قصص قصيرة

سخروا من عجوزٍ هادئ في مطعم صغير… ولم يدركوا أنّ مكالمةً واحدة ستجعل الأرض ترتجّ تحت أقدامهم

يهزون رؤوسهم.
قال أحدهم بإعجاب صادق
ما زلت في القمة أيها القائد.
ابتسم والتر ابتسامة صغيرة تحمل أثر سنوات طويلة من القيادة
لم أفقدها بعد فقط تعلمت متى أستخدمها.
تنفست ماغي الصعداء أخيرا وشعرت بأن قلبها عاد إلى إيقاعه الطبيعي ذلك الإيقاع البسيط الذي اعتادت عليه في مطعمها الصغير منذ عقود. اغرورقت عيناها بدموع الارتياح وقالت وهي تضحك محاولة إخفاء ارتجاف صوتها
يا والتر ديفيس كدت تصيبني بسكتة قلبية!
ضحك هو الآخر ضحكة دافئة مألوفة تحمل ثقل العمر وخفة الحكمة معا
صباح عادي يا ماغي مع قليل من الضجيج لا أكثر.
دخل الصقور الحديدية وجلسوا معه للفطور واحدا تلو الآخر بهدوء منضبط لا يشبه صخبهم في الخارج. امتلأ المطعم من جديد بالدفء كأن الجدران نفسها تنفست أخيرا بعد توتر طويل. عادت الكراسي إلى أماكنها وعاد صوت الملاعق إلى نغمته اليومية وتعالت القصص والضحكات شيئا فشيئا. استعيدت ذكريات قديمة عن طرق بعيدة قطعتها الدراجات ليلا وعن سماء مفتوحة كانت يوما ميدانا للخطر والشجاعة وعن أصدقاء لم يعودوا لكن أسماءهم ظلت حاضرة في كل كلمة تقال وفي كل صمت قصير بين جملة وأخرى.
كانت ماغي تتحرك بين الطاولات بنشاط جديد كأن الخوف الذي قيدها قبل قليل ذاب تماما. قدمت قهوة إضافية وفطائر ساخنة على حساب البيت وقالت وهي تضع الصحون بابتسامة صادقة
هذا أقل ما يمكن لرجال أعادوا الطمأنينة إلى مطعمي وإلى قلبي.
وقبل أن يغادروا مال أحد الشبان من الصقور الحديدية على والتر وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تجمع بين الإعجاب الصادق وفضول لا يخلو من رهبة وقال بصوت منخفض كمن يشارك سرا
سيدي بصراحة كان بإمكانك إسكاتهم وحدك أليس كذلك
توقف والتر لحظة ورفع نظره إليه بعينين هادئتين صافيتين تحملان في عمقهما سنوات طويلة من القيادة ومواقف لا تحصى بين الخطر والقرار. لم يكن في نظرته استعراض ولا رغبة في تذكير أحد بما كان بل سكينة رجل يعرف وزنه ولا يحتاج إلى إثباته. قال بصوت خافت لكنه واثق كمن يضع حجرا في مكانه الصحيح
ربما كان ذلك ممكنا في زمن مضى حين كانت القوة تقاس بسرعة القبضة وحدة الرد. أما اليوم فأفضل أن أرى الجيل التالي يحمل العبء ويتعلم كيف يحمي المكان دون أن يكسره. القوة الحقيقية ليست في الضربة بل في معرفة متى لا تحتاج إليها ومتى يكون ضبط النفس هو الانتصار الأكبر.
ابتسم الشاب ابتسامة عريضة ونهض وهو يهز رأسه بإجلال وقال بنبرة مازحة تخفي احتراما عميقا
ما زلت تقود الجنود أيها القائد حتى وأنت جالس على طاولة فطور.
وحين انطلقت الدراجات معا واحدة تلو الأخرى اهتز الهواء بصوت محركاتها القوي كهدير قصير ذكر المكان بأن القوة كانت هنا ثم هدأ كل شيء فجأة كأن العاصفة أدت غرضها ورحلت. عاد أهل البلدة الذين راقبوا المشهد من الجهة المقابلة إلى المطعم يتقدمون بخطوات مترددة في البداية ثم بثقة أكبر وهم يتهامسون بدهشة واحترام عما رأوه. كان في عيونهم إدراك جديد كأنهم اكتشفوا فجأة أن البطل قد يعيش بينهم منذ سنوات يجلس إلى الطاولة ذاتها ويشرب القهوة ذاتها دون أن يرفع صوته أو يطالب بنظرة إعجاب.
هزت ماغي رأسها وهي تمسح الطاولة بخرقة بيضاء وقالت لأقرب زبون بنبرة لا تخلو من الفخر
لا يخطر ببالك أن ذلك الرجل الهادئ الذي يشرب قهوته كل صباح عند النافذة قاد يوما سربا من الطيارين عبر أخطر سماء وعاد بكل رجاله سالمين. بعض الناس يعلقون أمجادهم على الجدران وبعضهم يتركونها في قلوبهم.
كان والتر في مقصورته المعتادة يمسك فنجانه بيد ثابتة ويرتشف آخر رشفة من قهوته ببطء متعمد كأنه يمنح اللحظة حقها. نظر من النافذة إلى الشارع الهادئ بعينين ترى حاضرا بسيطا لا يطلب شيئا وماضيا طويلا أدى واجبه بصمت ومستقبلا لا يحتاج إلى إثبات ولا تصفيق ولا أوسمة.
وعندما سئل لاحقا عما قاله في تلك المكالمة الغامضة التي قلبت المشهد كله اكتفى بابتسامة جانبية وغمز بعينه بنبرة خفيفة تخفي الكثير من الحكايات وقال
لم أقل شيئا مهما فقط أخبرت الأولاد أن وقت الفطور قد حان. وبعض الناس لا يفهمون قيمة اللحظة ولا معنى الأخوة ولا وزن الاسم إلا عندما تصل الدراجات في موعدها ويعود الهدوء كما لو أنه لم يغب يوما.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى