قصص قصيرة

انا عروسة جديدة

والضرب في الخارج. سحبت حقيبة سفري الكبيرة من فوق الدولاب، وألقيت فيها ملابسي وأوراقي الرسمية وذهبي الذي اشتريته بمالي، ببرود لم أعهده في نفسي من قبل. لم أكن أبكي، بل كان قلبي يتقطع بصمت على أحلام خمسة أشهر دُفنت في دقائق بسبب فنجان قهوة وسوء ظن أسود. فتحت الباب وخرجت بالحقيبة، وكان الجيران قد اقتحموا الشقة وبدأوا يفضون النزاع بين طارق وحازم، الذي كانت أنفه تنزف وملابسه ممزقة. حين رأى الحقيبة في يدي، تجمد مكانه ونظر إليّ بصدمة، وصرخ بصوت مبحوح انتي رايحة فين؟
! والله العظيم لو رجلك خطت برة العتبة دي ما هتشوفي وشي تاني!.وقفت عند باب الشقة، التفتت ونظرت إلى سمر التي كانت تبتسم بخبث متوارية خلف أحد الجيران، ثم نظرت إلى حازم بملامح تخلو من أي مشاعر، وقلت أمام الجميع وشك ده أنا مش عايزة أشوفه تاني أصلاً. اللي يمد إيده على مراته في أول موقف ويصدق فيها كلمة من غير دليل، ميبقاش راجل يُؤتمن على حياة. ورقتي توصلي على بيت أبويا يا حازم.. ومتقلقش، الحساب لسه مبدأش.
خرجتُ ونزلت الدرج بثبات رغم ارتجاف ركبتي، متجاهلة نداءات طارق وصراخ حازم خلفي، لأخرج إلى الشارع المظلم وأنا أحمل في يدي حقيبة ملابسي، وفي صدري نية بالانتقام ورد الكرامة المسلوبة. خرجتُ إلى الشارع والرياح الباردة تصفع وجهي، لكنها لم تكن أشد قسوة من النار المشتعلة في صدري. كانت يداي ترتجفان وأنا أجر حقيبة ملابسي على الأسفلت المبلل بندى الليل، بينما عيون الجيران تطل من النوافذ بفضول قاتل ينهش في كرامتي.
وقفتُ في منتصف الطريق أتنفس بصعوبة بالغة، وكأن هواء المدينة بأكمله لا يكفي لملء رئتيّ المختنقتين. أوقفتُ سيارة أجرة بصعوبة، وألقيتُ الحقيبة في المقعد الخلفي ثم جلست، ولم أستطع حينها أن أمنع دموع القهر من الانهمار؛ بكت روحي على خمسة أشهر عشتها كخادمة مخلصة لبيت لا يعرف إلا الغدر والظلم، وعلى رجل ظننته سنداً، فإذا به أول من سدد الخنجر إلى خاصرتي وصدق كلام أفعى على شرفي. وصلتُ إلى بيت عائلتي قبل آذان الفجر بقليل. صعدتُ الدرج بخطوات متثاقلة، كأن كل درجة تحكي خيبتي.

ضغطتُ على الجرس بأصابع مرتجفة، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب وظهر والدي بوجهه الطيب المنهك، الذي تعلوه علامات الفزع حين رآني بحقيبتي، وعيناي المنتفختان، وعلامة أصابع حازم الحمراء ما زالت مرسومة بوضوح على خدي الأيسر. تجمد أبي مكانه، وسقطت مسبحته من يده، بينما خرجت أمي من غرفتها مهرولة على أثر حركته، لتطلق شهقة مكتومة شقت سكون الفجر بنتي! في إيه يا نور؟ جرالك إيه يا ضنايا؟
!.ارتميتُ في حضن أبي، وانهارت حصوني التي تصنعتُها في بيت حازم؛ بكيتُ بحرقة وشهقات متتالية كطفلة تائهة، وأبي يضمني بذراعيه القويتين، لكنني شعرتُ بعروقه تنبض غضباً وجسده ينتفض من شدة الصدمة. جلسنا في الصالة، وبدأتُ أروي لهما الحكاية من أول فنجان القهوة البائس، مروراً بافتراء سمر، وضرب حازم لي، وحتى ردي للصفعة واتهام سمر لي في شرفي. لم يقاطعني أبي بكلمة واحدة، كان ينصت وهو يحدق في الفراغ ويداه تنقبضان بقوة حتى ابيضّت مفاصلهما، بينما كانت أمي تبكي وتضرب على صدرها قائلة بنتي أنا يتقال عنها كده؟
بنتي الشريفة اللي ربيناها على الحلال والأدب تضرب ويطعن في شرفها من حتة واحدة زي دي؟!.عندما أنهيتُ حديثي، وقف أبي بهيبة وشموخ مسحا كل أثر لدموعي، وقال بصوت حاسم يشبه دوي الرعد خلص الكلام يا نور. كف يدك اللي رد الصفعة رد كرامتنا كلها، والبيت ده مفتوحلك على طول. وحقك، والله ما هنسيب منه فرفوتة، وهخليهم يزحفوا على بطونهم عشان ترضي، أو نكسر عينهم قدام الناس كلها. طلب مني أبي أن أدخل غرفتي لأرتاح وأغلق هاتفي تماماً، مؤكداً أنه لن يسمح لأحد بالتواصل معي إلا من خلاله.
في الصباح، كان البيت يغلي كمرجل. اشتعلت الاتصالات، وكان أول المتصلين طارق، سلفي. رد عليه أبي ببرود حارق عبر مكبر الصوت. كان طارق يبكي بصدق قائلاً يا عمي الحاج، حقك على راسي، والله العظيم نور بريئة وطاهرة، وسمر دي شيطانة وسوسلها عقلها لما لقيتني بهزأها، حازم عقله طار ومكنش دريان باللي بيعمله، وأنا طردت سمر عند أهلها بعد ما ربيتها ومش هترجع إلا لما تنزل تبوس راس نور قدام العيلة كلها!.
فرد عليه أبي بصوت قاطع لا رجعة فيه سمر دي تخصك انت وواجبك تأدبها، لكن حازم ابنك التاني مد إيده على بنتي وصدق فيها وسكت، وبنت الحاج رجب مش ملطشة لحد، ولا رجوع إلا بعد قعدة رجالة كبار العيلتين، واللي ليه حق هياخده ناشف أغلق أبي الهاتف في وجهه، وقبل أن ينتصف النهار، تصاعدت الأحداث بشكل لم يتوقعه أحد. اقتحم حازم برفقة أعمامه وعماته مدخل بيت أبي، محاولين الصعود للشقة للاعتذار وإرجاعي بالقوة أو بالحيلة، لكن أبي وإخوتي الشباب كانوا مستعدين.
منعوهم من دخول الباب الخارجي، وأسمعوهم كلاماً كالصوان. وقف حازم في الشارع متوسلاً، يصرخ بدموعه يا عمي، أنا ندمان، والله العظيم كنت أعمى، الغيرة عمتني وسمر لفت دماغي، اديني فرصة أعتذر لنور تحت رجليها!. لكن أخي الأكبر تقدم منه وقال له بحسم لو قربت من عتبة البيت دي تاني يا حازم، هندفنك مكانك، مفيش كلام بينا غير في المجلس العرفي يوم الجمعة الجاية، وهتشوف مين اللي هيكسر مين خلال تلك الأيام، لم أكن تلك العروس المكسورة التي تبكي في زاويتها؛ بل بدأتُ أخطط لرد الصاع صاعين.
كنتُ أعلم جيداً أن سمر لم تفعل ذلك بدافع الغيرة اللحظية، بل كان هناك دافع أكبر وأعمق خفي وراء كل ذلك الحقد. تذكرتُ هاتفاً قديماً كانت سمر تستخدمه وتنساه أحياناً في المطبخ المشترك أو في الصالة، وتذكرتُ أحاديث مريبة كانت تدور بينها وبين والدتها وشخص آخر لم أكن أهتم لمعرفته سابقاً. تواصلتُ مع إحدى قريباتها المقربات من وراء الستار، وبحيلة ذكية استطعتُ أن أصل إلى مفاجأة فجّرت الأرض تحت الجميع؛
سمر كانت على علاقة قديمة بشاب قبل زواجها من طارق، وكانت تحاول طوال الوقت إثارة المشاكل والفتن في البيت حتى تُجبر طارق على كتابة الشقة باسمها لضمان مستقبلها، وكان دخولها في شرفي محاولة خبيثة للتغطية على مصيبة أخرى كانت تخاف من فضحها. أما حازم، فقد عاش أياماً سوداء، تتنازعه نار الندم على كرامتي التي داسها، وذل الإهانة التي لقيها من عائلتي، وخوفه من أن يخسرني للأبد بعد أن بدأ يدرك حجم الكارثة التي أوقع نفسه فيها بتصديقه لكذبة رخيصة.
وجاء يوم الجمعة المشهود، واجتمع كبار العائلتين في مضيفة الحاج رجب، وجلس الجميع في انتظار بدء الحساب. كانت عيون حازم زائغة، وسمر تجلس في الركن الآخر متوارية خلف والدها ووجهها شاحب كالموتى، بينما جلستُ أنا في الغرفة المجاورة أستمع عبر الشق المفتوح للباب، وبيدي ملف كامل يحتوي على أدلة ستغير مجرى حياة كل من في الغرفة إلى الأبد.

خيم على مضيفة الحاج رجب صمت ثقيل يشبه

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى