
وجـع في قـلب كـرتونه.. بقلم منــال عـلـي
امه بعتتله زوادة من البلد، ومراته رمتها بقرف.. واللي لقوه في قاع الكرتونة يكسر القلب للأبد! بقلم منــال عـلـي
الكرتونة وصلت حوالي الساعة ٢ الظهر، في وقت ذروة الشمس اللي كانت خابطة في شبابيك الشقة الفاخرة في التجمع الخامس، ومنورة المكان كله بحرّها. ما كانتش كرتونة ضخمة ولا تقيلة، بس شكلها كان “غريب” وسط ديكور البيت الشيك والمودرن اللي ماشي بالمسطرة. كانت مربوطة بحبل خيش ومعمولة بـ “سوليتيب” كتير، كأن اللي بعتها من قلب الصعيد كان خايف حاجة منها تقع في السكة أو تتبهدل في المشوار الطويل.
أحمد أول ما شافها، عرف هي جاية منين.. وكتافه شدّت لوحدها من التوتر.
— “دي من أمي..” قالها الشاب اللي عنده ٣٤ سنة بصوت واطي ومردد.
مي، مراته، كانت واقفة في المطبخ ساندة على الرخامة، ماسكة الموبايل وبتقلب فيه بملل. بصت له ثانية واحدة.. ورفعت حواجبها بضيق واضح وقرف، من غير ما تنطق، بس نظرتها قالت كل حاجة متوفره على روايات واقتباسات
أحمد حط الكرتونة على الرخامة البيضا الغالية. الكرتونة باين عليها شقى السفر.. عفار على الجوانب، وريحتها بدأت تملى المكان المكيّف. ريحة خبيز، وسمنة بلدي، وعيش شمسي، وريحة “البلد” اللي بتفكر الواحد بأصله. بالنسبة لأحمد.. دي كانت ريحة الطفولة، وطبطبة من بعيد. لكن بالنسبة لمي.. دي كانت “منظر بيئة” واقتحام مش مقبول لبيتها.
قربت وهي مربعة إيديها وقالت ببرود يقهر: بقلم منــال عـلـي
—”خلصنا.. افتحها بسرعة عشان القرف ده يطلع من مطبخي، مش ناقصة زفارة.”
مسكت مقص ماركة وقطعت اللصق بمنتهى الإهمال. أول ما الكرتونة اتفتحت.. الريحة هجمت مرة واحدة. ريحة تقيلة.. حقيقية.. من قلب الخير. مي رجعت لورا خطوتين، وسدت مناخيرها بصوابعها، ووشها اتلوى من القرف:
— “يا نهار أبيض! هو كل مرة نفس القرف ده؟! أنا مش فاهمة مامتك دي ليه مش عايزة تستوعب إننا مش بناكل الحاجات دي!”
أحمد سكت.. ومد إيده يبص جوه الكرتونة. كان فيها كنوز أرضه:
برطمان “مِش” بلدي معمول بمزاج، ملفوف في جرايد قديمة.
قطعتين جبنة قريش بخيرها ملفوفين في ورق زبدة.
رصة عيش شمسي مخبوز بالإيد، متغطي بفوطة مطرزة يدوي.
وفي القاع.. كيس فيه سوداني متحمص بملح، وبيض بلدي لسه بعفاره.
— “دي حاجات من البيت يا مي.. أمي بتشقى فيها وبتبعتها بحب..” قالها بصوت مكسور ومكتوم.
— “حب إيه وبتاع إيه! ده اسمه قرف وقلة نضافة! إحنا ساكنين جنب أرقى سوبر ماركت في مصر، وبتحطلي أكل عليه تراب على الرخامة بتاعتي؟! عايز تأكل ابننا من الحاجات دي؟ أنت مش شايف المنظر؟!”
— “ما الحاجة بتتغسل يا مي.. عادي يعني..” قالها وهو مخنوق وخلاص هينفجر متوفره على روايات واقتباسات
— “مش دي القضية يا أحمد! إحنا خلاص مابقاش لينا علاقة بالجو ده! أنا مش هسمح لـ ‘زبالة’ تدخل بيتي وتزفره!”
صوتها كان فيه نبرة “تعالي” واضحة.. مش مجرد نرفزة. كانت بتبص لكل حاجة جاية من ريحته باحتقار. أحمد بص للكرتونة. . وتخيل أمه، ست كبيرة ونظرها على قدها، قامت من الفجر تعجن وتخبز وتحضر في “الزيارة” دي عشان توصله لحد عنده.
بس قبل ما ينطق بكلمة.. مي ضحكت ضحكة ناشفة وقاسية. شالت الكرتونة كلها بإيديها، وراحت على سلة الزبالة الستانلس اللامعة اللي في ركن المطبخ، ورمت كل محتوياتها من غير تردد.
— “مي.. لا!” — صرخ أحمد وهو بيحاول يلحقها.
بس كان فات الأوان.
وقف أحمد مذهول قدام سلة الزبالة، وحاسس إن قلبه اترمى جواها. وفجأة.. لمح طرف ورقة صغيرة باين من تحت الغطاء. قرب ببطء.. وفتح الزبالة براحة..
بقلم منــال ف
الورقة كانت متبهدلة شوية، بس كانت ظرف أبيض مكتوب عليه اسمه بخط أمه المرتعش.
فتح الظرف، لقى جواه رسالة وورقتين ب 200 جنيه . بدأ يقرأ:
“يا ضنايا يا أحمد..





