قصص قصيرة

اشتريت دبدوب لبنتى

 أنكسر، أهرب للطريق حين يضيق القلب، وكأن العجلات تستطيع حمل الحزن بعيدًا.

طمست الدموع رؤيتي، الطريق أمامي ذاب في ضباب رمادي باهت؛ انحرفت للشاحنات ببطء، وضغطت المكابح بقوة، صدري يعلو ويهبط، كأن الهواء نفسه صار ثقيلاً لا يُحتمل.

جلست عاجزًا، رأسي على المقود، أرتجف كطفل ضائع؛ وصوتها يملأ الكابينة، يملأ روحي، يوقظ كل ذكرى دفنتها ظنًا مني أن النسيان رحمة، فإذا به خيانة.

ثم قالت برجاء هادئ كسرني تمامًا: افتح الظرف يا أبي، أرجوك، ولا تغضب؛ كلمة واحدة منها كانت كافية لتعيدني أبًا، لا رجلاً محطمًا يتشبث بصدى.

وضعت المسجل فوق لوحة القيادة، ورفعت الظرف الثقيل بيد مرتعشة، أصابعي تخونني، قلبي يسبق أنفاسي، كأنني أعرف أن داخله شيئًا سيكسرني، شيئًا يشبه الوداع الأخير الذي لا يقال أبدا حقا

فتحته بارتباك، فاندفعت النقود أمام عيني كاعتراف صامت، مئات صغيرة مرتبة بعناية موجعة، ورسالة مطوية، ولهثت رغمًا عني، لأن المشهد لم يكن مالًا، بل سنوات من حب مخبوء،ينتظرني كي ينكسر داخلي فجأة

عددت المبلغ بذهول، ما يقرب من ألفين دولار، وكل ورقة كانت ذكرى حية: شيكات أعياد، مصروف، غداء، أفلام، ثلاث سنوات كاملة لم تنفق فيها شيئًا، كانت تدخر بصمت لأجلي أنا، وأنا لم أنتبه أبدًا

فردت الرسالة بيد مرتعشة، وخطها المهزوز قرب النهاية طعن صدري برقة قاسية، الكلمات خرجت كصوتها تمامًا، دافئة ومؤلمة، تخاطبني كأنها هنا، كأن الغياب كذبة، وكأن قلبي يستطيع التحمل بالكاد الآن

قالت إنها تعرفني، تعرف أنني إذا رحلت ستبتلعني الطرق، سأعمل حتى العظم، أهرب من الوجع بالحركة المستمرة، أرتدي قناع القوة للجميع، ثم همست بين السطور: لكنك لست مضطرًا أن تكون قويًا الآن يا أبي

قالت إنها وفرت المال ثلاث سنوات، لم تحتج ملابس جديدة أو ألعابًا، كل ما أرادته أن أكون بخير، ثم جاءت الضربة الحانية التي حطمتني: هذا المال لك، خد شهر إجازة، شهر كامل علشاني أنا بس

شهر بلا قيادة، بلا عمل إضافي، بلا هروب متواصل من الألم، اذهب إلى المقصورة بجوار البحيرةالتي حلمنا بها، اجلس هناك، ابك كما يجب، نم كما يجب، ثم حاول، فقط حاول، أن تسامح نفسك أخيرًا يا أبي

وأكدت أنني لم أخذلها يومًا، أنني كنت بطلها رغم كل شيء، وأن الحب كان الدرع الحقيقي دائمًا، ثم أغلقت قلبي بجملتها الأخيرة، البسيطة والقاتلة: من فضلك، خذ وقتك… افعلها من أجلي، أنا أحبك دائمًا

جلست على جانب الطريق السريع، محرك شاحنتي يزمجر تحتي كوحش جريح، أضغط النقود والرسالة إلى صدري، أبكي بصمت متقطع، كأن الدموع آخر ما تبقى لي من صوت وحياة ونجاة مؤقتة

صرخت في الفراغ، في السماء، في كل شيء قاسٍ وعادل كذبًا، سألت لماذا يُؤخذ النور مبكرًا، ولماذا تُترك القلوب تتعثر وحدها، مثقلة بالفقد، عاجزة عن فهم حكمة لا تُرى وتُحتمل

هي، رغم الرحيل، كانت تفكر فيَّ أنا، في حزني القادم، ادخرت من ضحكاتها الصغيرة، من رغباتها المؤجلة، لتمنحني ما لم أجرؤ يومًا على منحه لنفسي: وقتًا لألتقط أنفاسي وأتعافى ببطء

“كيف استطعتِ فعل ذلك؟” همست، لكن صوتي هذه المرة لم يحمل غضبًا،فقط رهبة موجعة، امتنانًا يحرق الصدر، وحبًا يتسع كبحر، وخجلًا لأن قلبًا صغيرًا سبقني إلى النضج والتضحية الصامتة

مسحت وجهي المرتجف، ونظرت إلى الدمية العتيقة؛ خياطة ممزقة، حشو بارز، ملامح مرهقة، ومع ذلك بدت لي أجمل من أي شيء امتلكته يومًا، كأنها تحتضن ما تبقى من دفء وذكرى

التقطت جهاز الاتصال، ترددت ثانية بدت دهرًا، ثم تحدثت بصوت متشقق: سأسلّم الحمولة في أقرب مستودع، وبعدها سأختفي قليلًا عن الطرق، أحتاج هدنة مع نفسي، مع قلبي المتعب المنهك جدًا

سألني الصوت البعيد إن كنت بخير، سؤال بسيط هزّ داخلي، نظرت إلى الرسالة في حضني، وشعرت بشيء ينفتح أخيرًا، نفسٍ حقيقي، رجاءٍ خافت، يقينٍ دافئ بأنني سأنهض مجددًا رغم الانكسار

لم أقد الشاحنة لأسابيع، تركت الضجيج خلفي، واجهت صمتي، بكيت كما لم أبكِ من قبل، وفي كل ليلة، كانت الدمية بجانبي، تذكرني أن الحب لا يرحل، بل يغيّر شكله فقط

لم أكن وحيدًا يومًا، كان أثرها يملأ الفراغ، في الهواء، في نبضي، في قدرتي على الاستمرار؛ومع كل شروق، كنت أتعلم أن النجاة أيضًا شكل من أشكال الوفاء الصادق العميق

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى