قصص قصيرة

سخر من سيدة مسنّة في البنك… وبعد ثوانٍ ندم على كل كلمة قالها

العاملين بصمت إلى الوجوه التي لا تحمل علامات الثراء لكنها تحمل قصصا كاملة 
وفي أحد أيام الجمعة عاد إلى البنك 
وقف في الطابور هذه المرة دون تذمر لم تكن إيفلين هناك بعد شعر بشيء من الارتياح وشيء من الخيبة في الوقت نفسه وعندما وصل إلى الشباك أنهى معاملته بصمت ثم التفت نحو المخرج 
وقبل أن يغادر رآها 
كانت تدخل من الباب الزجاجي بالعصا نفسها والفستان الزهري نفسه توقفت عيناه عليها ثم تقدم خطوة مترددا عندما اقترب منها توقفت هي بدورها 
نظر إليها ثم قال بصوت منخفض 
سيدتي أردت فقط أن أقول أنا آسف 
لم تجب فورا نظرت إليه نظرة قصيرة ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تحمل حكما ولا عتابا 
قالت بهدوء 
التعلم لا يأتي متأخرا يا بني ما دام القلب ما زال مفتوحا 
ثم واصلت طريقها نحو الشباك 
ظل ريتشارد واقفا للحظة ثم تنفس بعمق وغادر لم يكن اعتذاره يمحو ما قاله لكنه كان بداية شيء مختلف 
مرت السنوات 
كبر الأحفاد وتخرج طلاب بفضل منح لم يعرفوا اسم صاحبتها شفيت بيوت عبادة من الإهمال واستعادت دور رعاية كرامتها وفي كل ذلك بقي اسم إيفلين بعيدا عن الأضواء 
وعندما رحلت بعد عمر طويل لم يعلن عن ثروتها في اليوم الأول لم يكن هناك موكب فخم ولا جنازة صاخبة كان وداعها بسيطا حضره من عرفوها حقا 
وفي البنك ظل الموظفون يذكرونها كل يوم جمعة 
امرأة جاءت فقط لتتحقق من رصيدها لكنها تركت خلفها رصيدا من القيم لا يحصى 
لأن بعض الناس لا يملكون المال فحسب
بل يملكون الحكمة التي تجعل المال وسيلة لا غاية 
مرت شهور أخرى ثم أعوام وبقي اسم إيفلين طومسون يتردد في أروقة البنك همسا لا تصريحا لم يكن الاسم مرتبطا بالرقم الضخم الذي ظهر يوما على الشاشة بقدر ما ارتبط بتلك اللحظة التي انكشفت فيها حقيقة صامتة أن المال لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون عظيما 
سارة الموظفة الشابة لم تنس ذلك اليوم أبدا كان أول اختبار حقيقي لحدسها الإنساني قبل مهنيتها بعد الحادثة أصبحت أكثر انتباها للتفاصيل الصغيرة طريقة وقوف الزبون نبرة صوته الصمت الذي يسبق الكلام أدركت أن البنوك لا تتعامل مع الأموال فقط بل مع حيوات كاملة مخزنة خلف الأرقام 
وفي كل يوم جمعة عندما كانت ترى إيفلين تدخل كانت تشعر بشيء يشبه الطمأنينة لم تعد الأرقام تدهشها لكن وجود تلك المرأة كان يذكرها بسبب اختيارها لهذه المهنة في المقام الأول خدمة الناس لا الحكم عليهم 
إيفلين بدورها لم تتغير كانت تعود إلى بيتها الصغير ذي الشرفة الخشبية تجلس على الكرسي الهزاز في المساء وتستعيد ذكريات بعيدة كانت ترى زوجها الراحل جالسا إلى جوارها بملابسه البسيطة ويديه المتشققتين يبتسم لها كما كان يفعل دائما 
كانت تقول في سرها 
لقد صدقت يا جون الصبر لم يخذلنا 
في بعض الليالي كانت تفتح دفاتر قديمة ملاحظات بخط يد زوجها عن المصاريف عن الأرض عن القرارات الصغيرة التي بدت حينها تافهة لكنها صنعت الفارق لم تكن تشعر بالفخر بقدر ما كانت تشعر بالامتنان امتنان لأنها لم تفقد نفسها وسط الوفرة ولم تنس من أين بدأت 
أما ريتشارد فقد تغيرت حياته ببطء دون أن يشعر لم يتخل عن عمله ولا عن ثروته لكنه بدأ يعيد النظر في طريقة استخدامهما صار أكثر هدوءا في اجتماعاته أقل استعراضا وأكثر إنصاتا في داخله كانت كلمات إيفلين لا تزال حية 
وفي أحد الأيام قرر أن يفعل شيئا مختلفا 
أنشأ صندوقا صغيرا لدعم تدريب الشباب من الأحياء الفقيرة على مهن البناء دون أن يضع اسمه في الواجهة لم يكن الأمر تكفيرا بقدر ما كان محاولة لفهم العالم من زاوية أخرى وفي كل مرة شعر برغبة في التفاخر كان يتذكر العصا الخشبية والحقيبة القديمة والابتسامة الهادئة 
مرت سنة أخرى 
في البنك تغير بعض الموظفين وتقاعد آخرون لكن قصة إيفلين بقيت تروى للمنضمين الجدد لا كحكاية عن المال بل كدرس غير مكتوب عن الكرامة كان المدير يكتفي بالقول 
تذكروا لا أحد يعرف ما يحمله الآخر خلف مظهره 
وفي أحد أيام الشتاء لم تأت إيفلين 
مر يوم الجمعة ثم الذي يليه تساءلت سارة بصمت لكنها لم تجرؤ على السؤال وفي الجمعة الثالثة دخل رجل مسن يحمل مظروفا صغيرا وسأل عن المدير 
في المظروف كانت رسالة قصيرة بخط متعب لكنه واضح كانت وصية إيفلين 
لم تذكر أرقاما ولم تستعرض إنجازات شكرت موظفي البنك على احترامهم وطلبت أن يستمر جزء من عائدات حسابها في دعم برامج تعليمية وصحية وفي السطر الأخير كتبت 
لقد عشت حياة بسيطة وأرجو أن يبقى أثري بسيطا لكنه صادق 
عندما وصل الخبر بوفاتها لم يكن هناك صخب انتشر الحزن بهدوء كما انتشرت هي في حياتها وفي الجنازة حضر أشخاص لم يعرف بعضهم بعضا طلاب معلمون مسنون عمال ورجال أعمال لم يجمعهم سوى أثر امرأة واحدة 
بعد الجنازة بأسابيع دخل ريتشارد البنك في يوم جمعة وقف عند المكان نفسه ونظر إلى الشباك الذي وقفت عنده إيفلين ذات يوم شعر بفراغ غريب ثم بابتسامة خفيفة 
لم تكن هناك عصا ولا فستان زهري ولا حقيبة قديمة 
لكن الدرس بقي 
بعض الناس يمرون في حياتنا مرورا عاديا
وبعضهم يغير نظرتنا للعالم دون أن يرفع صوته 
وإيفلين طومسون كانت من الصنف الثاني 
في الأسبوع الذي تلا وصول رسالة الوصية تغير إيقاع البنك من الداخل وإن لم يظهر ذلك للعيان لم تعلق صور ولم تنكس أعلام لكن هناك فراغا خفيا استقر في الزوايا التي اعتادت إيفلين أن تمر بها كانت خطوات الزبائن تعود كما كانت غير أن بعض العيون صارت أطول توقفا وبعض الأصوات أخفض نبرة 
سارة كانت أول من شعر بذلك الفراغ في كل يوم جمعة كانت ترفع رأسها تلقائيا نحو الباب الزجاجي عند الساعة نفسها ثم تبتسم ابتسامة قصيرة لا يراها أحد لم يكن حزنا مباشرا بقدر ما كان إحساسا بأن صفحة أغلقت بهدوء وأن أثرها لن يمحى بسهولة 
في إحدى الأمسيات بعد انتهاء الدوام جلست سارة وحدها تراجع حسابات اليوم كانت الأرقام تتتابع أمامها بلا معنى حتى توقفت عند اسم مألوف في سجل قديم اسم زوج إيفلين الراحل ضغطت الفضول زر البحث فانفتح أمامها تاريخ طويل من الإيداعات الصغيرة المتقطعة المنتظمة مبالغ لا تثير الانتباه لكنها لا تنقطع سنوات كاملة من الصبر الممنهج 
أغلقت الشاشة ببطء أدركت حينها أن الثروة لم تبن بقفزة واحدة بل بخيارات متكررة صامتة لا يصفق لها أحد 
في مكان آخر من المدينة كان ريتشارد يجلس في مكتبه ينظر إلى مخططات مشروع جديد لم يكن متحمسا كما اعتاد كان ذهنه يعود دون قصد إلى ذلك اليوم إلى الصمت الذي أعقب الرقم إلى العصا التي طرقت الرخام بإيقاع ثابت شعر بشيء من الامتنان لأنه تعلم درسا دون أن

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى