قصص قصيرة

بلاغ رسمي

نههض بهدوء، وهو ينفض غبار سرواله الرسمي دون أي علامة استعجال.

بدت عيناه مختلفتين في ذلك العصر، أغمق وغريبتين، فارغتين مقارنة بتعبيره الودود المعتاد.

سألني إلى أين أذهب بصوت بدا أعمق من المعتاد.

أخبرته أن الأمر لا يعنيه وأمرتُه أن يفتح البوابة الحديدية الثقيلة.

لكن بدل أن يطيع، أدخل موسى يده ببطء في جيبه وأخرج مفتاح القفل السميك.

أمسكه بين أصابعه وهو يحدّق مباشرة في عينيّ دون أن يرمش.

انتشرت ابتسامة بطيئة على وجهه، اتسعت أكثر مما رأيتها من قبل.

ومن دون أن يقطع التواصل البصري، وضع المفتاح على لسانه وابتلعه عمدًا.

سمعت الصوت المعدني يصطدم بأسنانه قبل أن يختفي في حلقه.

مسح فمه بظاهر يده وهمس أنني لن أذهب إلى أي مكان.

كادت ركبتيّ تنهاران بعدما استولى الذعر بالكامل على ما تبقى داخلي من هدوء.

في تلك اللحظة، سمعت بوق سيارة أوبينا المألوف يدوّي خارج البوابة.

تردّد الصوت عاليًا في أرجاء الفناء، معلنًا عودته غير المتوقعة أبكر بكثير مما خطط.

تنحّى موسى جانبًا عن البوابة، واقفًا بصلابة كأنه ينتظر تعليمات أخرى.

أدركت في تلك اللحظة أن ما يوجد تحت سريرنا ليس سرًا كان يُفترض بي أن أنجو بعد اكتشافه.

المنزل خلفي بدا كفخ محكم الإغلاق، والبوابة أمامي تحولت إلى جدار.

أطلق أوبينا البوق مرة أخرى، أطول هذه المرة، وكأنه غير صبور من التأخير عند المدخل.

وقفت متجمدة بين المنزل والبوابة، عاجزة عن تحديد أي اتجاه يحمل خطرًا أقل.

اهتز هاتفي فجأة داخل حقيبتي، فانتفضت بعنف.

ظهر اسمه على الشاشة.

لم أجب.

توقف البوق فجأة، وملأ الصمت المكان بطريقة بدت متعمدة.

سمعت صوت محرك السيارة ينطفئ خارج البوابة.

اقتربت خطوات ببطء من الجهة الأخرى للحاجز المعدني.

بقيت ابتسامة موسى ثابتة وهو يدير رأسه نحو الصوت.

أدركت أنني محاصرة داخل زواج لم أفهمه يومًا حقًا.

وتحت سريرنا، شخص يشبهني تمامًا لا يزال يتنفس.

لم يطرق الباب.

سمعت احتكاك المعدن بينما فتح أحدهم المدخل الصغير الجانبي بمفتاح احتياطي.

تراجع موسى باحترام، مطأطئًا رأسه بينما دخل أوبينا ببطء، يعدّل ساعته وكأن لا شيء يحدث.

نظر إليّ وأنا أقف في منتصف الفناء، حقيبة السفر تتدلى من يدي المرتجفة.

لم يظهر على وجهه غضب.

بل خيبة أمل فقط.

قال بهدوء وهو يقترب خطوة خطوة:

«ننيكا، لماذا تقفين خارجًا ومعكِ حقيبة؟»

شعرت بحلقي جافًا، لكنني أجبرت الكلمات على الخروج.

«هناك امرأة تحت سريرنا.»

لم يتصرف كما يفعل زوج مرتبك.

لم يضحك.

لم يسأل عما أعنيه.

بل تنهد بخفة، كما لو أنني ذكرت أمرًا بسيطًا مزعجًا.

«أخبرتكِ ألا تنظري»، قال.

شعرت أن الهواء أصبح أثقل، أكثر كثافة، أصعب في التنفس.

همست بصوت مكسور: «إنها تشبهني تمامًا… وهي حامل.»

نظر أوبينا سريعًا إلى موسى، الذي أومأ مرة واحدة ثم عاد إلى مقعده كآلة تنفذ أمرًا.

عاد أوبينا إليّ ومدّ يده نحو حقيبتي برفق.

قال: «أنتِ ترتجفين. تعالي إلى الداخل. لنتحدث بهدوء.»

تراجعت خطوة إلى الخلف.

«لن أعود إلى تلك الغرفة.»

تغير تعبيره قليلًا، ليس إلى غضب، بل إلى شيء أبرد.

قال بهدوء: «لقد دخلتِ تلك الغرفة بالفعل. لقد تجاوزتِ الحد.»

مرّ نسيم خفيف في الفناء، لكنه لم يبرد جلدي.

شعرت بالعرق يتجمع عند قاعدة عنقي.

سألته: «ما هي؟ من هي؟»

تأمل وجهي بعناية، تقريبًا بطريقة سريرية، كطبيب يفحص مريضًا.

قال: «لم يكن من المفترض أن تكتشفي قبل الشهر التاسع.»

لم أفهم كلماته في البداية.

«الشهر التاسع من ماذا؟» طالبتُ

قال وهو ينظر في عينيّ بثبات:

«هي ليست نسخة… إنها بديلة.»

تجمد الدم في عروقي.

«بديلة… لمن؟» سألت بصوت مرتعش.

تنفّس ببطء، وكأنه يسترجع ذكرى قديمة.

«لزوجتي.»

شعرت بأن الأرض تميد بي.

«أنا زوجتك!» صرخت.

هزّ رأسه ببطء.

«أنتِ زوجتي الثانية… المؤقتة.»

لم أفهم.

لم أستطع حتى استيعاب الكلمات.

أشار نحو الأسفل، حيث الغرفة المخفية تحت السرير.

«هي زوجتي الأولى. أحببتها أكثر مما أحببت أي شيء في حياتي. أعطيتها كل شيء… اسمي، بيتي، ثروتي.»

اقترب خطوة، وصوته أصبح أبرد.

«ثم خدعتني حاولت تركي من اجل شخص آخر. كانت ستتركني… بعد كل ما بنيته لها.»

شهقتُ.

«فاحتجزتها؟!»

«أنقذتها»، صحّح بهدوء غريب.

«كانت حاملاً عندما اكتشفت الأمر. لم أستطع قتلها… ليس قبل أن تلد.»

شعرت بالغثيان.

«وعندما تلد؟» همست.

نظر إليّ نظرة طويلة، خالية من التردد.

«سأخفيها. بعيدًا. في مكان لن تجد فيه طريقًا للهرب مرة أخرى.»

ارتجفت أصابعي.

«ولماذا أنا؟»

ابتسم ابتسامة باهتة.

«لأنني احتجت امرأة تشبهها. في الملامح… في البنية… في كل شيء تقريبًا. حتى لا يلاحظ أحد غيابها.»

الهواء أصبح ثقيلاً.

«كنتِ مثالية. من نفس المنطقة. نفس الملامح. عندما رأيتكِ أول مرة… عرفت أن القدر أعادها إليّ بنسخة مطيعة.»

«أنا لست نسخة!» صرخت.

اقترب أكثر.

«عندما تلد… سيعتقد الجميع أنها تعافت من فترة مرض طويلة. ستظهرين مكانها. بالاسم نفسه. بالحياة نفسها.»

تراجعت خطوة.

«وإن رفضت؟»

نظر إلى موسى، ثم عاد إليّ.

«لن ترفضي.»

صوته لم يكن عاليًا.

لم يحتج أن يكون.

أشار نحو السرير.

«القفل تحتنا ليس فقط لحمايتها… بل لحمايتكِ أنتِ أيضًا. من ارتكاب الأخطاء نفسها.»

شعرت بالدموع تحرق عينيّ.

«أنت مريض.»

ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

«أنا رجل يحافظ على ما يملكه.»

ثم أضاف بهدوء قاتل:

«لو لم تحاولي الهرب اليوم… ربما كنتِ عشتِ حياة طويلة ومريحة هنا. لكن الآن… جعلتِ الأمور أكثر تعقيدًا.»

في تلك اللحظة، اهتزّ الزجاج أسفل السرير بقوة خفيفة.

صوت صرخة مكتومة صعد من الأعماق.

نظر إلى الأرض… ثم إليّ.

«يبدو أن الوقت اقترب.»

وأدركتُ أنني لم أكن يومًا زوجة.

كنتُ خطة احتياطية.

وأن المرأة تحت السرير لم تكن بديلتي…

بل أنا من كنتُ بديلتها

لم أصرخ.

لم أقاوم أكثر.

فهمت شيئًا مهمًا في تلك اللحظة… أن المواجهة المباشرة لن تنقذني.

تركتُ جسدي يهدأ.

تظاهرتُ بالانهيار.

سمحتُ لهم بإعادتي إلى الغرفة، وقلت بصوت مكسور إنني متعبة وأريد أن أنام.

نظر إليّ أوبينا طويلًا، كأنه يحاول قراءة ما خلف عينيّ.

ثم أومأ لموسى بالخروج.

تلك الليلة لم أنم.

سمعت خطواته يتجول في المنزل.

سمعت الهمهمة الميكانيكية أسفل السرير.

سمعت مرة واحدة… صوت صرخة مكتومة خافتة.

انتظرت.

انتظرت حتى خمدت الأنوار في الطابق السفلي.

حتى توقف الصوت.

حتى تأكدت أن الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا.

ببطء شديد، نهضت من السرير دون أن أقترب من الحافة التي تخفي الزجاج.

لم أنظر للأسفل.

لم أجرؤ.

أخذت هاتفي، وحقيبتي الصغيرة التي كنت قد أخفيتها داخل خزانة الملابس.

خلعت حذائي حتى لا يُصدر صوتًا.

لم أذهب نحو الباب الرئيسي.

ذهبت نحو الممر الخلفي… حيث باب المطبخ المؤدي إلى الحديقة الخلفية.

كنت قد لاحظته من قبل، بابًا صغيرًا يُستخدم لإخراج القمامة.

لم أكن أعلم إن كان مقفلاً.

وضعت يدي على المقبض.

كان مفتوحًا.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى