روايات

لاجلها بقلم بنت الجنوب امل نصر

بين الاثنتين
خلاص يا ست المسهوكة… إنتي هتعمليها ليلة وتشعلليها بعد ما هديت طب ماهي ربنا خد بيدها وأنا اعتذرت واتأسفت اها… عايزة إيه تاني
جاء رد رغد بهدوء ووداعة تستفزها
أنا قصدي نفسي معاكي يا روضة. إحنا الاتنين لازم نقدر ومنزودش على تعب اعتماد. كفاية الضغوط اللي عليها… هنبقى إحنا والزمن عليها!
غمغمت روضة في داخلها بما لم تستطع أن تنطق به أمامهما
يا بوي… علي شغل المثالية اللي يفقع المرارة ويجيب مغص معوى.
ثم قالت بصوت عال وهي تنهض مغادرة
أنا طالعة برا أشم هوا بالبت اللي نفسها اتكتم من ريحة المستشفى. عن إذنكم.
لكنها وقبل أن تغادر فوجئت بمزيونة التي دخلت مسرعة بصحبة زوجها فور أن علمت ماحدث لها من شقيقتها عبر الاتصال الهاتفي.
اعتماد حبيبتي… إيه اللي جرالك
قابلت
اعتماد لهفتها بهدوء تطمئنها
حاجة بسيطة مش مستاهلة. إنت مين قالك بس
سارعت رغد بالرد غير مبالية بنظرتها المحذرة
أنا اللي قلتلها… لما لقيتها بتتصل عشان تتطمن عليكي. عايزاني أقولها رايقة وزينة بالكذب
لا لا… سمح الله ودي تيجي
قالتها بشيء من السخرية التي التقطها حمزة دالفا خلف زوجته ليعقب
لا مدام بتقلشي وتهزري تبقى بخير وزينة. ونطمن عليكي. إيه اللي جرالك يا أبلة ده العيال بتعملها على نفسها بشخطة واحدة منك… على رأي الواد ريان.
أضحكها مزاحه وأخرجها من الكآبة التي كانت تغلفها فردت متسائلة
طيب وهو شاف فين العفريت ده ومدرسته أصلا في المحافظة برا البلد.
بيسمع من صحابه اللي في البلد يا ستي.
قالتها مزيونة لتستهجن اعتماد بمظلومية وقد اندمجت في الحديث معهما
آه يا أنى يا غلبانة… حتى الأطفال بيطلعوا عليا إشاعات يا ناس!
ضحك حمزة ثم أردف
اللي يخوف أحسن من اللي مابيخوفش سيبك الأهم خلينا في صحتك دلوك. إيه اللي حصل وخلاكي تتعبي كدة إحنا موصلينك لحد باب البيت زينة وتمام.
عادي… ضغطي وطي فجأة. أكيد إرهاق وتعب.
تفوهت بها اعتماد بكذب لم ينطل على الاثنين. فصمتت رغد لكن ملامحها البريئة كانت أصدق من كلامها كاشفة أن هناك أمرا ما حدث…
بنت الجنوب 
وفي داخل المنزل الكبير في الشرفة الشاسعة ذلك المكان المميز لحسنية وجلستها المفضلة مع ولدها الهادئ المتعب كانت تتباحث معه حول ما أخبرها به حمزة
طب أنا اللي عايزة أعرفه دلوك… التمثيلية دي هتفضل لحد إمتى
تمثيلية!
أيوة تمثيلية. أخوك مفهمني كده وأنا على ڼار مش عارفة راسي من رجلي. بت عمك قالبة الدنيا في بيت أبوها وأمها اتصلت ومعرفتش أرد عليها وأقولها إيه.
قوليها إنه خطب صح يا أمه وما تنكسفيش من حاجة. يا إما سيبي الأمر ده عليا وأنا هعرف أتصرف معاهم.
تجمدت حسنية لعدد من اللحظات تطالعه بمزيد من التشتت وقد زادها قوله حيرة
أسيب الأمر عليك إزاي يعني ههتقولهم اللي قاله حمزة
أوعي يا أمه! إيه اللي إنت بتقوليه ده هي سمعة بنات الناس لعبة!
قاطعها ناهيا بحزم لتخرج هذه المرة عن طورها الهادئ وتطالبه بانفعال
واض… إنت جيب من الآخر! إيه اللي في دماغك بالظبط ما تسيبنيش كده عايمة في مية البطيخ أنا لازم أرسى على بر معاك.
وكان رده الصمت… لتمر عليهما لحظات تبادلا فيها حديث النظرات بين أم تغوص في أغوار ابنها الذي تعرفه أكثر من أي شيء وابن يعلم ذلك جيدا ويمنحها المساحة كاملة حتى تستخرج الإجابة بنفسها… ووصلت الرسالة.
جدة حسنية… خدي اربطيلي الحظاظة على يدي أصلها اتقطعت.
كان هذا صوت ريان الذي دلف مقاطعا جلستهما لتتلقاه حسنية بحنانها المعتاد ومشاكستها أيضا
هات يا خايب هات… حظاظة ومسخرة! شغل عيال البندر الماسخ.
ماسخ ليه دي بلون علم بلدي لاففها على يدي. شوفتيني لابس أسورة بنتة
ضحكت حسنية بعد أن أفحمها بمنطقه فيما ربت خليفة على ذراعه بفخر
جدع يا واض عجبني ردك. بس مخليتش أبوك يربطها ليه ولا خالتك مزيونة أنا مش شايف حد فيهم أصلا.
أجابه ريان وهو مندمج فيما تفعله جدته وهي تحكم ربط الحظاظة على يده
الاتنين مجعدينش راحوا يزوروا أبلة اعتماد أصلها عيانة…
بتقول مين يا واض
قاطعه خليفة بتساؤله فارتفعت رأس حسنية نحوه لترى الخۏف قد اعتلى ملامحه بينما واصل ريان شرح المكالمة التي أجرتها خالته مزيونة وعرفت فيها عن تعب إعتماد المفاجئ.
ليجفلها فجأة ناهضا عن جلسته مستأذنا للانصراف وكأنها
أصبحت تخصه… لا بل هي فعلا أصبحت تخصه كما بدا لها الآن.
بنت الجنوب 
داخل الخيمة التي تعد مسكنها أينما حطت الرحال في أي بلد كانت مضجعة بجسدها متكئة على وسادة قطنية والفراش الصوفي أسفلها. في المقابل جلست والدتها على فرشة صوف أخرى متربعة القدمين تتحدث إليها باهتمام لتعرف ردها حول الموضوع الهام أو لتقنعها إن لزم الأمر
يا بت انطقي! ريحي قلب أمك وخلينا نرسى على بر مع الجدع اللي رايح جاي علينا بيتنشق على كلمة منك. مش عايزين نضيع الفرصة من إيدينا.
قاطعتها نورة بانفعال تخرج عن صمتها
يا أختي اسم الله على الفرصة! أروح ضرة على مرة وعيال وتبقى فرصة!
جادلتها الأم بقوة
ومالهم المرة والعيال! مدام هتبقي إنت الست عليهم والحال والمال هيبقوا في يدك! الراجل واقع فيكي من الدور العاشر يبقى املكي وعبي كفوفك منه. هو إحنا كل يوم هيجلنا عريس كده يا بت ما على يدك… إن كان عيال عمك ولا الرجالة اللي بيدوروا حواليكي. وكل ما نحط رجلينا في بلد ما فيش واحد عدل اتقدم لحد دلوك!
زمت شفتيها بحنق شديد تدرك تلك الحقيقة جيدا وعن ظهر قلب لتصحح بشرود
لا… فيهم اللي اتقدم يا أمه بس مكملش ولا عرف يكمل المشوار ويتحدى أهله. مقدرش يتحمل ظروفنا ولا قدر حتى يواجه بيا الدنيا زي ما كان معشمني.
أخرجت المرأة تنهيدة مثقلة من صدرها وقد فهمت مقصدها فغضنت ملامحها بضيق قائلة
طيب كويس يا أختي إنك فاكرة. الحب والعشق ده كلام ما يجيبش همه خصوصا بقي مع ولاد الأصول اللي شايفينا أقل منيهم. إنت جربتي حظك مرة مع واحد من عيال عمك في جوازة مجعدتش شهرين وجربتي مع الغريب اللي عمل فيها الغضنفر اللي هيشيلك ويشيل ناسك وفي الآخر طلع ورق ولا يسواش وما قدر حتى يكتب كتابه عليكي. يبقى نبص للموجود دلوك. عرفان متجوز ومعاه عيال يبقى تاخدي فرصتك عليه عشان يعوضك. هتتجلعي وتاخدي ما بدالك منه يا إما ترميه من طول دراعك ويغور في داهية. بس بعد ما تعبي يدك منه وتشبعي. هو أنا اللي هفهمك دي إنت نورة!
تطلعت إليها بحيرة تزن الكلمات بعقلها تبحث عن حيلة تراوض بها الرفض داخلها. إنها حتى لا تحتمل الجلوس معه فكيف ستصبح زوجة له وتعطيه حقوقه! كيف وشغفها يتجه في ناحية أخرى ليست منطقية إطلاقا! ذلك الأبله الذي كلما قابلها تشاجر معها ينظر إليها بازدراء وهو في الأصل لا يسوى شيئا يتفاخر بأصله وكأنها أقل منه… ورغم كل ذلك تتوق دائما لرؤيته وخلق الحجج للقائه.
بنت الجنوب 
في أقل من عشر دقائق وصلت السيارة أمام المبنى الذي تتواجد فيه مقر المركز الصحي الذي يشمل بلدتهم وباقي القرى من حولها. صفها في موقع مناسب قبل أن يترجل بخطواته السريعة نحو المدخل. وعلى حين غرة أبصر بطرف عينه ذلك الشاب اللزج زوج أختها يقف مع زوجته المزعجة في أحد الأركان قرب السور أسفل صف الأشجار.
غمغم في داخله ساخطا على تلك الحمقاء التي بدت من هيئتها ووقفتها المستسلمة أمامه وكأنها توشك على إفساد الخطة والشروط التي وضعت في جلسة الرجال حتى تعود إليه مرفوعة الرأس تعويضا يرد حق شقيقته التي تنازلت عن حقها في حبس زوجها من أجلها ومن أجل الصغيرة ابنتها.
شتان بين واحدة بلهاء مثلها وبين عزيزة النفس التي كان يسارع الآن بخطواته ليقصر المسافات ويطمئن عليها.
طرق على باب غرفتها المفتوح
على مصراعيه ليلفت أبصار الحاضرين معها ثم دلف يلقي التحية وعيناه ترسل نظرة عتب نحو شقيقه الذي جاء بزوجته دون أن يخبره بتعبها
مساء الخير.
مساء النور.
جاء رد التحية منهم وأبرزهم كان حمزة الذي تحمحم متلقيا إياه بالمزاح أمام دهشة الآخرين
وه! دي البلد كلها شكلها عرفت بتعب الأبلة منور يا واض أبوي.
رمقه بنظرة خاطفة رافعا حاجبه بتحذير قبل أن يتجه إليها مخاطبا
سمعت من الدكتور إن سبب تعبك المفاجئ هو الزعل الشديد مين اللي زعل الأبلة
شعرت بحرج شديد نتيجة السؤال الموجه إليها أمام الحاضرين وقد تركز الانتباه نحوهما فخرج ردها بصعوبة محاولة الإنكار
عادي يعني… مفيش حاجة… الدكتور بيهول.
الدكتور بيهول! صح الكلام دا يا رغد
تفاجأت الأخيرة من مخاطبته المباشرة لها فتبسمت برد فعل عفوي وقد بدا أنه يستخدم سلطته كخطيب لشقيقتها حتى يحقق في سبب تعبها.
لاا بس قصدها يعني…
قطع الحديث دخول روضة التي دلفت والأنظار معلقة بخليفة الذي يزعم أنه خطيب تلك الراقدة على سريرها
ما شاء الله الأوضة بقت مليانة مسالخير يا أستاذ خليفة.
الټفت نحوها بملامح مبهمة يرد تحيتها أولا
مساء الخير.
تقدمت أكثر حتى صارت أمامه تسأله بفضولها
شكلك زعلان عشان جيت متأخر معلش لو أعرف نمرتك عاد كنت اتصلت عليك وبلغتك… بما إنك بقيت خطيب أختي…
ختمت تلقي بنظرة خاطفة نحو شقيقتها التي امتقعت ملامحها من طريقتها غير اللائقة حتى ودت أن تفحمها برد جاف يخرسها. لكن خليفة كان الأسبق
لا اطمني أنا مش زعلان ولا حاجة. إحنا لسه في البدايات وطبيعي دا يحصل. على العموم المرة الجاية لو اضطريت هاخد رقم رغد هتبقى أسهل في السؤال.
رغدد…
خرج منها الاسم بنظرة ذات مغزى نحو اعتماد التي فهمت قصدها الخبيث في جرحها وتذكيرها بحاډثة زوجها السابق وأغراضه الدنيئة نحو المذكورة. فجاء التدخل من مزيونة التي كانت تتابع وتعي ما لا يعرفه خليفة فردت لتخرسها بما خطړ ببالها
أيوة يا رغد يا روضة دي جلوعة العيلة زيها زي ليلى هي تزيد عنها إيه غير سنة
قولها كان كافيا جدا لإفحام روضة فتبتلع غيظها داخلها أما خليفة فقد أسعده الرد. على عكس اعتماد التي زاغت عيناها بتشتت وهي تراه يتعامل وكأنه أمر واقع!
استغل حمزة الفرصة مضيفا على قول زوجته ومثبتا
صح والله صدقت. بت يا رغد من هنا ورايح أنا عمك زي خليفة بالظبط. أي حاجة عايزاها تطلبيها مني متتأخريش.
أومأت رغد بعفوية مبتسمة بامتنان. ليردف بعدها بأمر
وانا بقول كفاية كده نقوم نسيبه معاها لحظة يمكن عايز يطمن عليها واحنا قاعدين.
ونهض يشير إلى زوجته وشقيقتيها لتفهما أمام صدمة اعتماد التي فقدت النطق تتابع انسحاب شقيقتيها مع مزيونة واتخاذ خليفة مقعده بالقرب منها وكأنه يعيش الدور حقا. ليجفلها حمزة بكلمتين على عجالة قبل أن يتبعهم
متشليش هم هالة خالص أنا اتصرفت معاها ومستحيل تقدر تقربلك لا انت ولا أخواتك.
قالها سريعا وغادر دون أن يمنحها فرصة للاستفسار. فتعلقت أبصارها به حتى خرج من الغرفة ثم استوعبت قصده لتعود ببصرها نحو ذلك
 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock