قصص قصيرة

اختفت شقيقتان في الأبالاش… وبعد 730 يومًا ظهر ما لم يتوقعه أحد

بدأت فرق تقنية تصل بسرعة مقلقة شاحنات بلا شعارات وأجهزة قياس زلزالي ومركبات لا تتبع جامعات ولا جهات بيئية معروفة. تراكمت طلبات الوصول. ومع كل رفض من المقاطعة زادت الضغوط.
حاول الأمناء تفعيل قنوات الاحتواء القديمة اتصالات غير علنية تحذيرات مواربة تلميحات إلى حوادث سابقة. لكن ذلك لم يعد ينفع. جاءت الردود مهذبة وحازمة ومتشككة. وفي لغة الإدارة الحديثة لا مكان لمفاهيم مثل عهود وصمت وتوازنات غير مكتوبة.
هناك شيء واحد يصغي إليه الجميع البيانات.
لكن البيانات بدأت تتصرف على نحو غريب.
رصدت الدراسات الأولية شذوذات حرارية تحت مناطق لا نشاط بركانيا فيها. وقراءات ضغط متناقضة. وفراغات تظهر ثم تختفي بين قياس وآخر كأن باطن الأرض يعيد ترتيب نفسه. وصف أحد المختصين الظاهرة بأنها نظام يرفض أن يرسم له مخطط.
ولم ينشر التقرير.
وفي الوقت نفسه انتشرت روايات غير رسمية بين سكان البلدة. تحدث البعض عن أصوات ليلية عميقة منتظمة لا يمكن نسبتها لآلات أو حيوانات. وتحدث آخرون عن اهتزازات خفيفة لا تحس إلا عند لمس بعض الصخور كنبض خافت.
عرف الأمناء معنى ذلك. كانت السجلات القديمة تذكره مبهما حين يستفز المكان بصورة مستمرة لا ينهار بل يتسع. لا يغلق بل يبحث عن مخارج أخرى.
والسطح ممتلئ بالشقوق.
حدثت أولى الحوادث غير المصرح بها أواخر نوفمبرتشرين الثاني. دخل فريق من ثلاثة أشخاصقدموا أنفسهم بوصفهم مستشارينليلا عبر منطقة مسيجة. لم يكسروا حواجز ولم يتركوا آثارا واضحة. اختفوا ست ساعات. ثم عادوا تائهين مغطين بغبار أصفر ناعم عاجزين عن تذكر أين كانوا بدقة.
نقل أحدهم إلى المستشفى في اليوم التالي. ظهرت عليه صلابة متزايدة في الأطراف ونوبات قلق شديد. ظل يردد عبارة بلا سياق لم يكن ممرا كان اختيارا.
سجلت الحالة بوصفها إجهادا حادا.
لكن بالنسبة لالأمناء كانت تأكيدا نهائيا ما كان يتطلب نزولا عميقا صار يمكن أن يبدأ بتعرض قصير. كان المكان قد تعلم كيف يوسع أثره يلمس دون أن يحتجز يعلم دون أن يبتلع بالكامل.
انعقد اجتماع حاسم في منزل بعيد عن البلدة. ولأول مرة منذ أجيال نوقشت فكرة كانت غير قابلة للتصور إغلاق المدخل الرئيسي نهائيا. ليس إخفاءه بل تدميره.
حذرت الوثائق القديمة من هذا الخيار. فقد جرب الإغلاق القسري مرة في عام 1924 وتسبب بانهيار جزئي غير مجرى جدول ماء لسنوات وأدى إلى وفاة أربعة أشخاص على بعد كيلومترات. لم يكن المكان يقبل الحبس كان يرد بطرق جانبية لا يمكن توقعها.
ومع ذلك كان البديل أن تجرى تدخلات كبيرة حفر إنارة فرق تنزل بلا معرفة بالقواعد. وكان التوازنالمتهالك أصلاقد لا يحتمل ذلك.
لم تحسم المناقشة. لأن تلك الليلة ذاتها حملت تحولا آخر.
وجد أحد الأمناء الأقدم المكلف بمراقبة العلامات السطحية إشارة جديدة قرب المسار القديم. لم تكن شقا ولا فتحة. كانت شكلا نمطا متكررا في الصخر بالكاد يرى ولم يكن موجودا قبل أيام.
كان دائرة غير مكتملة.
تذكر السجلات ذلك باسم الدعوة. ظاهرة نادرة للغاية تعني أن المكان لا يرد فحسب بل يختار.
لم يعد يأخذ فقط من يدخل بعيدا. صار يوسع إمكانية الدخول.
عندها بدا الأمر كحكم نهائي العهد انكسر من الداخل أيضا. لم يعد المكان يعتمد على صمت البشر. تعلم أن الانكشاف قد يكون مفيدا. وأن الخوف يجذب بقدر ما يردع.
في تلك الليلة ولأول مرة سأل أحدهم بصوت مسموع السؤال الذي تجنبه الجميع
وماذا لو أننا لم نكن حماة أصلا
وماذا لو كنا مجرد تأخير
بينما كانت الجهات الرسمية تخطط لمراحل جديدة وبينما كان الإعلام يفقد اهتمامه تدريجيا بقضية الشقيقتين كان شيء أعمق يتحرك إعادة ضبط بطيئة صبورة بلا استعجال.
كان المكان قد انتظر أكثر من مئة عام. يستطيع أن ينتظر مئة أخرى.
لكنه الآن عرف أن العالم في الأعلى ممتلئ بالضجيج والفضول والصدوع. وتعلم أين يضغط.
لم يكن آخر مسعى للاحتواء فعلا ماديا ولا سدا ولا تحذيرا علنيا بل كان شيئا أكثر هشاشة ويأسا معلومات.
على مدى أجيال حمى الأمناء المكان بالإخفاء. والآن فهموا أن ذلك لم يعد يجدي. فالعالم الحديث لا يخاف ما لا يراه لكنه أيضا لا يحترم ما لا يفهمه. وإذا كان التوازن قد اختل بسبب الانكشاف فربما لا يعود إلا بانكشاف آخر مدار ناقص مقلق بما يكفي للردع وعقلاني بما يكفي لئلا يغري بالاقتحام.
لكن المكان لم يكن يتعاون مع حكايات البشر.
لم يحمل المستند الذي أعدوه ترويسات رسمية ولا توقيعات. كان تجميعا لسجلات تاريخية وشهادات مجتزأة وتقارير طبية وخرائط ناقصة وخلاصة متعمدة الغموض. لم يتحدث عن كيانات ولا قوى واعية. استخدم لغة تقنية شبه سريرية يصف باطن الأرض بوصفه نظاما جيولوجيا تفاعليا قادرا في ظروف معينة من ضغط وعزل وزمن على إحداث تحولات جسدية شديدة.
لم ترد كلمة وعي ولا كلمة حارس.
سربت الوثيقة دون اسم إلى ثلاث مؤسسات أكاديمية وإلى منصة إعلامية متخصصة في التحقيقات طويلة النفس. لأسابيع لم يحدث شيء. ثم بهدوء تغير اتجاه الاهتمام. شغلت قضايا أخرى المشهد. خرجت روبينسفيل من دائرة التداول. انخفضت الزيارات. وتجمدت طلبات الوصول في مسارات إدارية طويلة.
بدا أن الخطة نجحت.
لكن الارتياح لم يدم.
مع بدايات الربيع التالي لاحظ أحد الأمناء الأصغر سناالمكلف بمقارنة البيانات مع مناطق أخرىنمطا مقلقا. حالات متباعدة آلاف الكيلومترات تبدو غير مترابطة لكنها تشترك في عناصر دقيقة للغاية يصعب أن تكون مصادفة اختفاءات قصيرة في مناطق جبلية قليلة الحركة أشخاص عثر عليهم مع تيبس عضلي مؤقت وشهادات عن فضاءات تحت الأرض بجدران منحنية ملساء بلا علامات أدوات.
حالة في جبال الكاربات. أخرى في الأورال. وثالثة في شمال تشيلي.
لم تتحول أي منها إلى حدث علني. ولم تصبح تحذيرا. لكنها حملت البذرة ذاتها بيئة معزولة مدخل صغير تعرض قصير.
كأن النموذج يعاد إنتاجه.
كانت سجلات روبينسفيل تفترض دائما أن المكان حالة فريدة. استثناء جيولوجي أو بيولوجي أو شيء بينهما. أما الآن فكان يلوح احتمال أشد إرباكا ألا يكون الأمر نقطة واحدة

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى