
لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر
وهو يلقي عود القصب أسفله يغمغم بملل منها
اللهم طولك يا روح… قال يا جاعدين يكفيكم شړ الجايين. ممكن يا ست تجيبي من الآخر… وتجولي عايزة إيه بالظبط عشان أنا روحي في مناخيري.
كظمت داخلها غيظها الشديد منه لترد في الأخير بنبرة يغمرها التفاخر
صاحبك يا غالي… الغني… صاحب جنانين الفاكهة والبيوت والأطيان… طلب يدي من أهلي امبارح. طلب يد نورة بت الغجر أول ما سمع إننا هنلم عزالنا ونمشي! اتعلق ومش قادر على البعد…
وختمت بابتسامة ثقة لفتت نظره ليصب تركيزه بها لحظات يدير كلماتها برأسه حتى إذا استوعب أخيرا انطلق يجلجل ضاحكا بلا توقف.
استفزها لتعنفه وتوبخه حتى يكف ويتوقف
سمعتك نكتة يا ظريف يا أبو فشة عايمة إنت عشان تضحك كده! ما تتلم يا زفت… واجفل خشمك دا اللي مش راضي يوقف! إنت يا زفت… قبر يلم العفش!
بصقت الأخيرة والتفتت مغادرة بڠضبها حين فقدت الأمل من توقفه. ليظل هو على وضعه حتى بعد مغادرتها لفترة ليست هينة من الضحك ليغمغم محدثا نفسه قبل أن يعود للضحك مرة أخرى
جاك الطين يا عرفان… دا ذنب مين دا اللي
هيعقب بيك يا حزين
بنت الجنوب
مساءا
تعدو بخطواتها السريعة في الطريق نفسه الذي مرت به من قبل حين هددت وتوعدت لشقيقتها الصغيرة المدللة بالڤضيحة. وها هي بكل غباء تتحداها وتقبل الارتباط بزوجها! إذن فلتتحمل ما قد تصبه عليها اليوم من سم الكلمات والسباب حتى وإن وصل الأمر إلى الضړب والڤضيحة لها ولشقيقتها.
من سيلومها وهي امرأة تدافع عن زواجها من تلك الأفعى التي إلتفت عليه لخطفه من زوجته وأولاده تشحن طاقتها بكل ما أوتيت من جهد ولن تقبل اليوم إلا أن تجعلها ڤضيحة تدوي في البلدة بأكملها والبلاد المجاورة أن تصبح تلك الملعۏنة وشقيقاتها حديث المدينة لأيام وليال قادمة.
كان ذلك ما يدور ويشتعل في خلدها حتى غفلت في غمرة شرودها عن سيارة متوقفة بجانب الطريق القديم في الظلام. كان صاحبها قد توقف منذ ما يقارب الساعة خصيصا من أجلها وقد خمن وتوقع منها ما ستفعله في تلك اللحظات الفارقة بحكم معرفته الجيدة جدا بتفكيرها. فهي ابنة عمه التي يحفظها أكثر من خطوط يده.
رايحة فين يا هالة
هتف يجفلها بندائه ليجبرها على التوقف والالتفات إليه فإذا به يخرج من السيارة التي حجبت سوادها الرؤية عنها حتى لم تنتبه إليها في الظلام الحالك.
صفق الباب بقوة ثم تقدم بخطواته حتى وقف أمامها بطوله الفارع ليرى وجهها بوضوح. عيناها كالچحيم المشتعل ملامحها تحولت وكأنها ساحرة الشړ في قلب الغابة المهجورة. لم يعلم كيف خطرت له تلك الصورة وهو يعيد على مسامعها السؤال مرة أخرى
سألتك رايحة فين يا هالة ما جاوبتيش يعني
وإنت مالك
صدر الرد سريعا منها لتذهله بفظاظتها وكأنها تراه المسؤول عن كل ما يحدث لها. فقابل تبجحها بتماسك شديد ورد
رد ناشف وقلة أدب ما تصدرش غير من واحدة فاقدة الأدب. إن ما كانش فيه اعتبار إني واض عمك يبقى افتكري إني أكبر منك وواجب عليكي احترامي.
ردت بأنفاس مهتاجة غير آبهة بما قال
من الآخر عايز إيه يا حمزة
موقف عربيتك في الضلمة وطالع تنده عليا هو الطريق دا كان طريقك عشان تتزنق فيه بعربيتك أساسا ولا يكونش مستني شحنة ممنوعة
قابل تهكمها بسخريته
لا وانت الصادقة مستني اللي أبشع من الشحنة الممنوعة. مستنيكي إنت يا هالة عشان أوقفك قبل ما تخربي الدنيا كيف ما أنا متوقع وعارف بتفكيرك الإجرامي.
وكأنه ضغط على الچرح فردت بحړقة ومظلومية
أنا اللي تفكيري إجرامي ولا إنت اللي طول عمرك شايفني عفشة عشان أنت عايز كده كارهني من غير سبب ترفضني وتهين كرامتي بحريم أقل مني وأنا بت عمك! وآخرة المتمة تعين أخوك يتجوز واحدة غيري واحدة ما تسوى نكلة في سوق الحريم وتبقى ضرتي أنا دا أنا أمسح اسمها من الوجود وأخليها عبرة لكل أهل البلد باللي هعمله فيها. مش كل طير يتاكل لحمه وأنا لحمي مر وعنقل!
أنهت جملتها وكادت تتحرك لكنه كان الأسبق في أن يوقفها بحزم
مش هتقدري يا هالة ولا هتقدري حتى تجربي منها.
تخصرت بابتسامة مستخفة لتضاعف استفزازه
ومين بقى اللي هيمنعني إنت يا واض عمي هتمسكني من دراعي ترجعني ولا تشيلني على كتفك في الدنيا الضلمة عشان الڤضيحة تبقى من نصيبك والله لأخلي صړختي توصل لآخر البلد وأطلع فيها غل القديم والجديد منك يا حمزة.
بهدوء يحسد عليه رغم الڠضب المتفاقم بداخله من تربصها المتعمد لأذيته رد متحديا ليفرض سيطرته ويكبح جماحها
بس أنا لا هشيلك على كتفي ولا هلمسك. إنت اللي هترجعي بنفسك زي
الشاطرة.
ضحكت ساخرة تعقب بمزيد من الاستهزاء
يعجبني فيك ثقتك الزايدة في نفسك يا حمزة. أصلها بتجيب فايدة مع اللي يسمعلك. إنما أنا… هسمعلك ليه
كان رده في البداية صمتا يطالعها بثبات وسكون الواثق قبل أن يقول
عشان ما تأذيش نفسك وتجيبي الناهية بينك وبين خليفة اللي طول عمرك بتستهوني بيه يا هالة. ودلوك بس افتكرتي تحادي عليه بعدما نفسه جفلت منك بالفعل.
توقف يلتقط أنفاسه قليلا يراقب ابتسامتها المستخفة باستهزاء قبل أن يتابع ويخرسها
روحتك المرة اللي فاتت عند اعتماد وتهديدك بسمعة أختها كوم وروحتك النهارده كوم تاني. المرة اللي فاتت كان ليها حساب أما المرة دي فلها ألف حساب.
خبأت ابتسامتها في البداية لكنها سرعان ما استعادت السيطرة على صډمتها لتسخر مخمنة
وهو أي اللي هيخليها تفرق عن المرة اللي فاتت أكيد اللي حكتلك مرتك أم لسان فالت بعد ما عرفت اللي عرفته من متعوسة الرجا دوكها. لكن تمام خليها تقعد جنب خيبتها التانية وتهون عليها. عشان أنا ولا هيفرق معايا أصلا. في الأول والآخر أنا واحدة بتدافع عن بيتها ومن حقها تهدد وتعمل أي حاجة توقف بيها المسخرة دي…
ردد خلفها يصعقها بالقاضية
أي حاجة أي حاجة يا هالة طب شرف الولايا ما فرقش معاكي إنما شرفك إنت هتقولي فيه إيه لما جوزك يعرف إنك طلعتي من البلد وروحتي عند بيت راجل غريب في بلد غريبة أظن دي بقي قصة تستاهل الناس تزود عليها وتألف براحتها مقارنة بقصة العيلة الصغيرة أخت اعتماد.
برقت عيناها بشړ مطلق تهدر به پعنف
إنت اټجننت ولا خيبت يا حمزة هتألف على بت عمك كلام محصلش
رد يؤكد لها بالبراهين
لا حصل يا هالة. ولا هتنكري إنك طلعتي السبوع اللي فات في عربية مخصوص خرجت بيكي برا البلد عشان توصلك عند بيت راجل غريب. الرجل ده يبقى الأستاذ عليوة اللي جوزك ضربه الصبح!
ارتجف داخلها پذعر حقيقي لتسارع بالتوضيح لاطمة على خدها
يا مري! عايز تجيبهالي يا حمزة بالبهتان أنا دخلت فعلا بيت عليوة لكن زيارة لأخته مش ليه. أنا بنت القناوية وتوبي نضيف!
قابل انفعالها الأخير بهدوء شديد يواجهها
شوفتي الظلم وسيرة العرض عفشة كيف على العموم في كل الأحوال الغلط راكبك من ساسك لراسك. سواء شفتي عليوة بذاته ولا زرتي أخته دا يأكد للأعمى إنك السبب في جية الراجل على البلد عشان يرمي بلاه على اعتماد لأجل ما تغور من وشك زي ما إنت عايزة. لكن سبحان الله الموضوع قلب العكس.
علم بصدق ظنه حين رأى بأم عينيه تأثير حديثه عليها أنفاسها المضطربة عيناها التي كادت أن تدمع وهي تناظره بغل شديد لعدة لحظات. بعد أن كشف خطتها بكل سهولة فأضاف على حريق صدرها
أنا ماليش دخل في اللي بينك وبين جوزك. إنت حرة تكملي معاه ولا تنهي. ما يهمنيش لأن في كل الأحوال البنات عمرهم ما هيسيبوا أبوهم. اللي يعنيني بس الولايا يا هالة. إياك أسمع إنك جربتي من اعتماد ولا جبت سيرتها ولا سيرة واحدة من أخواتها بالباطل. ساعتها لا هقول بت عمي ولا زفت. هبلغ جوزك وأعمل قعدة عرفي لكل أفراد العيلة وأشهدهم بالدليل اللي شافك وبلغني. عشان ساعتها هتبقي خسړتي من كله.
… ودلوك ارجعي يلا ارجعي على بيتك. يا إما ما هستناش لبكرة حتى وهتصل على جوزك وأبلغه بكل حاجة.
بنت الجنوب
بنت_الجنوب
الفصل الواحد والاربعون
الحقد ڼار صامتة لا ټحرق سواك.
تغذيها أنانيتك وتظن أنها سلاحک نحو الاڼتقام بينما هي في الحقيقة قيودك الثقيلة.
القلوب التي امتلأت بالضغينة تذبل قبل أن ترى الربيع والعقول التي أسكنتها الأنا تفقد نورها قبل أن تبلغ الحكمة.
فلا عدو أفتك بالإنسان من نفسه حين يسلمها لظلمة الحقد ولا قبر أضيق من قلب امتلأ أنانية حتى لم يعد يتسع للنور.
المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر سنا الفردوس بطوط
الفصل الواحد والأربعون
داخل غرفة بالمركز الصحي التابع للقرية كانت مستلقية على سريرها الطبي وقد استرجعت أنفاسها شيئا فشيئا لتعود إلى طبيعتها تدريجيا بعد أن تلقت الرعاية العاجلة من قبل الأطباء والعاملين والفضل يرجع إلى شقيقتها الصغرى التي تدبرت الأمر ببراعة حين هاتفت إسعاف القرية لتنقلها بسرعة إلى هذا المرفق الحيوي في البلدة.
كان التشخيص المبدئي هبوطا حادا في ضغط الډم كاد أن يوقف قلبها في لحظة غادرة. والسبب شقيقتها التي كانت أمامها الآن تعبر عن أسفها بصعوبة وثقل وكأنها مجبرة أو لعله كبرياء نفسها التي ترفض الاعتراف بما ارتكبت من أخطاء.
لو كنت أعرف إن ضغطك هيوطى أو إنك هتتعبي بالشكل ده مكنتش اتكلمت معاكي من الأساس. بس شكلك كنت تعبانة أصلا من الأول. على العموم… أنا آسفة.
أومأت اعتماد بضعف تتقبل اعتذارها رغم الچرح الغائر في قلبها وتأكدها من عدم جدية شقيقتها أو اقتناعها بالاعتذار وإنما تفعل ذلك من باب حفظ ماء الوجه إن تبقى منه شيء.
أخرجها من شرودها المظلم رطوبة شفتين صغيرتين حطتا على جبهتها برقة متناهية. من شقيقتها الصغرى الحانية التي كانت بجوارها على الفراش تضمها بذراعيها تدعمها وتخفف عنها بصوت باك لتذكرها أن تضحياتها وتعبها لم تذهب سدى
سلامة الحلو من كل شړ… أوعي تعمليها تاني يا اعتماد. أنا كنت ھموت والله في اللحظة اللي قفلتي فيها خشمك وانحاش فيها نفسك. كنت حاسة إني أنا اللي إنحاش نفسي وروحي بتروح مني. والله ما حسيت إنها ردتلي غير بعد ما فتحت عينك وبصيتي ليا. ربنا يجعل يومي قبل يومك يا خيتي يا غالية.
ربتت اعتماد على ذراعها بامتنان توبخها بلطف حتى لا تعيد مثل هذا الدعاء
بس يا بت… متبقيش عبيطة وتدعي على نفسك تاني. لاحسن والله أزعل منك. وبلاش دموعك دي… ولا تكبري الموضوع. شوية تعب وراحوا لوحديهم.
لاه… لساهم ما راحوش. ولا ناسية إنك مازلت راقدة في المستشفى وإبرة المحلول لسه في يدك لازم تخلي بالك من نفسك. وإحنا كمان واجبنا نحرص عليكي ومنزعلكيش…
قالتها متوجهة بنظرها نحو شقيقتهما الثالثة روضة التي التقطت التعقيب لتصب به حنقها بعد لحظات لم تحتملها في مراقبة المحبة الزائدة





