
قالت لطفلتها: إن تكلمتِ… لن يصدقك أحد لكن الحقيقة خرجت أخيرًا
جوليان أن الأسوأ قد انتهى. لكنه كان مخطئا.
عاد إلى المنزل ليجلب ملابس نظيفة لليلي. وبينما كان يفتش في حقيبة مخبأة في مؤخرة الخزانة وجد جوازي سفر أحدهما لإليانور والآخر لليلي وبجوارهما برنامج رحلة مطبوع تذكرة ذهاب فقط إلى مدريد موعد المغادرة صباح اليوم التالي. وتحت التذاكر ورقة بخط يد إليانور
إذا نطقت بكلمة سيغادر والدك إلى الأبد. إذا تكلمت سأأخذك إلى مكان لن يعثر علينا فيه.
خرج الهواء من رئتي جوليان. لم يكن الأمر إساءة فقط بل اختطافا مخططا له.
سلم الأدلة للمحقق ريد في المستشفى.
قال ريد بوجه قاتم
هذا يغير كل شيء. هذه محاولة اختطاف وإكراه.
عندما وصلت إليانور بدت متأنقة على نحو لافت كأنها خرجت من جلسة تصوير لا من ممر مستشفى وكأنها لا تقف في قلب مسرح جريمة تتعلق بطفلة في السابعة من عمرها. كان شعرها مصففا بعناية وملابسها خالية من أي أثر ارتباك وعطرها الباهظ يسبق خطواتها. تقدمت بثبات مصطنع وطالبت فورا برؤية ابنتها متجاهلة نظرات الأطباء والشرطة من حولها ثم وصفت ما حدث ببرود قاس بأنه سوء فهم لا أكثر.
عندها وبحركة بطيئة محسوبة وضع المحقق ريد تذاكر الطيران على الطاولة المعدنية أمامها ودفعها قليلا نحوها وقال بصوت لا يحمل أي انفعال
اشرحي هذا يا آنسة فانس.
تجمدت ملامحها في لحظة خاطفة وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة. شحب لونها وارتعشت شفتاها قبل أن تتمكن من النطق.
كانت إجازة قالت بصوت خافت فقد حدته السابقة.
لم يرفع الضابط غرانت صوته حين سأل
وماذا عن الرسالة
فتحت إليانور فمها محاولة البحث عن كلمات عن أي كذبة تنقذها لكن الصمت خرج أولا. لم تخرج أي جملة ولم تتشكل أي رواية. كانت الحقيقة أثقل من أن تزور في تلك اللحظة.
بعد دقائق وصلت الأخصائية الاجتماعية في المستشفى السيدة باتيل تحمل ملفا بيدها وملامحها تجمع بين الحزم والشفقة. قالت بهدوء مهني
قابلت ليلي منذ قليل. روايتها متسقة في كل التفاصيل وتظهر خوفا حقيقيا وعميقا من والدتها لا خوفا عابرا أو متصنعا.
حاولت إليانور وقد شعرت بأن الأرض تضيق من تحت قدميها أن تقلب الاتهام. ادعت أن جوليان يلقن الطفلة ما تقول وأنه يستغل الموقف للانتقام منها. لكن السيدة باتيل هزت رأسها ببطء وقالت بثبات
والدها وصل من طوكيو قبل ثلاث ساعات فقط. كما أن الأدلة الطبية تشير إلى إصابة غير معالجة منذ ما يقارب أسبوع. هذه الحقائق وحدها تكذب روايتك.
تقدم المحقق ريد خطوة إلى الأمام وقال بصوت رسمي قاطع
بناء على ما سبق نفتح تحقيقا بتهمة تعريض طفل للخطر والعنف الأسري. تمنح الحضانة الطارئة للأب وتعلق جميع الزيارات إلى حين صدور قرار المحكمة.
لم تصرخ إليانور ولم تحتج ولم تطلب حتى رؤية ليلي. استدارت وغادرت الممر بخطوات سريعة تاركة خلفها صمتا ثقيلا ورائحة عطر باهظ لا ينسجم مع بشاعة ما كشف.
في تلك الليلة جلس جوليان على كرسي صغير إلى جوار سرير ابنته في المستشفى. لم ينم نوما حقيقيا كان يراقب أنفاسها ويتأمل وجهها الشاحب وكأن الخوف ما زال يتربص بهما في الظلال. وحين استيقظت ليلي في ضوء الغرفة الخافت وقد خف ألمها بفضل الدواء نظرت إليه بعينين مثقلتين بالتعب وهمست
بابا هل سأعود إلى ماما
مد جوليان يده ومسح شعرها عن جبينها بحنان بالغ وقال بصوت حاول أن يجعله أكثر ثباتا مما يشعر به
لا يا حبيبتي. ستبقين معي. أنت بأمان الآن.
أطلقت ليلي زفيرا طويلا كأنها تسقط عن صدرها حملا ثقيلا كانت تحمله منذ أيام. أغمضت عينيها قليلا ثم همست
شكرا لأنك صدقتني.
انحنى جوليان نحوها وصوته يختنق بالعاطفة
دائما يا ليلي. هذا لن يتغير أبدا.
بعد ثلاثة أسابيع جلس القاضي يطالع الصور الطبية والتقارير التفصيلية وتذاكر السفر والرسالة المكتوبة بخط اليد. لم يحتج إلى وقت طويل. رفع رأسه وقال بوضوح
إهمال جسيم وخطر هروب. تمنح الحضانة الكاملة للأب.
مرت ستة أشهر. كان ظهر ليلي قد شفي تماما ولم يبق من تلك الأيام سوى ندبة صغيرة بالكاد ترى وذاكرة بدأت تستعيد براءتها ببطء. وفي أحد أيام الأحد المشمسة كانت تتأرجح عاليا في الحديقة تضحك مع كل اندفاعة إلى الأعلى.
قالت وهي تبتسم
بابا كانت ماما تقول إن الكبار يصدقون الكبار فقط.
دفعها جوليان برفق يتابعها بعينين ممتلئتين بالطمأنينة وقال
الكبار الصالحون يصدقون الأطفال حين يطلبون المساعدة.
ارتفعت ليلي أكثر وضحكت ثم سألت بصوت مفعم بالأمل
إذا أنا حقا بأمان
نظر إليها جوليان وهي تحلق في الهواء وأجابها دون تردد
نعم يا ليلي. أنت بأمان الآن ودائما.





