روايات

تشتري منزل طفولتها… فتكتشف أن أمها، التي اعتُقد أنها مـ,ـاتت منذ 23 عامًا، حيّة ومختبئة في العلّية!

اشترت امرأة منزل طفولتها، لتكتشف أن والدتها التي قيل إنها توفيت عام 1999 ما زالت على قيد الحياة، تعيش مختبئة داخل العلية، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الاختفاء، في قصة يصعب تصديقها لكنها حقيقية.

أتلانتا، جورجيا.

الخامس من نوفمبر، 2022.

تقف سارة ميتشل داخل علية منزل طفولتها، تحدّق بذهول في امرأة لم ترها منذ ثلاثة وعشرين عامًا، امرأة ظنت أنها هجرتها، امرأة اعتقد الجميع أنها رحلت بلا عودة.

امرأة اختفت من حياتها وهي في الثامنة، تاركة خلفها أسئلة بلا إجابات، وجرحًا لم يلتئم أبدًا، وذكريات مشوشة عن ليلة أخيرة بدت عادية، لكنها كانت بداية أطول كابوس يمكن تخيله.

امرأة، بحسب ما قيل، مـ,ـاتت.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

مختلفة بشكل مرعب.

والدتها لم تمت، بل كانت محتجزة داخل هذه العلية، على ارتفاع تسعة أمتار فوق غرفة نوم سارة القديمة، طوال تلك السنوات.

ثلاثة وعشرون عامًا، والأم على قيد الحياة.

لكن قبل أن نصل إلى تلك اللحظة، علينا أن نعود بالزمن، أن نفهم كيف وصلت سارة إلى هنا، وكيف تحوّل شراء منزل الطفولة إلى نهاية مأساة استمرت عقودًا.

كيف أُغلق ملف اختفاء بدأ عام 1999 أخيرًا في 2022، وكيف تحققت العدالة، عدالة حقيقية، بعد سنوات من الصمت، والافتراضات الخاطئة، والحزن الذي استقر في قلب طفلة كبرت قبل أوانها.

الثاني عشر من أكتوبر، 1999.

سارة ميتشل، ثماني سنوات، في الصف الثالث الابتدائي، تعيش مع والدتها ليندا ميتشل داخل منزل صغير مستأجر على طريق كاسكيد، في أتلانتا، جورجيا، حياة بسيطة لكنها مستقرة.

منزل متواضع، غرفتا نوم، حمام واحد، لكنه كان عالمهما الخاص، سارة ووالدتها فقط، بلا ضجيج، بلا تعقيد، مجرد أم تحاول الصمود، وطفلة تظن أن العالم ما زال مكانًا آمنًا.

ليندا، خمسة وثلاثون عامًا، أم عزباء، تعمل بدوام جزئي في شركة للفوترة الطبية كلما سمحت حالتها الصحية، بعدما تركها حادث سير قبل ثلاث سنوات تعاني ألمًا مزمنًا وحركة محدودة.

كانت تتلقى شيكات إعانة شهرية بقيمة ألف وأربعمائة دولار، تصل بانتظام في اليوم الأول من كل شهر، شريان حياة ساعدهما على تدبير الإيجار، والطعام، وكل ما تحتاجه طفلة تنمو.

مالكا العقار كانا روبرت ومارجريت كين، زوجين في منتصف العمر، يملكان المبنى، وهو منزل مزدوج، يسكنان في الوحدة السفلية، ويؤجران العلوية لمستأجرين مثل ليندا.

روبرت كان يدير الأمور المالية والعقود، بينما تتولى مارجريت أعمال الصيانة اليومية وتحصيل الإيجار، زوجان يبدوان طبيعيين، جيرانًا عاديين، بلا ما يثير الشك في الظاهر.

تتذكر سارة ذلك اليوم بوضوح مؤلم.

كان آخر يوم طبيعي في حياتها.

ذهبت إلى المدرسة، عادت إلى المنزل، أعدت والدتها العشاء، طبق سباغيتي بسيط، وضحكات خفيفة أمام التلفاز.

في الثامنة والنصف مساءً، اصطحبتها ليندا إلى الفراش، قبّلت جبينها، مررت يدها فوق شعرها برفق، وهمست بصوت دافئ: أحبك يا صغيرتي، جملة بدت حينها عادية تمامًا.

أجابت سارة بنعاس: أحبك أيضًا يا ماما.

كانت تلك آخر كلمات تقولها لوالدتها وهي امرأة حرة، قبل أن ينقلب كل شيء، قبل أن يتحول الصباح التالي إلى بداية الغموض والرعب.

الثالث عشر من أكتوبر، 1999.

استيقظت سارة في السابعة صباحًا، ارتدت ملابس المدرسة، توجهت إلى المطبخ، لكن والدتها لم تكن هناك، صمت غير مألوف، إحساس خافت بأن شيئًا ما خطأ.

ذهبت إلى غرفة ليندا.

السرير مرتب بعناية.

لا أثر لفوضى نوم، لا حقيبة، لا صوت، فقط فراغ بارد.

حقيبة ليندا فوق التسريحة، مفاتيحها على رخامة المطبخ، حذاؤها بجوار الباب، كل شيء في مكانه بدقة مقلقة، إلا ليندا نفسها، كأنها خرجت من الصورة وتركت خلفها صمتًا ثقيلًا وأسئلة بلا إجابات.

سارة تنتظر.

تصب لنفسها رقائق الذرة.

تجلس أمام الرسوم المتحركة.

تفترض أن أمها ذهبت إلى المتجر أو لشراء شيء سريع، رغم أن ليندا لم تغادر يومًا دون أن تهمس بكلمة تطمئنها.

الثامنة صباحًا.

التاسعة صباحًا.

العاشرة صباحًا.

الوقت يمر ببطء قاسٍ، والخوف يتسلل إلى صدر طفلة وحدها، تدرك لأول مرة أن الغياب قد لا يكون تأخيرًا عابرًا، بل بداية شيء مخيف.

الآن سارة خائفة.

تمسك الهاتف بيدين مرتجفتين.

تتصل بجدتها في سافانا، والدة ليندا.

لا رد.

تحاول مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

لا شيء سوى رنين طويل يزيد القلق.

عند الحادية عشرة صباحًا، تنزل سارة إلى الطابق السفلي، تطرق باب آل كين بتردد، قلبها يخفق بعنف، وأمل صغير بداخلها أن يكون لدى الكبار تفسير بسيط يبدد هذا الرعب المتصاعد.

تفتح مارجريت كين الباب بابتسامة دافئة.

تقول بلطف: مرحبًا يا عزيزتي، ما الأمر؟

صوت سارة بالكاد يُسمع، مكسورًا بالخوف: ماما ليست في المنزل، لا أعرف أين ذهبت.

تتلاشى ابتسامة مارجريت.

تسأل بسرعة: ليست في الشقة؟

تجيب سارة: لا يا سيدتي.

تتبادل مارجريت نظرة متوترة مع روبرت الواقف خلفها، ثم تقول بحزم متردد: دعيني أتحقق بنفسي.

تصعد مارجريت مع سارة، تتفقد الشقة، تفتح الخزائن، تنظر في الحمام، تتحرك بعجلة واضحة، ثم تقول: ربما خرجت مبكرًا، لكن نبرتها المرتبكة تكشف أن الفكرة لا تقنعها.

تقول سارة بقلق: حقيبتها هنا، مفاتيحها هنا.

يتغير وجه مارجريت، يتصلب.

تلتفت نحو الطفلة: ابقي هنا يا حبيبتي، سأجري بعض الاتصالات، جملة قصيرة لكنها محمّلة بشيء ثقيل.

تصل الشرطة عند الواحدة ظهرًا.

ضابطان في منتصف العمر.

يجلسان أمام سارة ذات الثماني سنوات، يسجلان أقوالها.

السؤال الأول: متى كانت آخر مرة رأيتِ فيها والدتك؟

تتشابك يدا سارة في حجرها.

تجيب بصوت خافت: الليلة الماضية، وضعتني في السرير.

يسأل الضابط: هل تركتك وحدك من قبل؟

تهز رأسها: لا.

سؤال آخر يأتي بثقل أكبر: هل بدت منزعجة، حزينة، غاضبة؟

تجيب سارة بسرعة بريئة: لا، كانت طبيعية، كلمة بسيطة، لكنها تجعل الغموض أكثر إزعاجًا.

يتحدث الضابطان مع مارجريت وروبرت كين.

يسأل أحدهما: منذ متى وهما مستأجران؟

يتكئ روبرت على إطار الباب، ذراعاه متشابكتان، ويجيب بهدوء محسوب.

حوالي ثلاث سنوات.

ليندا تدفع الإيجار دائمًا في موعده.

مستأجرة هادئة.

لا شكاوى.

يسأل الضابط: أي خلافات مؤخرًا؟

يرد روبرت بوجه جامد: لا شيء.

تبدأ عملية التفتيش.

يعيد الضابطان فحص شقة ليندا بدقة.

يقابلان الجيران.

لكن النتيجة واحدة، تتكرر ببرود مخيف: لا أحد رأى شيئًا، ولا أحد سمع شيئًا.

اختفت ليندا ميتشل ببساطة، كأنها تبخرت دون أثر أو تفسير واضح.

حررت الشرطة محضر شخص مفقود، لكن سارة قرأت الشك في وجوههم، إذ ظنوا أن ليندا تخلت عن ابنتها، أمًّا عزباء منهكة، فقيرة، ومعاقة، قصة تتكرر كثيرًا في سجلاتهم الرسمية.

افترضوا أنها رحلت بإرادتها، مجرد حالة أخرى عابرة.

في تلك الليلة، أُدخلت سارة إلى رعاية طارئة، ووضعتها خدمات حماية الطفل لدى أسرة مؤقتة، تحمل حقيبة صغيرة ودمية محشوة، بينما كانت تصرخ وتبكي وهي تُنتزع من منزلها الوحيد.

«أمي ستعود»، شهقت سارة باكية. «لن تتركني».

لكن ليندا لم تعد. تحولت الأيام إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور ثقيلة، بينما بقيت القضية جامدة، بلا خيوط، بلا مشاهدات، بلا جثة، وصمتٌ إداريّ يزداد برودة مع مرور الزمن.

لم يُسفر التحقيق عن شيء يُذكر.

أُضيف اسم ليندا ميتشل إلى قاعدة بيانات المفقودين، ثم أُغلق الملف تدريجيًا، ليصبح قضية باردة منسية، فيما بقيت سارة في دور الرعاية، تتنقل بين ثلاثة منازل خلال عامها الأول دون أن تتبناها أي عائلة.

كانت العائلات تفضل أطفالًا أصغر سنًا وأسهل حالًا.

أطفالًا بلا صدمات، بلا غضب، بلا تاريخ مؤلم. ومع مرور السنوات، كبرت سارة وهي مقتنعة أن أمها هجرتها، إذ لم يقدم أحد تفسيرًا آخر، والشرطة نفسها رجّحت فرضية الرحيل الطوعي.

كبر السؤال داخلها كظلٍّ دائم.

لماذا تركتني أمي؟ عند التاسعة، ثم العاشرة، فالحادية عشرة، فالثانية عشرة، أصبحت مراهقة متمردة، كثيرة المشكلات، شجارات مدرسية، نزاعات مع أسر الرعاية، وانتقالات متكررة إلى بيوت جماعية بلا استقرار حقيقي.

لم يُجدِ العلاج النفسي نفعًا يُذكر.

لا شيء خفف وطأة السؤال القديم. وفي الثامنة عشرة، خرجت من الرعاية بلا سند ثابت، شقة صغيرة، وظائف متواضعة في البيع بالتجزئة، وتخرجٌ بالكاد من الثانوية، وسنواتٌ من الضياع والغضب والسلوك المدمر للذات.

لكن عند الرابعة والعشرين، حدث تحول غير متوقع.

التقت بمستشارة في مركز مجتمعي أنصتت إليها بصدق، ساعدتها على فهم جرح الهجر، واقترحت فكرة مختلفة: ربما تستطيع سارة مساعدة أطفال مرّوا بتجارب مشابهة لما عاشته في طفولتها القاسية.

عادت سارة إلى الدراسة بعزيمة جديدة.

حصلت على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، ثم الماجستير، وأصبحت أخصائية تعمل مع أطفال الرعاية البديلة، الأطفال الذين يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم، تمامًا كما شعرت هي يومًا، وكانت بارعة في عملها.

بحلول الحادية والثلاثين، بنت حياة مستقرة نسبيًا.

مهنة تحبها، شريك صبور يُدعى ماركوس، وشقة صغيرة في ميدتاون أتلانتا. ساعدها العلاج النفسي على التعايش مع ماضيها، وأصبحت معظم أيامها هادئة، رغم جرحٍ لم يلتئم تمامًا عبر السنين الطويلة.

في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 2022، تغيّر كل شيء.

كانت تتصفح إعلانات عقارية عندما تجمدت فجأة. منزل طفولتها معروض للبيع في مزاد حجز بنكي. تسارع نبضها بعنف، وفتحت الإعلان بيدين مرتجفتين لتقرأ التفاصيل بذهول ثقيل وصمت خانق.

كان العقار قد حُجز بعد انتقال المالك إلى دار رعاية.

توقف عن سداد الرهن، فقرر البنك بيعه. اتصلت سارة بماركوس فورًا. أجاب سريعًا. قالت بصوت مرتعش: «منزل طفولتي للبيع… المكان الذي عشت فيه مع أمي قبل اختفائها المفاجئ».

ساد صمت قصير قبل أن يسأل بقلق: «هل أنتِ بخير؟»

ترددت لحظة، ثم قالت بثبات مفاجئ:

«أريد شراءه».

ساد صمت على الطرف الآخر من الخط.

ثم قال ماركوس بحذرٍ واضح: «هل أنتِ متأكدة أن هذه فكرة صائبة؟» أجابت سارة بصوتٍ منخفض: «أحتاج إلى ذلك… لا أعرف السبب تمامًا، لكن يجب أن أعود، ربما يساعدني هذا أخيرًا على إغلاق ذلك الفصل».

تنهد ماركوس قبل أن يجيب بهدوء.

«حسنًا، إن كان هذا ما تريدينه، فلنمضِ في الأمر». وفي الأول من نوفمبر، حضرت سارة مزاد الحجز. كان الإقبال ضعيفًا؛ الحي متواضع، والمنزل يحتاج إلى إصلاحات واسعة منذ سنوات طويلة.

رفعت سارة يدها وقدمت عرضها بثبات.

مئة وسبعون ألف دولار. لم يُزايد أحد. سقطت المطرقة، وأصبح المنزل ملكًا لها. في الرابع من نوفمبر، تسلمت المفاتيح، وقادت إلى شارع كاسكيد، ثم توقفت أمام المبنى تحدق فيه بصمتٍ ثقيل.

ثلاثة وعشرون عامًا مضت منذ آخر زيارة.

الوحدة السفلية خالية؛ روبرت كين في دار رعاية. أما مارغريت كين، فلا تعلم سارة أين انتهى بها المطاف، ولم يكن الأمر يعنيها. أخرجت المفتاح، وأدارت القفل، ودخلت إلى وحدتها العلوية القديمة ببطء.

استقبلها هواء راكد ورائحة عتقٍ واضحة.

الغبار يغطي كل شيء، والأثاث أُزيل منذ زمن بعيد، لكن التصميم بقي كما تتذكره تمامًا: المطبخ إلى اليسار، غرفة المعيشة أمامها، وغرف النوم تمتد على طول الممر الضيق الهادئ.

تقدمت نحو ما كان يومًا غرفتها.

وقفت عند العتبة، وتدفقت الذكريات دفعة واحدة: كانت في الثامنة، وأمها تُغطيها، وهمسة «أحبك» الأخيرة قبل أن يتبدل كل شيء. اقترب ماركوس من خلفها، وأحاطها بذراعيه برفقٍ مطمئنٍ وصامت.

«هل أنتِ بخير؟» سأل هامسًا.

أومأت سارة برأسها. لم تكن متأكدة، لكنها أومأت رغم ذلك. أمضيا بقية النهار في التنظيف، فتح النوافذ، كنس الأرضيات، والتخطيط للترميمات الضرورية التي لا مفر منها قبل العودة الدائمة للسكن.

في تلك الليلة ناما على فراشٍ هوائي.

عند الثانية صباحًا، استيقظت سارة على صوتٍ خافتٍ غريب: حكٌّ متكرر فوقهما مباشرة. بقيت ساكنة، تُنصت. كان الصوت يأتي من السقف. ثم توقف فجأة، كأن أحدًا أدرك يقظتها المفاجئة المتوترة.

طمأنت نفسها بتفسيرٍ منطقي سريع.

منزل قديم… ربما فئران أو سناجب في العلية. ستتصل بمختصٍ غدًا. وعادت إلى النوم بصعوبة. لكن في الليلة التالية، الخامس من نوفمبر، عاد الصوت أقوى وأثقل وأكثر وضوحًا وإزعاجًا.

دويٌّ مكتوم، ثم خطوات بطيئة.

خطوات متثاقلة فوق غرفة النوم مباشرة. هزّت سارة ماركوس لتوقظه. «هل تسمع ذلك؟» تمتم وهو يفرك عينيه: «ماذا يُفترض أن أسمع؟» أجابت: «الخطوات… فوقنا مباشرة الآن».

جلسا في صمتٍ متوترٍ يترقبان.

ثم تكرر الصوت: دُم… دُم… دُم. اتسعت عينا ماركوس. قال بقلقٍ صريح: «حسنًا… هذا ليس صوت فئران». ابتلعت سارة ريقها وسألت بصوتٍ مرتجفٍ خافت: «إذًا… ما الذي قد يكونه؟»

«لا أعلم»، قال ماركوس بصوتٍ خافتٍ متوتر.

«ربما حيوانات راكون. أحيانًا تتسلل إلى العليات وتتحرك هناك، لكن الصوت لا يشبه حركات الحيوانات. إنه أقرب إلى خطوات بشرية، بطيئة، متعمدة، متثاقلة، كأن شخصًا يتمشى فوقنا عمدًا وفي هدوءٍ مقلق».

عند الثالثة صباحًا، دوّى صوتٌ جديد.

نقرٌ منتظم: طرقٌ خفيف يتكرر بإيقاعٍ واضح. توقفت سارة، وقد اقشعر جلدها. همست: «هذا ليس صوت حيوان». نهض ماركوس، أمسك هاتفه، وشغّل المصباح، ثم سأل بجدية: «أين مدخل العلية؟».

فتشا المنزل كاملًا دون جدوى تُذكر.

تفقدا السقوف والخزائن والزوايا. لا سلّم، لا فتحة، لا باب. قال ماركوس بدهشة: «هذا غريب». ثم فتح صور إعلان البيع، وتمعّن في خط السقف، وأضاف: «هناك علية بالتأكيد، لكن لا وسيلة للوصول إليها من الداخل».

«ربما أُغلقت عمدًا»، اقترحت سارة بتردد.

قطّب ماركوس جبينه: «ولماذا يُغلق أحد عليةً كاملة؟». لم يجدا إجابة. في الصباح، اتصلت سارة بمقاول وشرحت الأمر. حضر بعد الظهر رجلٌ في منتصف العمر يُدعى جيروم، وجال بنظره في السقوف ثم خرج ليفحص السطح الخارجي.

قال جيروم بعد تأملٍ قصيرٍ صامت.

«نعم، توجد علية هناك بلا شك، لكن لا مدخل من وحدتكم». سألت سارة مباشرة: «هل يمكنك فتح السقف؟ أحتاج أن أعرف مصدر الأصوات». حذّرها: «بعد القطع، ستحتاجين لتركيب فتحة مناسبة. عمل إضافي». أومأت بحزمٍ واضح.

«افتحه»، قالت دون ترددٍ يُذكر.

نصب جيروم سلّمه في الممر، حدّد موضعًا بقلم رصاص، وأخرج منشار الجبس. وقفت سارة وماركوس أسفل السقف يراقبان. بدأ القطع، وتساقط الغبار. فتح مربعًا صغيرًا، ثم سحب اللوح، ورفع مصباحه نحو الداخل المظلم.

تجمّد جيروم فجأة بلا حركة.

سألت سارة بقلقٍ متصاعد: «ما الأمر؟». لم يجب. تحرك شعاع المصباح ببطءٍ ثقيل عبر العلية. «جيروم»، نادت بصوتٍ مرتجف. نزل سريعًا، ووجهه شاحبٌ رمادي. قال بصوتٍ مرتعش: «اتصلي بالطوارئ فورًا».

توقّف قلب سارة لحظةً قصيرة.

«ماذا؟ لماذا؟». ابتلع جيروم ريقه وقال بصعوبة: «هناك شخص في الأعلى». لم تستوعب الكلمات. «شخص؟». تجنب النظر إليها وأضاف: «امرأة… امرأة حيّة». تهاوى يقينها، وتكرر صوته المرتجف: «اتصلي الآن».

كان ماركوس قد أمسك هاتفه بالفعل.

طلب الرقم ووضع المكالمة على مكبر الصوت.

«الطوارئ، ما حالتك؟»

قال بثباتٍ مشوبٍ بالصدمة: «نحن في 247 شارع كاسكيد، وجدنا امرأة في العلية، إنها حيّة وتبدو مريضة جدًا».

جاء الرد سريعًا ومباشرًا وواضحًا.

«هل أنتم في خطر؟ هل تهددكم؟»

«لا»، أجاب ماركوس، ووجهه لا يزال شاحبًا. «إنها جالسة فقط. لا تتحرك. تبدو منهكة، ضعيفة، شديدة المرض، وتحتاج مساعدة طبية عاجلة وفورية الآن».

“الضباط والمسعفون في الطريق. ابقي معي على الخط.”

استعادت سارة صوتها أخيرًا، خرج مترددًا ومشحونًا بالرهبة، كأن الكلمات تشق طريقها عبر صدمة ثقيلة، بعد لحظات طويلة من الصمت المشدود والأنفاس المتقطعة.

“يجب أن أصعد إلى هناك.”

“لا.” بدأ جيروم بالاعتراض، لكن سارة كانت قد أمسكت السلم بالفعل، تتسلق بسرعة متوترة، مدفوعة بإحساس غامض بأن شيئًا مرعبًا ينتظرها في الأعلى.

كان مصباح جيروم اليدوي ما يزال هناك، ملقى على أرضية العلية، يرسم ظلالًا غريبة ومشوّهة، تتحرك مع كل اهتزاز خفيف، وكأن المكان ينبض بتوتر صامت.

سحبت سارة نفسها عبر الفتحة الضيقة، ووقفت بحذر في المساحة المنخفضة، تنحني قليلاً كي لا يصطدم رأسها بالسقف الخشبي القريب، بينما قلبها يخفق بعنف واضح.

كان الهواء راكدًا وثقيلاً، مشبعًا برائحة قدمٍ خانقة، يتسلل إلى رئتيها ببطء مزعج، ويترك في حلقها طعمًا جافًا وإحساسًا غير مريح بالاختناق.

أضاء شعاع المصباح جزءًا صغيرًا من العلية، مساحة محدودة وسط الظلام الكثيف، تفاصيلها باهتة، لكنها كافية لإثارة قلق فوري وانقباض حاد في صدر سارة.

انحنت، التقطت المصباح، وبدأت تحرك الضوء حولها ببطء شديد، كأنها تخشى ما قد يظهر فجأة من قلب العتمة، خارج حدود النور المرتجف.

بدت المساحة صغيرة، نحو عشرة أقدام في اثني عشر، نافذة وحيدة مطلية من الداخل، جدران معزولة، وألواح عزل صوتي سميكة مثبتة بإحكام على الدعامات الخشبية.

عند الجدار البعيد، سرير بدائي من بطانيات ووسادة، وبالقرب منه دلو بغطاء، أوعية ماء كبيرة، علب طعام فارغة، وصناديق… وامرأة جالسة منكمشة.

ثبتت سارة الضوء عليها بحذر بالغ، أنفاسها تتسارع، ويداها ترتجفان، بينما عقلها يحاول عبثًا تفسير المشهد الذي يتكشف أمامها ببطء مرعب.

كانت المرأة هزيلة بصورة صادمة، جسدًا عظميًا، بشرة شاحبة تميل إلى الرمادي، شعرًا طويلًا رماديًا متشابكًا، وملابس قديمة واسعة تتدلى على إطار شديد النحول.

ضيّقت المرأة عينيها أمام الضوء، ورفعت ذراعًا نحيلة لتحجب المصباح، حركة بطيئة ومرهقة، تكشف عن ضعف شديد وإرهاق متراكم عبر سنوات قاسية.

خفضت سارة الضوء فورًا، واقتربت بخطوات مترددة، ثم جثت على ركبتيها، تحدق في الوجه الغائر، والخدين المجوفين، والعينين الغائبتين خلف ستار من الألم.

بدا الوجه كوجه امرأة في السبعين أو أكثر، لكن العينين… عرفتهما سارة فورًا، صدمة حادة اجتاحت صدرها، كأن الزمن انهار فجأة أمامها.

“أمي…” همست سارة، صوتها مكسور بالكاد يُسمع.

مال رأس المرأة ببطء، وحدقت في سارة، تحركت شفتاها المتشققتان بصعوبة، وكأن نطق الاسم ذاته يتطلب جهدًا هائلًا بعد صمت طويل.

“سارة…”

كان الصوت خافتًا للغاية، أجشّ ومتآكلًا، كصوت شخص لم يستخدم حنجرته منذ سنوات عديدة، ممتلئًا بضعف موجع واهتزاز بالكاد يُدرك.

تشوّشت رؤية سارة بالدموع، وغمرها شعور جارح بالذهول والألم وعدم التصديق، بينما الكلمات تتبعثر في حلقها تحت وطأة الصدمة.

“يا إلهي… أمي… يا إلهي…”

“صغيرتي…” امتدت يد ليندا مرتجفة، أصابعها ترتعش في الهواء، تبحث عن تأكيد بأن ما تراه ليس وهمًا آخر من أوهام العزلة الطويلة.

أمسكت سارة يد أمها بإحكام، يد باردة خفيفة، لا تحمل إلا عظامًا وجلدًا رقيقًا، إحساسها مؤلم بقدر ما هو حقيقي وصادم.

“أنا هنا… أنا سارة… بجانبك.”

“سارة…” امتلأت عينا ليندا بالدموع. “ابنتي… لقد كبرتِ…”

“أمي، ماذا حدث؟ كيف وصلتِ إلى هنا؟ منذ متى وأنتِ في هذه العلية؟”

انهارت ملامح ليندا، وتك.سرت تحت ثقل الذكريات، بينما خرجت الكلمات من شفتيها بصعوبة، مثقلة بألم السنين الطويلة.

“منذ أكتوبر… الثالث عشر… عام 1999.”

ثلاثة وعشرون عامًا.

أجرت سارة الحساب في لحظة، عقلها يرفض الرقم، وقلبها ينقبض بقسوة، بينما الحقيقة الثقيلة تستقر ببطء داخلها.

ثلاثة وعشرون عامًا… وأمها محتجزة في العلية.

“من فعل هذا؟” انك.سر صوت سارة. “من وضعك هنا؟”

“آل كين…” همست ليندا باكية.

“روبرت ومارغريت… لقد حبسانِي هنا.”

ترددت أصوات في الأسفل.

وصل المسعفون.

“إنها هنا! في الأعلى! نحتاج مساعدة!”

صعد مسعفان إلى العلية، شابة ورجل أكبر سنًا، وقد تحولت ملامحهما فورًا إلى جدية مهنية صارمة.

“سيدتي، أنا تايلور، وهذا شريكي ريك. سنساعدك.”

جثت تايلور إلى جانب ليندا، تفحص علاماتها الحيوية بسرعة دقيقة، بينما كان ريك يطلب دعمًا إضافيًا عبر جهازه اللاسلكي.

“نحتاج إلى سلة إنقاذ. المريضة تعاني سوء تغذية وجفافًا حادين.”

خلال دقائق، وصل رجال الإطفاء، وسّعوا الفتحة بعناية، وأنزلوا سلة الإنقاذ بحذر بالغ إلى داخل العلية الضيقة.

برفق شديد، رفعوا ليندا، وثبّتوها داخل السلة، ثم أنزلوها ببطء عبر الفتحة، وسط صمت ثقيل مشبع بالصدمة.

نزلت سارة خلفهم، تراقب أمها تُوضَع على النقالة، بينما بدأت تايلور بتوصيل المحلول الوريدي ومراقبة ضغط الدم والنبض.

“ما اسمكِ، سيدتي؟”

“ليندا…” همست. “ليندا ميتشل.”

“منذ متى وأنتِ في العلية، ليندا؟”

“ثلاثة وعشرون عامًا.”

تبادل المسعفون نظرات صامتة متوترة.

“بلاغ عن احتجاز طويل الأمد. نحتاج محققين في الموقع فورًا.”

اندفعت النقالة نحو سيارة الإسعاف، وسارة تتبعها، ما تزال تحت تأثير الذهول وعدم الاستيعاب الكامل.

“أنا ابنتها… سأرافقها.”

داخل سيارة الإسعاف، كانت عينا ليندا تنغلقان باستمرار، بينما عدّلت تايلور معدل المحلول، وراقبت الأجهزة بعناية دقيقة.

جلست سارة قرب أمها، ممسكة بيدها بقوة، خائفة من أن تتركها للحظة واحدة بعد أن وجدتها أخيرًا.

أمسكت سارة بيد أمها بقوة، كأنها تخشى أن تتلاشى بين أصابعها.

“ابقَي معي يا أمي. لا تغلقي عينيك. نحن في طريقنا إلى المستشفى. سيعتنون بكِ.”

فتحت ليندا عينيها ببطء، وثبّتت نظرها على وجه سارة، كأنها تحاول استيعاب ملامح ابنتها بعد غياب عمرٍ كامل.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى