قصص قصيرة

عدالة السماء حكايات اسما

“إنتي متأكدة؟”
قالت:
“أنا شفت الورق بعيني.”
سكتت لحظة… وبعدين كملت:
“يوم ما دخلت ليلى العناية… كان فيه أمل.”
“لكن جوزك دخل المكتب مع الإدارة.”
“وبعدها بساعة… جه قرار إيقاف العلاج.”
قلبي كان بيتكسر مع كل كلمة.
سألتها:
“ليه ما قلتيش الكلام ده قبل كده؟”
قالت وهي بتبص للأرض:
“أنا حاولت.”
“لكن الإدارة هددتني.”
“وقالوا لي أسكت.”
“لحد ما قررت أسيب الشغل.”
وبعدين رفعت عينيها لي.
وقالت:
“ما قدرتش أسيبك تعيشي طول عمرك فاكرة إن ده قدر.”
خرجت من الكافيه وأنا مش حاسة برجلي.
كل حاجة بقت واضحة.
أحمد… ما كانش زوج.
كان قـ,ـاتل.
رجعت البيت.
كان قاعد في الصالة… ماسك موبايله.
أول ما شافني قال:
“كنتي فين؟”
لكن المرة دي…
أنا ما كنتش خايفة.
وقفت قدامه.
وقلت:
“خمسة مليون جنيه.”
وشه اتجمد.
قلت:
“ده تمن بنتنا؟”
الموبايل وقع من إيده.
حاول يتكلم…
لكن الكلمات ما خرجتش.
قلت وأنا بصوت مليان ألم:
“كنت مستعجل تمـ,ـوت علشان الفلوس؟”
صرخ:
“اسمعيني!”
لكنني كنت خلاص فهمت كل حاجة.
قلت:
“أنا سمعت كتير.”
“ودلوقتي دورك تسمع.”
طلعت الموبايل.
وفتحت التسجيل.
المكالمة اللي سجلتها مع الممرضة.
عينيه اتسعت.
قلت بهدوء:
“التسجيل ده… والفيديو… وكل حاجة… هتروح للشرطة.”
لون وشه بقى رمادي.
وقال:
“إنتي مش فاهمة…”
لكنني قاطعته.
قلت:
“أنا فاهمة كويس.”
“فاهمة إنك بعت روح بنتك.”
في اللحظة دي…
سمعنا صوت طرق على الباب.
كان قوي.
ومتكرر.
مشيت وفتحته.
كان فيه اتنين ضباط واقفين.
بصيت لأحمد.
وقلت بهدوء:
“واضح إن حد سبقني.”
الضابط دخل وقال:
“أستاذ أحمد… حضرتك مطلوب للتحقيق.”
أحمد بص لي بنظرة مليانة خوف.
لكنني ما حسيتش بأي شفقة.
لأن صورة واحدة بس كانت في دماغي…
ليلى وهي بتضحك.
وهي بتجري في البيت.
وهي بتقول:
“ماما… بحبك.”
وقتها فهمت حاجة واحدة بس.
إن العدالة…
ممكن تتأخر.
لكن عمرها ما بتضيع.
الضابطين دخلوا الشقة بهدوء، لكن الجو كان تقيل جدًا.
أحمد وقف مكانه كأنه اتجمد.
قال الضابط:
“أستاذ أحمد… ياريت تيجي معانا.”
حاول يبتسم ابتسامة باهتة وقال:
“أكيد فيه سوء تفاهم.”
لكن صوته كان مهزوز.
أنا وقفت بعيد شوية…
ببص له بدون أي كلمة.
أول مرة في حياتي أشوفه ضعيف كده.
الضابط التاني قال:
“حضرتك هتيجي معانا علشان شوية أسئلة بخصوص واقعة في المستشفى.”
أحمد بص لي.
نظرة مليانة خوف… وغضب… واستعطاف في نفس الوقت.
قال لي:
“قولي لهم… قولي لهم إن ده غلط.”
لكنني ما رديتش.
ولا كلمة.
لأن في اللحظة دي…
كل اللي كنت شايفاه قدامي هو صورة ليلى.
الضابط مسك ذراع أحمد بلطف وقال:
“اتفضل.”
أحمد حاول يقاوم لحظة…
لكن واضح إنه فهم إن الموضوع أكبر منه.
قبل ما يخرج… وقف عند الباب.
وبص لي مرة أخيرة.
قال بصوت مكسور:
“أنا كنت بحاول أحميك.”
لكن الكلمة دي…
ما عملتش أي فرق.
الباب اتقفل وراه.
والبيت رجع ساكت تاني.
لكن المرة دي…
السكوت كان مختلف.
مش سكوت صدمة.
سكوت نهاية.
قعدت على الكنبة.
وبصيت حوالي.
كل حاجة في البيت كانت فيها ذكرى لليلى.
الدبدوب الصغير اللي كانت بتنام جنبه.
رسمة بالقلم الشمع كانت معلقة على التلاجة.
مكتوب فيها:
“أنا وماما.”
وقتها بس…
دموعي نزلت.
لكن المرة دي ما كانش بكاء انهيار.
كان بكاء وداع.
عدت أيام…
وبعدين أسابيع.
التحقيقات بدأت.
والقصة انتشرت بسرعة.
المستشفى دخلت تحت تحقيق.
والدكتور اللي وافق على إيقاف العلاج اتحاسب.
لكن أحمد…
كان هو محور كل حاجة.
النيابة اكتشفت إن التأمين اللي عامله على ليلى فعلاً كان بمبلغ خمسة مليون جنيه.
لكن الصدمة الأكبر…
إنه عمل التأمين قبل مرضها بشهرين بس.
المحقق سأله:
“ليه عملت التأمين؟”
أحمد قال إنه مجرد احتياط.
لكن التوقيت كان مريب جدًا.
وبعد ما شافوا الفيديو…
والتسجيل…
والتقارير الطبية…
اتأكدوا إن القرار اللي وقعه كان ممكن يمنع فرصة علاج كانت موجودة.
الموضوع بقى قضية كبيرة.
قضية اسمها:
الإهمال المتعمد.
أنا حضرت أول جلسة.
المحكمة كانت هادية.
أحمد دخل القاعة مكبل.
شكله كان مختلف جدًا.
شعره مبعثر… ووشه شاحب.
بص لي من بعيد.
لكنني ما بصيتش له.
القاضي سأل:
“هل تعترف بما نسب إليك؟”
أحمد سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“أنا ما كنتش ناوي أقتـ,ـل بنتي.”
الجملة دي كسرت قلبي… رغم كل حاجة.
لكن الحقيقة كانت أقسى.
القضية استمرت شهور.
وفي النهاية…
صدر الحكم.
حبس أحمد.
سنين طويلة.
خرجت من المحكمة يومها…
والسماء كانت رمادية.
مشيت لوحدي في الشارع.
الناس حوالي بتتحرك… الحياة مكملة.
لكن حياتي أنا…
اتغيرت للأبد.
رجعت البيت.
دخلت أوضة ليلى.
وقعدت على سريرها.
حضـ,ـنت الجاكيت الوردي.
وقلت بصوت واطي:
“حقك رجع يا حبيبتي.”
لكن الحقيقة…
إن في حاجة واحدة بس كانت ناقصة.
حضـ,ـنها.
ضحكتها.
صوتها وهي بتنادي:
“ماما.”
وقتها فهمت إن العدالة…
ممكن تعاقب اللي غلط.
لكنها عمرها ما ترجع اللي راح.
ومع ذلك…
في ليلة هادية بعد شهور…
وأنا بقفل دولاب ليلى…
وقعت حاجة صغيرة من بين هدومها.
ورقة مرسومة بالقلم.
كانت رسمة بسيطة.
أنا… وهي… ماسكين إيد بعض.
وفوقها مكتوب بخط طفولي:
“ماما أنا بحبك قوي.”
وقتها بس…
ابتسمت وسط دموعي.
لأني عرفت حاجة واحدة.
إن ليلى…
هتفضل عايشة.
جوا قلبي…
طول عمري.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى