كيس شاي
جاري كان بيرمي أكياس الشاي المستعملة من بلكونته على بلكونتي مرتين كل يوم… ولما طلبت منه يبطل، ضحك في وشي وقال بمنتهى الاستفزاز: “إنتِ ساكنة تحت… يعني طبيعي الحاجة تقع عندك!”
ما رديتش عليه. وما عملتش مشكلة. لكن لما كيس الشاي الأخير وقع على كرسي البلكونة وسبّبلي بقعة مش بتروح…
قررت إني مش هطلب منه تاني.
وفي صباح اليوم اللي بعده، قعدت في بلكونتي قبل الساعة 7، ومعايا فنجان قهوتي، ومستنية أشوفه وهو بيرمي كيس الشاي كعادته…
لأني المرة دي…
كنت مجهزة له مفاجأة تخليه يندم على كل كيس رماه عندي.
اسمي مريم.
عندي 34 سنة.
وبقالي 11 سنة ساكنة في نفس العمارة في التجمع.
العمارة مش كبيرة؛ تلات أدوار، وفي كل دور شقتين.
والحقيقة إن طول السنين اللي فاتت، عمري ما دخلت في مشكلة حقيقية مع أي حد من السكان.
كنت دايمًا بقول: الجيرة عشرة… ومش كل حاجة تستاهل خناقة.
لو حد ركن عربيته قدام مدخل العمارة، كنت بستنى.
لو حد عمل صوت عالي، كنت بقفل الشباك.
لو حد حط حاجة في طرقة السلم، كنت بشيلها وأعدي.
حتى لما قطط بعض الجيران كانت بتدخل البلكونة عندي، كنت بحط لهم أكل ومية.
كنت مقتنعة إن الإنسان لو حاول يعيش من غير ما يأذي اللي حواليه، هيلاقي نفس المعاملة.
لكن كريم علمني إن مش كل الناس بتفكر بنفس الطريقة.
كريم كان ساكن في الشقة اللي فوقي مباشرة؛ شاب في أواخر التلاتينات، متجوز وعنده بنت صغيرة.
كان شغله أغلب الوقت من البيت، ومراته سارة بتشتغل في مكان بعيد، فكان هو اللي بيقضي وقت طويل في الشقة.
أول مرة شفت كيس شاي واقع عندي، افتكرت إنه وقع بالصدفة جنب أصيص الورد، فشيلته ورميته.
بعد يومين لقيت واحد تاني، وبعد كام يوم واحد تالت.
وبعدها بدأت ألاحظ إن الأكياس مش بتقع عشوائي، بل بتنزل من نفس المكان من ناحية بلكونة كريم وفي مواعيد ثابتة: الصبح حوالي الساعة سبعة، وبالليل حوالي الساعة تسعة.
في الأول كنت بس أشيل الكيس وأرميه، لحد ما بعد أسبوعين وقع كيس شاي مبلول فوق فوطة حمام بيضا كنت ناشراها، وساب بقعة بنية كبيرة ما اختفتش تمامًا رغم الغسيل.
ساعتها طلعت خبطت على باب كريم وقلت له بهدوء إن أكياس الشاي بتقع عندي في البلكونة.
بص لي باستغراب وقال إنه بيعمل كده من غير ما يفكر، واعتذر وقال مش هتتكرر تاني.
لكن تاني يوم الصبح، تكرر الموضوع.
فضلت ساكتة حوالي تلات أسابيع لحد ما وقع كيس شاي مبلول على مخدة جديدة للكرسي وبوّظ القماش.
طلعت له تاني، وقلت له إنه لسه مستمر، فرد بسخرية: “يا مدام، ده كيس شاي!”
لما وضحت له إنه بوّظلي حاجاتي، اتسند على باب شقته وقال: “ما إنتِ ساكنة تحت… يعني طبيعي الحاجة تقع عندكم. وبعدين إنتِ محظوظة إنه شاي مش حاجة تانية!” وقفل الباب في وشي.
نزلت شقتي وأنا متضايقة، مش بس من كيس الشاي، لكن من فكرة إنه شايف إن من حقه يوسخ مكان أنا عايشة فيه لمجرد إنه ساكن فوقي، وشيفني أنا الغلطانة عشان بعترض.
وفجأة افتكرت إن بلكونتي تحت بلكونته مباشرة، وأني مركبة شبكة حماية خفيفة للقطط بتخدي أي حاجة تتحدف من فوق تتجمع في مكان محدد، وده معناه إني أقدر أثبت الدليل.
تاني يوم الساعة 7:04 الصبح، وقفت في البلكونة وسمعت باب فوق بيتفتح؛ ظهر كريم ورما كيس الشاي فوقع في بلكونتي بالظبط.
دخلت عملت قهوة، وبدأت أجهز خطة أبسط بكتير من الانتقام، خطة تخليه يفهم إن اللي بيعمله مش شيء عادي.
تاني يوم الصبح، وقفت وفي إيدي فنجان القهوة مستنية كريم.
الساعة 6:58 ظهر ورم كيس الشاي، لكن المرة دي اتعلق في الشبكة الصغيرة اللي ركبتها في طرف البلكونة وبقى ظاهر قدامه.
بص للكيس ولتحت ثم بص لي.
رفعت فنجان القهوة وقلت: “صباح الخير يا كريم. واضح إن أكياسك أخيرًا قررت تستناك بدل ما تقع عندي.”
قال بعصبية: “إنتِ عملتي إيه؟”
قلت: “ولا حاجة، بس كنت حابة اعرف الأكياس بتيجي منين، وعرفت.”
حطيت قدامه كيس صغير وقلت: “أنا مش عايزة أعمل مشكلة، بس بحاول أخليك توقف.”
ضحك بسخرية وقال: “يعني هتوقفيلي حياتي عشان أكياس شاي؟”
قلت له: “لأ… إنت اللي وقفت راحتي عشان أكياس شاي.”
دخل الشقة وقفل باب البلكونة بعنف.
افتكرت الموضوع خلص، لكن في نفس الليلة الساعة تسعة، لقيت كيس شاي واقع على الأرض وجنبه ورقة مكتوب عليها: “مش هتقدري تمنعيني.”
وقتها فهمت إن الموضوع بقى متعمد.
بدأت أحط كل كيس شاي في كيس منفصل وأكتب عليه التاريخ والساعة، وأجمعهم من غير ما أزعق ولا أعمل مشاكل.
بعد أسبوع، وأنا بجمع الأكياس، ظهر كريم وقال: “ارميها.”
قلت: “لأ، دي بقت عندي.”
قال بغضب: “إنتِ مجنونة؟”
قلت: “لأ، بس بدأت أحب الاحتفاظ بالحاجات اللي بتقع عندي.”
في اليوم التالي، الساعة 7:20 الصبح، حصل خبط شديد على باب شقتي؛ لقيت أستاذ عماد رئيس اتحاد الملاك ومعه جارنا أستاذ سامح.
قال عماد: “مريم، كريم بيقول إنك بتصوريه من البلكونة.”
طلعتهم معايا البلكونة وأشرت للشبكة ووريتهم كيس التجميع بالتواريخ.
وفجأة سمعنا صوت كريم من فوق بينزل على السلم وبيقول: “دي بتصورني!”
عماد قال: “يا كريم، اهدى.”
كريم قال: “دي من أول يوم وهي بتدور على مشكلة معايا.”
قلت: “طيب قول لهم مين اللي بدأ.”
عماد قال: “يا كريم، لو الأكياس منك فعلًا، خلص الموضوع واعتذر.”
كريم رد: “مش هعتذر على حاجة بسيطة زي دي.”
دخلت شقتي وقلت إن الموضوع انتهى بالنسبة لي.
لكن بعدها بيوم، لقيت مياه بتنقط من سقف البلكونة بشكل مستمر. جبنا سباك وقال إن التسريب من عند أرضية بلكونة الشقة اللي فوق.
طلعت لكريم، قال إنه مش فاضي ومقفل الباب.
جبت سباك تاني وتالت وأكدوا نفس الكلام. وثقت كل حاجة بالصور والفيديو والفواتير والتواريخ، وكنت مستنية لأن عندي إحساس إنه مخبي حاجة تانية.
بعد أسبوع، رجعت من الشغل لقيت ست كبيرة واقفة قدام باب كريم، طلعت أمه.
بعد ما دخلت، سمعت والدته بتقول له: “هو إنت رجعت تعمل مشاكل مع الجيران؟”
بعد يومين، قابلت والدته في مدخل العمارة وقعدنا سوا.
قالت لي إنها عارفة موضوع الشاي، وإن كريم غلطان ومش هيعترف بسهولة، وطلبت مني ما تكبرش الموضوع، وقالت جملة غريبة: “خلي بالك… كريم عنده مشكلة مع الناس اللي بتحسسه إن حد بيتحكم فيه، وبيكره حد يقوله اعمل إيه.”
في اجتماع لسكان العمارة يوم الجمعة، اتكلم عماد عن مشكلة التسريب، وكريم أنكر كالعادة وقال إن الفنيين بيقولوا أي كلام.
قلت: “طيب خلينا نثبت حاجة واحدة، أنا عندي صور لكل أكياس الشاي اللي نزلت من بلكونتك، ولو مصر إنها مش منك، أنا ممكن أطلب فحص كاميرات مدخل العمارة.”
هنا اتغيرت ملامحه وقال: “مش محتاجين كاميرات.” ومشي وهو بيبص لي نظرة غريبة.



