قصص قصيرة

اختفت في ديزني لاند… وبعد 13 سنة لقطة واحدة قلبت القضية كلها!

خطوة ثم أخرى قبل أن تقع بين ذراعي أمها. احتضنتها لورا بقوة كما لو أنها تخشى أن يتبدد المشهد كحلم هش والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. لم تكن هناك كلمات قادرة على اختصار ثلاثة عشر عاما من الانتظار ولا عبارات تداوي تلك الفجوة الزمنية التي سرقت طفولة كاملة.
وقف الضباط بصمت مدركين أنهم يشهدون لحظة لا تقاس بقوانين أو تقارير رسمية. كانت تلك اللحظة إنسانية خالصة تختلط فيها الراحة بالوجع والفرح بالأسى. فالعثور على فالنتينا حية كان معجزة لكنه كان أيضا تذكيرا بسنوات لم تعش كما يجب.
ألقي القبض على المتورطين وتوسعت التحقيقات لتشمل شبكة أوسع من الأشخاص الذين سهلوا أو تغاضوا أو استفادوا من تلك الأنشطة غير المشروعة. ظهرت أسماء جديدة وتكشفت طبقات من الصمت والتواطؤ. نال كثير منهم جزاءهم وفق القانون وبدأت محاكمات استمرت أشهرا طويلة عرضت فيها الأدلة والشهادات وتحول الملف إلى قضية رأي عام. لكن بالنسبة إلى لورا وفالنتينا لم يكن الحكم القضائي هو النهاية بل مجرد محطة في طريق أطول بكثير طريق التعافي.
بدأ شفاء لورا وفالنتينا مع ذلك العناق الأول لكنه لم يكتمل فيه. كان الطريق طويلا ومؤلما مليئا بجلساتالعلاج النفسي ومحاولات استعادة الثقة وإعادة تعلم تفاصيل الحياة اليومية التي تعد بديهية للآخرين. احتاجت فالنتينا إلى دعم متخصص لمعالجة آثار السنوات التي عاشت فيها بعيدة عن عائلتها سنوات شكلت شخصيتها بطرق لم تخترها. كانت تعاني من كوابيس متكررة تستيقظ فيها مذعورة وكأن الجدران تعود لتغلق عليها. كانت تجد صعوبة في النوم في غرفة مظلمة وتتوتر في الأماكن المزدحمة وتفزع من الأصوات المرتفعة.
أما لورا فكانت تصارع شعورا دائما بالذنب. كانت تعود بذاكرتها إلى تلك اللحظة في الطابور إلى الاتصال الهاتفي القصير إلى الثواني التي غيرت كل شيء. رغم علمها العميق أنها لم تكن مسؤولة عما حدث فإن قلب الأم لا يعرف دائما منطق العقل. كانت تسأل نفسها ماذا لو لم أرد على الهاتف ماذا لو أمسكت يدها بقوة أكبر ومع كل جلسة علاج كانت تتعلم أن تسامح نفسها قليلا وأن ترى الحقيقة كما هي ما حدث كان فعلا مؤذيا ارتكبه آخرون لا خطأ ارتكبته أم منشغلة لثوان.
ومع مرور الوقت بدأت الأم وابنتها إعادة بناء حياتهما خطوة بعد خطوة. لم يكن الأمر سهلا أو سريعا. انتقلتا إلى منزل جديد بعيدا عن الضجيج الإعلامي وعدسات الكاميرات التي حاولت تحويل قصتهما إلى مادة عابرة. أحاطتا نفسيهما بدائرة صغيرة من الأصدقاء الموثوقين وأفراد من العائلة الذين وقفوا إلى جانبهما دون شروط.
تعلمت فالنتينا أشياء لم تتح لها فرصة تعلمها في طفولتها. تعلمت كيف تختار ملابسها بحرية دون خوف من التعليق أو العقاب كيف تمشي في الحديقة وتشعر بأن السماء واسعة لا سقف لها كيف تضحك بصوت عال دون أن تنظر خلفها. بدأت دراستها من جديد ببطء مستعيدة حبها للقراءة والرسم. كانت كل تجربة عادية شرب القهوة مع أمها الذهاب إلى متجر مشاهدة فيلم تبدو كاكتشاف جديد كأنها تعيش طفولتها المتأخرة بوعي امرأة.
لم يختف أثر السنوات الضائعة بالكامل ولن يختفي. كانت هناك ندوب لا ترى وأسئلة لن تجد إجابة كاملة أبدا. ماذا كان يمكن أن تكون لو لم تؤخذ في ذلك اليوم كيف كانت ستبدو حياتها لو كبرت في حضن أمها لكن تلك الأسئلة بدل أن تحطمها بدأت تتحول إلى وقود يدفعها نحو الأمام.
تحول الألم مع الوقت إلى درس عميق في الصمود. أدركت لورا أن الحب الذي دفعها إلى عدم الاستسلام طوال ثلاثة عشر عاما رغم إغلاق الملف ورغم همسات الناس ورغم الإرهاق هو ذاته الذي منح ابنتها القوة للبقاء. كانت فالنتينا تقول أحيانا إن فكرة أن أمها لا تزال تبحث عنها هي ما أبقاها متمسكة بالأمل في أحلك اللحظات.
في كل ذكرى لاختفائها لم تعد المناسبة حكرا على الحزن. كانت الأم وابنتها تجلسان معا تشعلان شمعة لا لتأبين الماضي فحسب بل للاحتفاء بالحياة التي استعيدت. تتذكران الألم نعم لكنهما تحتفلان أيضا بمعجزة اللقاء. أصبحت قصتهما رمزا للأمل لدى عائلات أخرى لم تفقد الرجاء ودليلا على أن البحث قد يطول لكنه ليس بلا جدوى.
ورغم أن ما حدث لن ينسى ولن يمحى من الذاكرة فقد أدركتا أن علاقتهما المستعادة هي أعظم انتصار. كانت تلك العلاقة التي صمدت أمام الزمن والغياب والظلام أقوى من كل محاولة لكسرها. لم تعدا تعرفان نفسيهما فقط كضحيتين لقصة مأساوية بل كناجيتين أعادتا تعريف حياتهما.
كان المستقبل لا يزال يحمل تحديات وجلسات علاج ولحظات ضعف لكنه كان أيضا مليئا بفرص لم تعش بعد سفر لم تخضه فالنتينا دراسة حلمت بها ضحكات عائلية حول مائدة عشاء عادية. كانت الأيام تكتب هذه المرة بإرادتهما لا بإرادة مجهولين. ومع كل صباح جديد كانت لورا تنظر إلى ابنتها وتدرك أن المعجزة الحقيقية لم تكن في العثور عليها فحسب بل في قدرتهما على البدء من جديد معا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى