قصص قصيرة

تزوجت رجلًا يحتضر لأن ذلك كان أمنيته الأخيرة.. حمادة

أما أنا
فقد نسيت ذلك اليوم تمامًا.
لكنه
لم ينسه ابداً
واصلت سيلينا قراءة رسالة كارل، فاكتشفت أنه احتفظ بذكرى ذلك اليوم طوال حياته.
كتب لها
في ذلك اليوم لم تنظري إلى ضعفي، ولم تشفقِي عليّ، بل عاملتِني وكأن شيئًا لم يحدث. أعطيتِني شعورًا بالحياة الطبيعية، بينما كان الجميع ينظر إليّ بعين الشفقة.
ثم سلّمها المحامي دفترًا جلديًا قديمًا.
فتحته
فوجدت أول صفحة تحمل اسمها.
ومنذ أن افترقا وهما في الرابعة عشرة، كان كارل يكتب في عيد ميلادها كل عام أمنية واحدة لها.
أتمنى أن تجد مكانًا لا يضطر أحد فيه إلى جمع حياتها داخل كيس قمامة.
أتمنى أن تجد أشخاصًا يضحكون عندما تضحك.
أتمنى أن تعرف يومًا أن لطفها الصغير غيّر حياة إنسان بالكامل.
لم يبحث عنها پجنون
ولم يجعلها محور حياته.
بل جعلها سببًا ليصبح إنسانًا أفضل.
أصبح مدرس تاريخ محبوبًا، وكان يساعد طلابه المحتاجين، ويضع طعامًا إضافيًا في مكتبه لمن يعودون إلى بيوتهم جائعين.
سألت سيلينا
لماذا لم يبحث عني؟
أخرج المحامي ظرفًا قديمًا أُعيد إلى المرسل دون أن يُفتح.
كان كارل قد حاول مراسلتها مرة واحدة بعد انتقالها إلى دار الرعاية، لكن الرسالة لم تصل، فنصحه جده أن يتركها تبني حياتها دون أن يعيد إليها آلام الماضي.
وبعد سنوات طويلة
أصيب كارل بالسړطان.
وأثناء وجوده في برنامج الرعاية المنزلية، رأى اسم سيلينا بين المتطوعين.
فطلبها بالاسم.
ليس ليخبرها أنه يعرفها
بل ليرى فقط ماذا أصبحت تلك الفتاة الطيبة بعد كل هذه السنين.
وعندما جاءت تحمل له طبقًا من الحساء، وتساعده دون أن تشعره بالعجز، وتمازحه أثناء لعبة الكلمات المتقاطعة
عرف أنها ما زالت الإنسان نفسه.
لذلك لم يخبرها بحقيقته قبل الزواج.
كان يعلم أنها لو تذكّرته، لوافقت عليه بدافع الذنب لا الحب.
وأراد أن يكون قرارها حرًا تمامًا.
بعد ۏفاته، عادت سيلينا إلى الحي القديم.
لم تجد الورشة
ولا منزل الجد آرثر
فقد اختفيا مع الزمن.
لكن شجرة القيقب الحمراء كانت لا تزال واقفة.
جلست تحتها، وفتحت رواية كارل المفضلة.
فسقطت منها الورقة الحمراء التي كانت قد وضعتها بنفسها بين صفحات الكتاب قبل أكثر من عشرين عامًا وهي تمزح قائلة
هكذا لن تضيع الصفحة أبدًا.
أما كارل
فقد احتفظ بتلك الورقة طوال حياته، لأنها كانت بالنسبة له دليلًا على أن أبسط لحظات اللطف قد تصبح طوق نجاة لإنسان آخر.
أغلقت سيلينا الكتاب، وتركت الورقة الحمراء عند جذور الشجرة
لم تلقها بعيدًا
بل أعادتها إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية.
قد لا نتذكر كلمة طيبة أو موقفًا عابرًا قدمناه لشخص ما، لكن بالنسبة له قد يصبح ذلك الموقف سببًا يغيّر حياته كلها. أحيانًا، أبسط أشكال الرحمة تترك الأثر الأكبر

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى