قصص قصيرة

سخر من سيدة مسنّة في البنك… وبعد ثوانٍ ندم على كل كلمة قالها

سارة إليه ثم أعادت بصرها إلى الشاشة وضغطت بضعة أزرار النتيجة لم تتغير 
قالت بثبات أكبر 
لا يوجد أي خطأ يا سيدي هذا الرصيد بعد إضافة فائدة اليوم 
ثم وبحركة تلقائية أمالت الشاشة قليلا نحو إيفلين احتراما وإجراء 
إيفلين اقتربت خطوة نظرت إلى الأرقام نظرة سريعة ثم أومأت 
قالت بهدوء 
نعم هذا يبدو صحيحا 
التفتت إلى سارة وأضافت بابتسامة خفيفة 
شكرا لك يا ابنتي 
كان ريتشارد لا يزال واقفا مائل الجسد عيناه معلقتان بالشاشة كأن الأرقام قد سلبته القدرة على التفكير شعر بسخونة تصعد إلى وجهه وبشيء يشبه الانقباض في صدره 
تمتم أقرب إلى نفسه 
كيف كيف يمكن لامرأة
لم يكمل الجملة 
رفعت إيفلين رأسها نحوه والتفتت بجسدها النحيل ببطء حتى أصبحت مواجهته كاملة لم يكن في نظرتها أي شماتة ولا رغبة في الإذلال كان فيها شيء آخر شيء يشبه الحكمة القديمة 
قالت بصوت واضح يسمعه من حولها 
أترغب في أن تعرف كيف يا بني
تردد ريتشارد لحظة ثم أومأ دون وعي 
تنفست إيفلين بعمق وكأنها تستدعي سنوات بعيدة 
قالت 
في خمسينيات القرن الماضي كنت أنا وزوجي نعمل في الزراعة بنظام المشاركة كنا ننهض قبل الفجر نعمل حتى تغيب الشمس ونعود بأجساد متعبة وأيد خشنة لم يكن لدينا مال ولا علاقات ولا امتيازات 
ساد صمت جديد لكن هذه المرة كان مختلفا صمت استماع 
تابعت 
كنا نوفر كل قرش لم نكن نشتري إلا الضروري في عام 1962 اشترينا قطعة أرض صغيرة خارج تولسا قال الناس إنها بلا قيمة وإننا أضعنا ما ادخرناه لكن زوجي كان يقول دائما إن الأرض لا تخون من يصبر عليها 
تحركت شفاه بعض الواقفين دون صوت كانت القصة تشدهم دون أن يشعروا 
قالت إيفلين 
مرت السنوات لم يتغير شيء في البداية ثم في السبعينيات جاء منقبو النفط قالوا إن تحت تلك الأرض احتياطيا ضخما لم يلتفت إليه أحد فجأة صار ما كان يسخر منه مصدر رزق لم نتخيله 
توقفت لحظة ثم أضافت 
لم ننتقل إلى قصر لم نغير نمط حياتنا تركنا المال حيث هو ينمو بصمت ربيت أولادي أرسلتهم إلى الجامعات وساعدنا مجتمعنا بقدر ما استطعنا 
نظرت إلى يديها ثم رفعت بصرها من جديد 
قالت بهدوء 
المال يا بني لا يغير الإنسان هو فقط يكشفه 
لم يجد ريتشارد ما يقوله شعر بأن الكلمات التي نطق بها قبل قليل ترتد إليه الآن ثقيلة محرجة لم يعد يشعر برغبة في النظر إلى ساعته ولا في التفاخر بشيء 
أخذت إيفلين إيصالها من سارة وربتت على يدها برفق ثم أدارت جسدها ببطء متجهة نحو الباب 
وعندما مرت بجانب ريتشارد توقفت للحظة قصيرة 
قالت بصوت منخفض لكنه مسموع 
لا تحكم على كتاب من غلافه يا بني بعض أغنى الناس هم الذين لا يحتاجون إلى إثبات ذلك 
ثم واصلت سيرها وصوت عصاها يطرق أرضية الرخام بإيقاع ثابت 
ظل البهو صامتا لثوان طويلة بعد خروجها كأن المكان كله يحتاج وقتا ليستوعب ما حدث 
لم يتباه ريتشارد في ذلك البنك بعد ذلك اليوم 
وانتشر الخبر لا بضجيج بل بهدوء يشبه هدوء صاحبة القصة نفسها صارت إيفلين طومسون واحدة من أكبر المتبرعين سرا تمول منحا دراسية وتدعم رعاية كبار السن وتعيد الحياة لمؤسسات خدمية كادت تنسى 
ومع ذلك لم يتغير شيء في مظهرها 
كانت لا تزال تقود سيارتها القديمة وترتدي فساتينها الزهرية وتأتي كل يوم جمعة فقط لتتحقق من رصيدها 
لأن الثروة الحقيقية لا تقاس بما يظهر للناس بل بما يبقى في القلب 
خرجت إيفلين من البنك كما دخلته ببطء ووقار لا تلتفت خلفها ولا تنتظر نظرات الإعجاب التي بدأت تتشكل في العيون بعد أن زال الذهول كان الهواء خارج المبنى أبرد قليلا ونسمة خفيفة مرت على وجهها المجعد فحركت خصلة فضية أفلتت من دبوسها توقفت لحظة عند أسفل الدرج الرخامي ثبتت قبضتها على العصا ثم واصلت السير نحو سيارتها القديمة المركونة في الصف الأخير 
في الداخل ظل البهو ساكنا على غير عادته لم يعد أحد يتقدم نحو الشباك فورا كأن الجميع يحتاج إلى ثوان إضافية ليعيد ترتيب أفكاره سارة بقيت واقفة خلف الزجاج عيناها لا تزالان معلقتين على الباب الذي خرجت منه إيفلين لم تكن الصدمة في الرقم وحده بل في التناقض الصارخ بين ما رآه الجميع وما عرفوه لتوهم 
تحرك أحد الواقفين أخيرا ثم آخر وعاد الضجيج تدريجيا لكنه لم يكن الضجيج نفسه كان أقل حدة أكثر ترددا وكأن كلمات إيفلين تركت أثرا خفيا في المكان 
أما ريتشارد فظل واقفا حيث هو لم يعد يشعر بثقل البدلة على كتفيه كما كان قبل دقائق بل بشيء أثقل في صدره ترددت في ذهنه جملته الساخرة نبرته المتعالية ضحكته القصيرة لم تكن مجرد زلة لسان بل انعكاسا لطريقة اعتاد أن يرى بها الناس 
تقدم خطوة إلى الأمام ثم توقف نظر إلى الشباك إلى سارة ثم إلى الأرضية الرخامية التي انعكست عليها صورته باهتة لم يتفوه بكلمة أدار جسده ببطء واتجه نحو المخرج 
في الخارج مر بجانب إيفلين دون أن يجرؤ على النظر إليها كانت قد وصلت إلى سيارتها تفتح الباب بتمهل شعر برغبة في الاعتذار في قول أي شيء يخفف وطأة ما حدث لكن الكلمات خانته اكتفى بأن خفض رأسه ومضى 
مرت الأيام 
لم يتغير روتين إيفلين استيقاظ مبكر فطور بسيط جولة قصيرة في الحي مكالمة مع أحد أبنائها أو أحفادها ثم قيلولة خفيفة كانت حياتها هادئة إلى حد أن من يراها لا يتخيل أبدا ما تحمله دفاتر البنك من أرقام بجانب اسمها 
لكن ما تغير كان نظرة الآخرين 
انتشر الخبر لا كفضيحة بل كحكاية تروى بإعجاب موظفو البنك صاروا يحيونها باحترام خاص لا مبالغ فيه لكنه صادق بعض الزبائن تعرفوا عليها وبعضهم اكتفى بالنظر من بعيد ومع ذلك لم تطلب إيفلين معاملة مميزة ولم تسمح أن تتحول إلى رمز يستعرض 
كانت تأتي كل يوم جمعة في التوقيت نفسه تمسك حقيبتها القديمة وتطلب الأمر ذاته أريد فقط أن أتحقق من رصيدي 
ومع مرور الوقت بدأت آثار أخرى تظهر آثار لم تعلن في الصحف ولم تنسب إلى اسمها علنا مدرسة قديمة في حي متواضع حصلت فجأة على تمويل لترميم الفصول كنيسة تاريخية كادت تغلق أبوابها استعادت نشاطها دار رعاية للمسنين تحسنت خدماتها بهدوء 
لم تكن إيفلين تحضر حفلات التبرع ولم تقف أمام الكاميرات كانت توقع الأوراق باسم مؤسسة تحمل اسم زوجها الراحل ثم تعود إلى بيتها الصغير كما لو أنها أنهت مهمة يومية عادية 
أما ريتشارد فلم يعد كما كان 
في الأسابيع التالية لاحظ زملاؤه تغيرا خفيا في سلوكه صوته خف ضحكته العالية اختفت ونظرته للناس صارت أقل حدة لم يتحول فجأة إلى رجل آخر لكنه بدأ يرى ما لم يكن يراه صار ينتبه إلى من يقفون في الطوابير إلى

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى