قصص قصيرة

ظنّ أن زوجته ټؤذي ابنه المشلۏل… لكن ما رآه خلف الباب جعله يبكي كالطفل

صادقا كما لم يكن من قبل
واحد اثنان ثلاثة
وبتلك الكلمات البسيطة التي لا تحمل في ظاهرها شيئا خارقا حدث ما لم يكن أحد يجرؤ على تخيله يوما.
وقف فونزي.
لم يكن الوقوف جميلا ولا مستقيما ولا مطمئنا. لم يكن صورة تلتقط للذكرى ولا مشهدا مثاليا يصلح للاحتفال. كانت ساقاه ترتجفان كغصنين في مهب الريح ويداه تتشبثان بكل ما حوله وأنفاسه متقطعة وعيناه متسعتان بين الخۏف والدهشة. ومع ذلك كان الوقوف حقيقيا حقيقيا بما يكفي ليسقط جايمي أرضا باكيا وهو يكرر بلا وعي كمن يصلي دون كلمات محفوظة
أنت تستطيع أنت تستطيع
لم تكن دموعه دموع ضعف ولا دموع رجل مهزوم. كانت دموع أب أدرك أخيرا أن القوة لا تعني منع السقوط بل السماح بالمحاولة وأن الحب لا يكون دائما في الإمساك الشديد بل أحيانا في ترك مساحة صغيرة للخطأ.
مرت ستة أشهر.
في حديقة القصر وتحت ضوء شمس هادئة لا يلسع ولا يبهت كان فونزي واقفا مستخدما المشاية. خطواته كانت بطيئة مترددة تحتاج إلى جهد مضاعف في كل مرة لكنها كانت خطوات تتحدى كل ما قيل يوما إنه مستحيل. لم يعد يقيس المسافة بعدد الأمتار بل بعدد المرات التي رفض فيها الاستسلام. كل خطوة كانت انتصارا صغيرا على الخۏف وكل توقف كان وعدا صامتا بأن المحاولة لم تنته بعد وأن الطريق مهما طال لا يزال مفتوحا.
وقف الخدم على مسافة يراقبون بصمت. لم يكن في صمتهم فضول بل شيء أقرب إلى الاعتراف. على وجوههم خجل مما قالوه في الماضي وندم على شكوكهم ودهشة حقيقية لم يحاولوا إخفاءها. كانوا يشاهدون بأعينهم ما ظنوه وهما يتحول إلى حقيقة وما حسبوه تهورا يتكشف عن شجاعة.
اقترب جايمي من ترينا وأمسك يدها وكانت عيناه تلمعان بالدموع لكن صوته بدا ثابتا هادئا كأنه وجد أخيرا نبرة الصدق التي كان يبحث عنها طويلا
كنت أظن أنني أنقذتك من حياة صعبة لكن الحقيقة أنك أنت من أنقذت ابني.
هزت ترينا رأسها برفق وقالت بصوت هادئ يحمل عمق التجربة لا غرور فيه ولا ادعاء
لم أنقذه وحدي. نحن فقط ساعدناه ليستعيد إيمانه بنفسه. أما الباقي فكان شجاعته.
اقترب فونزي بخطوات بطيئة ثم توقف وفتح ذراعيه الصغيرتين وضم ترينا بحنان صامت كأن الكلمات لم تعد كافية للتعبير عما في قلبه. وبعد لحظة قال بصوت خاڤت لكنه واضح صريح كما لم يكن من قبل
شكرا يا أمي.
تجمد جايمي للحظة.
كانت الكلمة بسيطة لكنها فتحت في قلبه أبوابا لم يكن يعلم بوجودها. شعر بأن شيئا قد استقر أخيرا في داخله شيئا يشبه السلام. ابتسم وبكى في آن واحد كأن قلبه تعلم أخيرا كيف يجمع بين الألم والامتنان دون أن ينكسر وكيف يقبل الماضي دون أن يظل أسيرا له.
وفي تلك الليلة لم يغلق جايمي باب غرفة ولا باب قصر.
لم يعد هناك ما يخشاه في الممرات ولا ما يستدعي الأقفال.
أغلق باب الخۏف
وباب الشك
وباب الأحكام المسبقة التي كادت تدمر كل شيء
وفتح باب الثقة
وباب الأمل
وباب عائلة جديدة لا تقوم على الكمال بل على الصدق والمحاولة والإيمان بأن السقوط ليس نهاية الطريق.
لأن المعجزة التي ننتظرها أحيانا
لا تأتي من الخارج
ولا تهبط فجأة من السماء
بل تكون خلف باب داخل بيوتنا
قريبا منا أكثر مما نتصور
تنتظر فقط أن نمتلك الشجاعة
لنفتحه
ونبقى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى