قصص قصيرة

قالوا إنها ماتت وانتهى الأمر… لكن صبيًّا مشرّدًا رأى ما لم يره الأطباء

في السقف ينتظر أن يحدث شيء سيئ. الانتظار كان عادة قديمة.
في الصباح قدموا له فطورا ساخنا. جلس أمام الطبق مترددا لا يعرف إن كان عليه أن يأكل بسرعة قبل أن يسحب منه أم ببطء ليستمتع. اختار الحل الثالث أكل بصمت وهو ينظر حوله كمن يراقب حلما قابلا للانكسار.
لم يعامل كحالة إنقاذ بل كطالب. كان عليه أن يلتزم بمواعيد بدروس بجلسات تقييم نفسي وبمهمات تطوعية داخل البرنامج. لم يكن الأمر سهلا. بعض الليالي عاد فيها إلى غرفته منهكا لا جسديا فقط بل ذهنيا. لأن بناء الإنسان أصعب من إنقاذه.
وفي الوقت نفسه كانت كلارا ويتاكر تتعافى ببطء.
الجسد الذي خدع الأطباء ذات يوم لم يعد كما كان. احتاجت إلى أشهر من العلاج الفيزيائي وإلى صبر قاس على جسد لم يعد يطيعها. كانت تجلس أحيانا على كرسيها المتحرك قرب نافذة المستشفى تحدق في المدينة التي كادت أن تفقدها وتسأل نفسها كيف يكون المرء حيا ولا يشعر بالحياة.
في إحدى الزيارات دخل مالك غرفة العلاج مترددا. لم يكن يريد أن يذكرها بتلك الليلة ولا أن يضع نفسه في موضع البطل. لكنها ابتسمت له ابتسامة صادقة وقالت 
أنت الصوت الذي أعادني.
تلك الجملة رغم بساطتها ظلت تلازمه أياما طويلة.
بعد أسابيع بدأت كلارا تشارك متطوعة في أنشطة المؤسسة. لم تفعل ذلك بدافع الامتنان فقط بل لأنها شعرت بشيء لم تختبره من قبل أن وجودها يمكن أن يكون نافعا خارج ثروتها واسمها.
كانت تقف إلى جانب مالك في بعض الورش لا كابنة ملياردير بل كإنسانة نجت من الموت وتريد أن تفهم لماذا.
قالت ذات مرة للصحفيين الذين لم يكفوا عن ملاحقتها 
هو أنقذ حياتي والآن نحاول معا أن نقنع العالم أن الانتباه قد ينقذ حياة أخرى.
مرت الشهور ثم السنوات.
كبر مالك. لم يكبر فجأة بل تدريجيا كمن يتعلم المشي بعد كسر طويل. تعلم كيف يثق كيف يسأل كيف يخطئ دون أن ينهار. كان التعليم بالنسبة له معركة داخلية لأن القراءة عن الطب والجسد الإنساني أعادت إليه ذكريات المشرحة والرائحة والليل البارد.
لكنه واصل.
في يوم تخرجه من الثانوية وقف على المنصة مرتديا عباءة بسيطة. لم تكن فاخرة لكنها كانت حقيقية. نظر إلى الصف الأمامي فرأى صامويل وكلارا يصفقان له دون تكلف. لم يكن ذلك المشهد مألوفا له. اعتاد أن يكون غير مرئي.
قال في كلمته بعد لحظة صمت 
كنت أنام خارج المستشفيات والآن أحلم ببنائها.
لم تكن عبارة بلاغية. كانت حقيقة. انفجر التصفيق لكنه لم يكن ما جعله يبتسم. ما جعله يبتسم هو أنه لم يعد يشعر بالحاجة إلى الاختباء.
بعد الحفل أخذه صامويل جانبا وقدم له عرضا بمنحة كاملة لدراسة الهندسة الطبية الحيوية. قال له بهدوء أبوي 
لقد حرصت على ألا يضيع نبض واحد ويوما ما ستجعل ألا يضيع نبض أحد.
كانت تلك اللحظة بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا وأكثر مسؤولية.
دخل مالك الجامعة وهو يحمل على كتفيه أكثر من حقيبة كتب. كان يحمل ذاكرة الشوارع وبرودة الأرصفة ورائحة المطهرات في المشرحة وصوت قلب كاد يتوقف ولم يتوقف. لم يكن طالبا عاديا ولم يكن يريد أن يكون استثناء يشار إليه بالشفقة أو الإعجاب. أراد فقط أن يكون كفؤا.
الهندسة الطبية الحيوية لم تكن سهلة. المعادلات المعقدة الفيزياء الدقيقة البيولوجيا المتداخلة مع الإلكترونيات كل ذلك شكل تحديا حقيقيا. في الليالي الأولى جلس مالك وحده في غرفته يحدق في شاشة الحاسوب يشعر أن العالم الأكاديمي لغة جديدة بالكامل. كان بإمكانه الانسحاب أن يقول إن الأمر أكبر منه. لكنه تذكر تلك الليلة حين وقف في قاعة العزاء وحين كاد الجميع أن يغلق النعش.
تذكر أنه لم يكن يملك يومها سوى صوته.
الآن صار عليه أن يمتلك معرفة توازي شجاعته.
كان يدرس بتركيز يكاد يكون قاسيا على نفسه. لا سهر بلا هدف لا تهاون في المحاضرات ولا أعذار جاهزة. بعض زملائه استغربوا جديته المفرطة وبعضهم لم يفهم لماذا يتطوع في المستشفيات إلى جانب دراسته بدل أن يستمتع بحياة جامعية طبيعية.
لكن بالنسبة لمالك الحياة لم تكن يوما طبيعية.
في الوقت نفسه كانت مبادرة نبض القلب تتشكل ببطء. لم تكن مؤسسة ضخمة منذ البداية بل فكرة. فكرة بسيطة ومرعبة في آن واحد 
ماذا لو كان بالإمكان تطوير أجهزة قادرة على رصد أضعف إشارات الحياة تلك التي لا تلتقطها الأجهزة التقليدية
ماذا لو كان بالإمكان تدريب غير المختصين طلاب شبان عمال على ملاحظة ما لا يلاحظ
كان مالك هو العقل الميداني للمبادرة. لم يكن يتحدث من كتب فقط بل من تجربة حية. كان يقول دائما 
المشكلة ليست في الأجهزة وحدها بل في الانتباه.
صامويل الذي اعتاد قيادة شركات بمليارات الدولارات وجد نفسه يتعلم من شاب كان ينام تحت الجسور. لم يكن ذلك سهلا على كبريائه في البداية. لكنه تغير. ليس فجأة بل كما تتغير المعادن تحت الضغط.
بدأت شركته تعيد النظر في أولوياتها. لم يعد السؤال كم سنربح
بل من سننقذ.
كلارا من جهتها كانت تخوض صراعا داخليا لا يقل قسوة. النجاة ليست دائما راحة. أحيانا تكون عبئا. كانت تتساءل لماذا عاشت هي ولم يعش آخرون لماذا توقف قلبها ولم يتوقف تماما لماذا كان هناك صبي جائع في تلك الليلة بينما كانت هي محاطة بالثروة
في جلسات العلاج

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى