بها الإجهاد والتعب درجة اللا رجعة حتى فقدت القدرة على التعبير بفمها. تلوح فقط بيدها إلى شقيقتها الصغرى لإنقاذها…
بنت الجنوب 
بالقرب من النيل وأسفل إحدى الشجيرات العتيقة جلس على حجر كبير يقشر في عود القصب ويمتص منه ثم يلقي الذي انتهى من عصارته أسفله. غير عابئ بنظافة ولا أي شيء مدام ليس بمنزله. شارد فيمن رآها منذ قليل داخل السيارة التي مرت أمامه… لم تنتبه إليه كعادتها فهي أبدا لا تراه ولن تراه. ورغم أنه يعرف ذلك جيدا لكنه لا يتوقف عن التفكير بها. منذ أن كانت طفلة… ثم تزوجت عرفان… ثم انفصلت… ثم تزوجت بهذا البغيض الأخير.
يعلم أن العيب به ولكن هذه شخصيته وهذا ما نشأ عليه. حتى صحبته دائما ما
كانت فاسدة وذلك ما جعله يصرف عقله عن فكرة الزواج والارتباط. ربما لو أسعده الحظ وكانت من نصيبه لغير من نفسه وأصبح رجلا صالحا…
استفاق من شروده ليرفع أبصاره نحو صاحب الظل الذي حجب ضوء الشمس عنه أثناء مطالعته النيل.
ليتفاجأ بتلك الفتاة… أو المرأة… لا يعرف. سوى أنها طويلة اللسان وقليلة الحياء حتى في نظرتها إليه الآن. جميلة وجريئة تجذب الرجال حولها كالذباب من أجل نيل رضاها… لكنه لم ولن يكون مثلهم أبدا.
نعم… عايزة حاجة يا مدام أو يا آنسة
قال الأخيرة بنوع من التهكم قابلته بسخرية تتخصر أمامه بميوعة يعلمها جيدا
وانت بقى محترم جوي وبتنادي بالألقاب ولا غرضك الأصلي تعرف إن كنت متجوزة قبل كدة ولا لأ
سمع منها وانتفض ينهرها بازدراء
اسم الله يا ختي على حسنك ودلالك! دا على أساس إني مېت في دباديبك مثلا ولا فاكراني أهطل وبريل زي الهبل اللي حواليكي لا… اصحي وفوقي يا بت! واعرفي إنت بتكلمي مين وانت مين
ڠضبت نورة شاعرة بالإهانة التي تتحسس منها دائما وهو المساس بأصلها. لتهدر ردا عليه
اسم الله يا حبيبي… بتتني وتتفرد علينا بإمارة إيه اشحال إن ما كنت خريج سجون وحرامي وهجام سابقا ما تفوق انت لنفسك يا بابا… وأعرف إنك مزدتش علينا بشيء…
تمتم فمه بسبة وقحة نحو ما أتى سريعا بذهنه ليواجهها بنخمينه
عرفان هو اللي جالك الكلام دا يا بت
بت لما تبتك!
تفوهت بها ردا له قبل أن تمسك بعدد من خصلات شعرها قائلة بنوع من نعومة بقصد أن تكيده
أيوة عرفان… راجل متواضع. عشان كدة ربنا مبارك له في رزقه وعنده فلوس بالهبل! مش زيك عواطلي… آخرك تمص جصب جنب النيل!
آاااه…
أومأ يحرك رأسه بتفهم قبل أن يعود لجلسته مستطردا
واضح إن الدغف فتح معاكم وخدتوا عليه جوي… لدرجة إنه يحكيلكم كمان عن أسرار صحابه! المعفن اللي بيعمل حساب للمليم اللي طالع من جيبه! بيكب عليكم يومياتي بأقفاص الفاكهة والطلبات اللي بتطلبوها منه! ياللا يا ستي… تصطفلوا بيه ويصطفل بيكم! هو أساسا يستاهل ناس زيكم!
عادت لڠضبها مرة أخرى خلف كلماته هاتفة به
تاني هتغلط يا أخ إنت! ما تمسك لسانك دا شوية! كلنا ولاد تسعة يا حبيبي ومفيش حد أعلى من حد… عشان تتآمر وتشوف نفسك!
زفر
 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock