
بالمحكمه حكايات اسما
دخلت وأنا حاسة إني غريبة. نفس الصالة، نفس الصور، نفس الكنبة اللي كنت بحب أقعد عليها وأحلم… بس المكان بقى تقيل.
كريم كان قاعد مستني.
واقف في نص الصالة وكأنه صاحب البيت وأنا الضيفة.
قال بهدوء متصنع:
“مها… لازم نتكلم بعقل.”
ضحكت. ضحكة صغيرة ناشفة.
“بالعقل؟ دلوقتي افتكرت العقل؟”
سكت لحظة وبعدين قال:
“اللي حصل غلط… بس حصل. وفي طفل جاي.”
نفس الجملة. نفس النغمة. نفس الفكرة.
كل حاجة بقت تدور حوالين الطفل.
مش الخيانة.
مش الوجع.
مش الكسر.
الطفل.
قلت بهدوء:
“إنت عايز إيه؟”
رد فورًا وكأنه محضر الكلام:
“الطلاق بهدوء… ومن غير مشاكل.”
بصيتله وسألته:
“وهبة؟”
قال بثقة غريبة:
“هتتجوزها.”
الجملة كانت سكي,,ن بارد.
لكن الغريب؟
ماوجعتش زي ما كنت متخيلة.
يمكن لأن الوجع خلص خلاص.
بعد أسبوع كنت مطلــ ـقة رسميًا.
كنت فاكرة إن أصعب مرحلة خلصت.
كنت غبية.
بعد شهر… باب شقتي خبط الساعة 9 الصبح.
فتحت لقيت محضر واقف ومعاه ورق.
قلبي وقع قبل ما أقرأ كلمة واحدة.
دعوى نفقة.
مش نفقة زوجية.
نفقة طفل.
قرأت الاسم تاني عشان أتأكد إني فاهمة غلط.
طفل… كريم.
والمدعين؟
أهلي.
أهلي رفعوا قضية ضدي عشان أصرف على طفل جوزي من أختي.
وقفت في باب الشقة مش قادرة أتحرك.
ضحكت ضحكة قصيرة خرجت لوحدها.
مش هستوعب.
مش دلوقتي.
اتصلت بماما.
“إيه ده؟”
قالت بهدوء يخوف:
“إحنا بنحاول نصلح الوضع.”
قلت وأنا صوتي بيتهز:
“تصلحوه بإني أصرف على ابن جوزي من أختي؟!”
ردت ببرود:
“إنتي كنتي مراته… وهو كان بيصرف عليكي سنين.”
الكلام دخل ص,,دري زي حجر.
“يعني أنا دلوقتي أدفع تمن خيانته؟”
سكتت ثانية… وبعدين قالت:
“ده طفل مالوش ذنب.”
قفلت.
ماقدرتش أسمع كلمة زيادة.
أول جلسة في المحكمة كانت يوم تلات.
دخلت القاعة وأنا حاسة إني داخلة معركة مش فاهمة قوانينها.
كريم كان قاعد قدام… وهبة جنبه، بطنها باينة تحت العباية.
أهلي قاعدين في الصف اللي وراهم.
ولا نظرة واحدة ليا.
ولا حتى سؤال: إنتي عاملة إيه؟
حسيت إني لوحدي بشكل عمره ما حصل قبل كده.
المحامي همس لي:
“اهدي… إحنا معانا الحق.”
بس أنا ماكنتش محتاجة محامي يقولي عندي حق.
كنت محتاجة حد يقولي عندي ظهر.
القضية اتفتحت.
محاميهم بدأ يتكلم بنبرة مليانة تعاطف مصطنع:
“موكلتي كانت زوجة المدعى عليه لسنوات، وكانت تعيش معه في نفس المسكن… والطفل القادم هو امتداد لهذه الأسرة…”
كلمة أسرة خلتني أق,,بض إيدي بقوة.
كان بيتكلم كأن الخـ. . يانة ح,,ادثة صغيرة… كأن اللي حصل سوء تفاهم.
القاضي بصلي وقال:
“تفضلي.”
وقفت.
رجلي كانت بتترعش… بس صوتي خرج ثابت بشكل غريب.
بصيت للقاضي… وبعدين بصيت على الصف اللي فيه أهلي.
كلهم منتظرينني أتكلم.
ووقتها قلت الجملة اللي سكتت القاعة كلها:
“أنا كنت زوجته… مش بديل أمه.”
ثانية صمت.
ثانيتين.
القاضي رفع عينه عن الورق.
المحامي سكت.
حتى كريم بطل يتحرك.
كملت وأنا ببص مباشرة على هبة:
“الطفل ده ليه أم… موجودة… قاعدة هنا.”
القاعة كلها بقت ساكتة.
الصمت كان تقيل لدرجة إني سمعت صوت نفسي.
القاضي قال بهدوء:
“القضية مرفوضة.”
مطرقة المحكمة خبطت.
والصوت كان نهاية فصل كامل من حياتي.
وأنا خارجة من المحكمة… الشمس كانت قوية بشكل غريب.
أول مرة أحس إني بتنفس من شهور.
يمكن لأن الحقيقة بسيطة جدًا…
بس محدش كان عايز يقولها بصوت عالي غيري.
وأنا أخيرًا… قلتها.





