قصص قصيرة

اختفت عام 1951… والعثور على سيارتها مدفونة تحت الأرض بعد 73 عامًا يفجّر لغزًا مرعبًا في تكساس

فالتاريخ حين يعاد قراءته بعين جديدة يكشف أحيانا ما تعجز اللحظة عن رؤيته.
أما مجتمع أماريلو الذي اعتاد على مدى سنوات طويلة أن يتعايش مع القصص الغامضة والهمسات التي تقال في الخفاء ثم تنسى مع مرور الوقت فيجد نفسه اليوم أمام حقيقة ثقيلة لا يمكن تجاهلها أو الهروب منها. حقيقة تفرض حضورها بقوة لا كخبر عابر بل كصدمة جماعية تزلزل الذاكرة الجمعية للمدينة. مأساة حقيقية ظلت مدفونة تحت الأرض وتحت الصمت المتعمد وتحت الخۏف الذي جعل كثيرين يفضلون السكوت على السؤال والنسيان على المواجهة.
لم تعد القصة مجرد حكاية تروى للأطفال عن فتاة اختفت ذات ليلة ولم تعد ولا لغزا يتداوله الكبار للتسلية أو لإثارة الفضول. لقد تحولت إلى چرح مفتوح في ذاكرة المدينة چرح يرفض الالتئام ويذكر الجميع بأن ما ډفن لم يكن مجرد سيارة أو اسم بل حقيقة كاملة حجبت عن الوعي العام عمدا. چرح يفرض على كل من يسمع القصة اليوم أن يواجه سؤالا غير مريح سؤالا لا يخص الماضي وحده بل يمتد إلى الحاضر كم من الحقائق دفنت لأن أحدا لم يملك الشجاعة الكافية لنبشها وكم من الأصوات صمتت ليس لأنها لا تعرف بل لأنها خاڤت
وفي البيوت القديمة وبين العائلات التي عاشت تلك الحقبة بدأت الذكريات تتحرك من جديد. أناس تذكروا أحاديث سمعوها صغارا ونظرات كانت تصرف حين يذكر الاسم وتحذيرات غامضة من الاقتراب من موضوعات معينة. وكأن المدينة كلها تعيد النظر في تاريخها لا من باب الفضول بل من باب الشعور المتأخر بالمسؤولية.
ورغم أن الإجابات قد تظهر ببطء وقد تأتي مجتزأة أو ناقصة وربما لا تأتي كاملة أبدا تبقى قصة دوروثي رودريغيز تذكيرا قاسېا ومؤلما بأن أعقد الألغاز لا تكون دائما بعيدة أو مستحيلة أو محاطة بالغموض الخارق بل قد تكون مخفية أمام أعيننا على مقربة منا في أماكن نمر بها يوميا دون أن نلتفت. وتبقى شاهدا على أن النفوذ حين يقترن بالخۏف يمتلك قدرة مرعبة على ډفن الحقيقة لأجيال كاملة إلى درجة أن الناس يبدأون في الشك بوجودها أصلا أو في اعتبارها مجرد وهم.
إنها قصة عن الصمت أكثر مما هي عن الچريمة وعن الخۏف أكثر مما هي عن الفقد وعن ما يحدث حين تتواطأ الظروف والسلطة والزمن على طمس إنسان لا لأنه لم يكن مهما بل لأنه كان ضعيفا أمام منظومة أقوى منه.
بعد ثلاثة وسبعين عاما على اختفائها لم تعد قصة دوروثي مجرد أسطورة محلية تروى على استحياء ولا ذكرى حزينة تستدعى في مناسبات نادرة بل تحقيقا حيا متواصلا يتحرك في الحاضر كما يتحرك في الماضي ويعيد مساءلة أحداث ظن الجميع أنها استقرت في مكانها. تحقيقا يضع الماضي في مواجهة الحاضر ويجبر المجتمع كله أفرادا ومؤسسات
على النظر إلى ما حاول الزمن إخفاءه وعلى الاعتراف بأن بعض الجراح لا تشفى إلا حين تفتح من جديد.
الأسئلة لا تزال مؤرقة تتناسل بدل أن تتلاشى والإجابات غير مؤكدة وربما تكون موجعة حين تظهر. لكن شيئا واحدا لم يعد محل شك ولا يمكن إنكاره أو التراجع عنه العثور على سيارتها الفورد كوبيه أعاد الماضي إلى الضوء لا كذكرى بعيدة بل كحقيقة صلبة لا يمكن ډفنها مرة أخرى. انتزع الحقيقة من تحت التراب وكسر دائرة الصمت وفتح بابا لا يمكن إغلاقه بابا يطالب بالحقيقة لا أنصافها وبالمحاسبة لا التبرير وبالعدالة لا النسيان مهما طال الزمن ومهما حاول الصمت أن يعود ويتخفى بثوب الهدوء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى