قصص قصيرة

نادلة أطعمَت طفلين يتيمين… وبعد 17 عامًا توقّفت سيارة فاخرة أمام بابها! 😱


الملعقة معلقة بين الطبق وفم صوفيا ثم قال بصوت خرج متكسرا
ذهبا إلى السماء منذ ثلاثة أشهر.
كانت العبارة بسيطة لكنها أثقل من أن تحمل. صوفيا توقفت عن المضغ ثم التصقت بأخيها كأنها تخشى أن يذهب هو أيضا إلى السماء فجأة.
سألت ماريا محاولة أن تجد منفذا
وهل لديكما أقارب جد أو جدة عم أو خال
أجاب أليخاندرو دون أن يرفع رأسه
لا نحن فقط معا.
وفي تلك الكلمات القليلة كانت حياة كاملة ليل في الشارع خوف من الناس جوع من غير موعد برد بلا غطاء وطفل يصبح رجلا قبل أن يتعلم اللعب.
قبل أن تنبس ماريا بأي كلمة أخرى سمعت خطوات ثقيلة تقترب. خطوات لا تشبه خطوات الطهاة بل تشبه خطوات من يعتقد أن المكان ملكه والناس ملكه أيضا.
دخل دون ريكاردو المطبخ صارخا وصوته كالرعد
ماريا غونثاليث! ما هذا!
كان وجهه أحمر كأنه يغلي وعروقه بارزة وشاربه يهتز غضبا. التفت بعينه إلى الطبقين ثم إلى الطفلين ثم إلى ماريا كأنه يراها تخونه.
انكمش الطفلان في لحظة. بكت صوفيا بصمت ليس بصوت بل ببكاء مكتوم يشبه الاختناق. أما أليخاندرو فوقف فورا أمامها بجسد صغير لا يستطيع صد رجل بالغ لكنه فعلها غريزة كما يفعل من تعلم أن الحماية لا تحتاج قوة بل تحتاج قرارا.
قال أليخاندرو بسرعة وكأنه يقطع الطريق على الإهانة
لا تغضب من السيدة سنغادر سنغادر فورا.
حدق دون ريكاردو فيه بقسوة ثم صرخ
بالضبط! اخرجوا جميعا! وأنت أنت مطرودة!
ساد صمت ثقيل كأن المطبخ كله توقف عن التنفس. نظر الطهاة من بعيد وتبادل بعض الموظفين نظرات خائفة كانوا يعرفون أن من يعترض على دون ريكاردو يدفع الثمن.
لكن ماريا لم تفعل ما توقعه.
لم تبك ولم تتوسل ولم ترفع صوتها بل قالت بهدوء غريب
فهمت.
ثم نزعت مئزرها ببطء لا كمن يطرد بل كمن يخلع شيئا لم يعد يليق به. وضعت المئزر على الطاولة ثم رفعت عينيها وقالت بنبرة واضحة
خمسة عشر عاما عملت هنا خمسة عشر عاما لم أتأخر يوما ولم أتغيب يوما ولم أطلب أكثر من حقي ولن أندم. لو خيرت ألف مرة لاخترت الأطفال ألف مرة.
كان كلامها كأنه صفعة للهواء لا للرجل وحده.
لم يتوقع دون ريكاردو هذا الثبات. كان ينتظر أن ترتجف أن تتراجع أن تخاف على لقمة عيشها. لكن ماريا كانت قد اختارت والاختيار حين يكون صادقا يمنح صاحبه قوة لا يفهمها الآخرون.
وبينما كانت تمسك بطبق صوفيا لتبعده حتى لا يسقط حدث شيء لم يكن في حساب أحد.
خلعت كارمن الطاهية الكبيرة مئزرها أولا وتقدمت خطوة وقالت
إن كانت ماريا مطرودة لأنها أطعمت طفلين فأنا كذلك.
تبعها روبرتو النادل الشاب ثم آنا أمينة الصندوق ثم آخرون. واحدا تلو الآخر. كل واحد خلع مئزره وكأنه يخلع خوفه.
وفي دقائق صار دون ريكاردو وحيدا في مطبخه يحدق في الفراغ وقد اكتشف أن القسوة لا تصنع ولاء بل تصنع صمتا مؤقتا ثم انهيارا.
خرجت ماريا مع الطفلين. كان المطر قد هدأ إلى رذاذ بارد والشارع يلمع تحت أضواء باهتة. حملت صوفيا التي غفت من التعب والجوع والدموع وسار أليخاندرو بجانبها ممسكا بيدها كأنه يمسك بحبل نجاة.
بعد خطوات طويلة قال أليخاندرو بصوت مكسور
أنا آسف آسف لأنك خسرت عملك بسببنا.
توقفت ماريا تحت مصباح صغير وانحنت نحوه وهي تحاول أن تجعل صوتها دافئا
لا تشعر بالذنب أبدا. الرحمة أهم من أي وظيفة. والإنسان قد يخسر عملا لكنه لا ينبغي أن يخسر قلبه.
تابعت السير وأخذتهما إلى مقهى صغير يعمل طوال الليل. كان المكان بسيطا لكنه دافئ. نظر صاحب المقهى إليها متعجبا حين رآها ومعها طفلان.
حكت له القصة في سطور سريعة فهز رأسه بأسى ثم قال دون تردد
اجلسوا هنا قرب الدفء وخذي هذا سأعد لك شيئا ساخنا.
وبينما كان يحضر لهم ما يسند أجسادهم قال لها فجأة
ماريا إن كنت بحاجة إلى عمل زوجتي وأنا نحتاج من يساعدنا في وردية الفجر.
لم تكن ماريا تتوقع ذلك. لكنها لم تملك وقتا للفرح أو التفكير كان همها الآن الطفلان وخصوصا صوفيا التي كانت تتنفس بصعوبة أحيانا من شدة الإرهاق.
سألت أليخاندرو
أين تنامان عادة
خفض عينيه وقال
في حديقة سان أنطونيو هناك نفق لا يدخل إليه المطر.
ارتجف قلب ماريا لا من البرد بل من الفكرة نفسها.
قال أليخاندرو بصوت أخفض
وفي النهار نبحث عن طعام في الأسواق أحيانا يعطينا الناس نقودا لكن صوفيا صوفيا مريضة تسعل كثيرا في الليل.
في تلك اللحظة خرج القرار من فم ماريا قبل أن يمر على الخوف
ستأتيان معي إلى البيت.
رفع أليخاندرو رأسه كأنه لم يسمع جيدا.
حقا
أسرعت ماريا لتوضح كأنها تخشى أن تتراجع إن تركت للقلق مجالا
هذه الليلة فقط لا يمكنني ترككما في الشارع بهذا الطقس.
وصلوا إلى شقتها الصغيرة. كانت شقة متواضعة لكنها نظيفة ودافئة تفوح منها رائحة القرفة والقهوة. استيقظت ابنتها كارولينا على الأصوات وفركت عينيها وهي تسأل
أمي ما الذي يحدث
شرحت لها ماريا الأمر بسرعة وما إن فهمت كارولينا حتى أسرعت تجلب الأغطية وقالت بعفوية صادقة
صوفيا يمكنها أن تنام معي سأعطيها دميتي أيضا.
ذلك الليل لم تنم ماريا. جلست تراقب الطفلين. أليخاندرو كان نائما لكنه يضع ذراعه حول أخته وكأن الخوف لا ينام حتى وهو
نائم. وصوفيا كانت تبتسم أحيانا في نومها ابتسامة صغيرة تقول إن الأمان قد يزور الإنسان فجأة ثم يختفي لكنها تلك الليلة لم يختف.
في الصباح أعدت ماريا فطورا بسيطا خبزا ساخنا وجبنا ومشروبا دافئا. قالت
بعد الفطور سأذهب بكما إلى الجهة التي يمكنها مساعدتكما.
لكن أليخاندرو تجمد. ثم قال برجاء يقطع القلب
لا لا تفعلي سيفرقون بيننا سيأخذون صوفيا مني.
اقترب منها وأمسك يديها بقوة
إن كانوا سيفصلوننا سأعود إلى الشارع معها حتى لو متنا لكن معا.
لم تجد ماريا جوابا جاهزا. وجدت فقط دمعة تلمع في عينها ثم مسحتها سريعا حتى لا يراها.
وفي تلك اللحظة سمعت طرقات على الباب.
فتحت كارولينا وصرخت بفرح
أمي! إنها السيدة إلينا!
دخلت إلينا رودريغيث مديرة مؤسسة صغيرة تعنى بالأطفال الضعفاء. كانت تعرف ماريا منذ زمن. جلست واستمعت ثم قالت بجملة بدت كأنها جاءت من السماء
لدي اقتراح يمكن أن يبقي الطفلين معا بلا فصل.
ثم شرحت فكرة الأسرة المؤقتة التي ترعى الطفلين حتى تحل أمورهما قانونيا مع دعم من المؤسسة ومع ضمان واضح الأخوة لا يفصلون.
ترددت ماريا كيف ستفعل ذلك وهي بلا عمل
ابتسمت إلينا وقالت
العمل موجود. هناك مشروع مطعم اجتماعي يحتاج إلى امرأة خبيرة ولكن قبل الخبرة يحتاج إلى قلب.
نظر أليخاندرو إلى ماريا كأنه يمسك بأمل لأول مرة.
قال بصوت خافت
لن نكون عبئا سأساعد سأفعل كل شيء فقط لا تتركينا.
مدت صوفيا ذراعيها نحو ماريا وهي تسأل ببراءة
هل ستكونين أمنا
كانت الكلمة كالصاعقة. أمنا كلمة كبيرة على امرأة تحمل همومها لكنها في الوقت نفسه كلمة تشفي شيئا عميقا في روحها.
وقفت ماريا قرب النافذة تنظر إلى الشارع إلى المطر الذي كان بالأمس سيفا وصار اليوم ذكرى. ثم التفتت ونظرت إلى وجهي الطفلين ورأت في عيني أليخاندرو رجاء لا يليق بطفل وفي عين صوفيا انتظارا لا يليق بطفلة.
قالت أخيرا بصوت يشبه العهد
سنحاول سنحاول أن نكون عائلة.
لم يعرف أليخاندرو ماذا يفعل من شدة الفرح. لم يقفز لم يصرخ لم يضحك بصوت عال فقط ابتسم. ابتسامة عميقة هادئة كأنها ترمم جدارا مكسورا في قلبه.
ومضت السنوات.
كبر أليخاندرو ودرس وعمل ونجح. كبرت صوفيا ودرست الطب لتداوي الأطفال الضعفاء الذين يشبهونها يوما ما. وذات يوم بعد سبعة عشر عاما عاد أليخاندرو إلى بيت ماريا بسيارة فاخرة ليس ليقول شكرا فقط بل ليقول أنا وعدت وجئت لأوفي.
لم يكتف بالامتنان. بل حول الامتنان إلى مشروع. أسس مع أخته مركزا يحمل اسم ماريا غونثاليث يضم مطعما اجتماعيا يوفر فرص عمل للنساء وحضانة مجانية لأطفال العاملات وبيتا مؤقتا يحمي أطفال الشوارع من العودة إلى الظلام.
وفي مدخل المركز علقا لوحة ذهبية كتب عليها
عمل خير واحد لا يضيع أبدا بل يتكاثر عبر الزمن ليصنع أملا لأجيال كاملة.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى