قصص قصيرة

رمى في وشها حكاوى شيمو

في البيت كأنه مش موجود.
مبقاش بيخرج مع أصحابه، ولا بيهتم بالشغل زي الأول.
هدى دخلت عليه المكتب ولقته قاعد قدام صورة بسمة.
قالت
لسه زعلان؟
رد بصوت مكسور
أنا ضيعتها يا ماما.
هدى قعدت جنبه.
إنت مش ضيعتها، إنت جرحتها. وفي فرق كبير.
ليث بص لها.
أنا مش عارف أرجعها إزاي.
هدى قالت
متروحش لها بفلوسك ولا بنفوذك. روح لها بقلبك، ولو رفضت، احترم قرارها.
ليث هز راسه.
في اليوم التالي، راح المحل.
بسمة كانت واقفة بتراجع شحنة جديدة، ولما شافته اتفاجئت.
خير يا ليث؟
قال
مش جاي أطلب منك ترجعي.
استغربت.
كمل
أنا جاي أقولك إنك كنتِ صح. أنا كنت فاكر إن كل حاجة ممكن تتجاب بالفلوس، حتى الناس. لكن إنتِ علمتيني إن فيه حاجات لو اتكسرت، مش بتتصلح بسهولة.
بسمة سكتت.
ليث حط ظرف صغير على المكتب.
قالت بسرعة
إيه ده؟
أوراق إنهاء الشراكة بينا في المشروع.
بسمة اتفاجئت.
قال
أنا مش عايزك تحسي إنك مرتبطة بيا بسبب الشغل. المحل ملكك بالكامل، ونصيبي هيتحول لك هدية من غير أي مقابل.
بسمة فتحت الورق، لكنها لقت إنه كاتب تنازل رسمي عن حصته.
رفعت عينيها له.
ليه عملت كده؟
ابتسم بحزن.
لأن ده حقك. وإنتِ تستاهلي يكون عندك حاجة باسمك، من غير ما تكوني مدينة لحد.
بسمة دمعت عينيها.
ليث كمل
أنا بحبك، وهفضل أحبك، بس مش هطلب منك حاجة. لو في يوم حسيتي إنك ممكن تديلي فرصة، هكون أسعد إنسان. ولو لأ، هفضل أتمنى لك الخير.
ومشي.
بسمة فضلت واقفة مكانها، والدموع في عينيها.
ولأول مرة، حسّت إنه بيحبها فعلًا، لأنه اختار يسيب لها حرية الاختيار.
بعد شهر، بسمة كانت بتحضر لعرض أزياء صغير بمناسبة افتتاح فرعها الجديد.
كانت متوترة جدًا، وكل حاجة تقريبًا كانت جاهزة.
لكن قبل العرض بساعات، حصلت مشكلة كبيرة.
الشحنة الأساسية من الأقمشة اتأخرت بسبب خطأ من شركة النقل، وبعض الفساتين مكانتش جاهزة.
بسمة كانت على وشك الاڼهيار.
اتصلت بالموردين، لكن محدش قدر يساعدها في الوقت المناسب.
فجأة، دخلت هدى المحل.
إيه يا بنتي؟ مالك؟
بسمة حكت لها.
هدى ابتسمت وقالت
متقلقيش. أنا أعرف مكان فيه أقمشة كويسة، وهنحل الموضوع.
وبالفعل، قدرت توفر لها جزء من الخامات المطلوبة.
وبعدها بساعة، دخل ليث.
بسمة اتفاجئت.
إنت عرفت منين؟
قال
ماما كلمتني، وقالت إنك في مشكلة.
بسمة قالت
أنا هتصرف.
رد
عارف. وأنا مش جاي أتصرف بدالك. أنا جاي أساعد لو محتاجة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
محتاجاك تساعدني في نقل الحاجات.
ابتسم.
من عيني.
فضل معاها طول اليوم، وشال الصناديق بنفسه، وساعد العمال في ترتيب المكان، ومرة واحدة بسمة ضحكت لما شافته ماسك شماعة فستان بطريقة غلط.
قالت
يا نهار أبيض! هتبوظلي الشغل!
ضحك
أنا مهندس مش شماعجي!
ردت
واضح إنك محتاج تدريب.
ضحكوا سوا.
وكانت أول مرة من شهور يضحكوا من قلبهم.
جاء موعد العرض.
المكان كان مليان، والناس معجبة بالتصميمات.
بسمة وقفت في آخر العرض، لابسة فستان من تصميمها، بسيط وأنيق، وشعرها متسدل على كتفها.
كانت جميلة بشكل مختلف، جمال واحدة تعبت ووصلت لحلمها بنفسها.
ليث كان واقف بعيد، بيتفرج عليها بفخر.
لما خلص العرض، الناس صفقت لها بحرارة.
هدى حضنتها وقالت
أنا فخورة بيكي يا بنتي.
بسمة عيطت من الفرحة.
وبعد ما الناس بدأت تمشي، ليث قرب منها.
قال
مبروك يا صاحبة أكبر حلم.
بسمة ابتسمت.
الله يبارك فيك.
مد لها علبة صغيرة.
بسمة بصت لها باستغراب.
إيه ده؟
افتحيها.
فتحتها، ولقت خاتم بسيط جدًا، من غير فصوص كبيرة ولا مبالغة.
بصتله.
ليث قال
مش جاي أطلب منك تتجوزيني تاني، لأنك لسه مراتي على الورق، ومش جاي أطلب منك تنسي أي حاجة. أنا بس عايز أبدأ معاكي من الأول، بس المرة دي بإرادتك.
بسمة بصت للخاتم، وبعدين قالت
فاكر أول يوم جوازنا؟
ليث نزل عينيه.
عمري ما هنساه.
بسمة قالت
رميت عليا قميص نوم وقلتلي خمس دقايق أغير الخيمة اللي لابساها.
ليث وشه احمر من الإحراج.
كنت غبي.
ضحكت بسمة وسط دموعها.
كنت أكتر من غبي.
ضحك هو كمان.
وبعدين قالت
أنا مش هقولك إني نسيت. أنا لسه فاكرة كل كلمة قلتها، وكل مرة حسستني فيها إني أقل منك.
ليث هز راسه.
وعندك حق.
كملت
بس أنا كمان شفتك وإنت بتتغير، وشفتك وإنت بتساعدني من غير ما تطلب مقابل، وشفتك وإنت بتسيبلي حرية الاختيار.
ليث كان سامعها وقلبه بيدق بسرعة.
بسمة أخدت الخاتم وقالت
أنا موافقة نبدأ من جديد.
ليث فضل باصصلها مش مصدق.
بجد؟
ابتسمت.
بجد يا ليث.
قرب منها، لكنه وقف قبل ما يحضنها وسألها
ينفع أحضنك؟
بسمة ضحكت وقالت
ينفع.
حضنها بحب، وهي لأول مرة تحس إنها مش مضطرة تكون قوية طول الوقت.
بعد ست شهور.
كانت بسمة واقفة في البلكونة، بتبص للحديقة، وليث خرج لها ومعاه كوبين عصير.
قال
بتفكري في إيه؟
ابتسمت
فاكرة أول يوم دخلت فيه البيت هنا؟
ضحك.
أنا فاكر كويس. وعايز أمحي اليوم ده من التاريخ.
بسمة ضحكت.
لأ، خليه. عشان يفضل يفكرك إن الإنسان ممكن يتغير، بس لازم يتحمل نتيجة أخطائه.
ليث حط الكوب على الترابيزة، ومسك إيدها.
عارفة أنا اكتشفت إيه؟
إيه؟
إن أنا كنت بدور على وريث للعيلة، ونسيت إني محتاج أبقى إنسان يستاهل يكون عنده عيلة.
بسمة بصت له بحب.
قال
وإني كنت فاكر إن الرجولة إني أفرض كلمتي، لكن اتعلمت إنها إني أسمع، وأحترم، وأحافظ على اللي بحبه.
بسمة ابتسمت وقالت
أهو كده بقيت راجل.
ضحك، وبعدين حط إيده على بطنها برفق.
كانت بسمة حامل في الشهر الرابع.
ليث بص لبطنها وقال بسعادة
تفتكري ولد ولا بنت؟
بسمة ردت
مش فارقة.
ليث ابتسم.
عندي أهم من النوع كله.
إيه؟
إنه يطلع عنده قلب زي قلبك.
بسمة ضحكت.
بس يا سيدي، ده إنت بقيت شاعر!
في اللحظة دي، هدى خرجت للبلكونة وهي بتضحك.
إنتوا لسه واقفين هنا؟ تعالوا، الغدا جاهز.
ليث رد
جايين يا ماما.
هدى قربت من بسمة وباست راسها.
ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
بسمة ابتسمت.
آمين.
هدى بصت لابنها وقالت
عارف يا ليث؟ أنا كنت خاېفة عليك من نفسك.
ليث ضحك.
وأنا كمان يا ماما.
وبعد شهور، جه اليوم اللي استقبلوا فيه طفلتهم الأولى.
ليث كان واقف قدام غرفة العمليات، مش قادر يقعد من التوتر.
ولما الدكتور خرج وقاله
مبروك، مراتك كويسة، وجالك بنت زي القمر.
ليث عينيه دمعت.
دخل شاف بسمة شايلة الطفلة، وقرب منها وباس راسها.
قال بصوت مبحوح
الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
بسمة ابتسمت.
تحب تشيل بنتك؟
ليث شال الصغيرة بحذر شديد، وبص لوشها الصغير.
هنسميها إيه؟
بسمة قالت
أنا كنت بفكر في اسم ليان.
ليث ابتسم.
ليان.. اسم جميل أوي.
وبص لبنته وقال
يا ليان، أوعدك إني عمري ما أخليكي تحسي إنك أقل من أي حد، ولا إن قيمتك مرتبطة بفلوس أو شكل أو أي حاجة.
بسمة دمعت من كلامه.
ليث بص لها وقال
وأوعدك إنتِ كمان، إن عمري ما هنسى إنك ډخلتي حياتي وإنتِ شايلة خۏفك ووجعك، وأنا بدل ما أطمنك، كنت سبب في وجعك.
بسمة مسكت إيده.
خلاص يا ليث، إحنا اتعلمنا.
ابتسم وقال
بس فيه حاجة لسه عايز أعملها.
إيه؟
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت صورة ليها في أول يوم دخلت فيه البيت، بالنقاب الأبيض.
بسمة استغربت.
إنت محتفظ بالصورة دي ليه؟
قال
عشان كل ما أشوفها أفتكر إن الست اللي كنت فاكرها مجرد خدامة، كانت أغنى مني بكتير.
بسمة ضحكت.
أغنى منك في إيه؟
ليث رد وهو بيبصلها
في كرامتها، وفي قلبها، وفي قدرتها إنها تسامح من غير ما تنسى نفسها.
وباس إيدها.
وفي عيد ميلاد ليان الأول، العيلة كلها اتجمعت في الحديقة.
سحر كانت موجودة، وبقت صديقة قريبة لبسمة، وكانت بتشتغل في مركز رعاية الأطفال وحققت نجاح كبير في حياتها.
أما هدى، فكانت شايلة حفيدتها ومش قادرة تبطل ضحك.
الجد قرب من ليث وقاله
ها يا ليث، بقيت مبسوط بالوريث؟
ليث بص لبنته وقال
دي مش وريثتي يا جدي، دي بنتي. ومهما خلفت بعدها، هي ليها نفس الحب ونفس المكانة.
الجد ابتسم وربت على كتفه.
بسمة كانت واقفة
بعيد بتتفرج عليهم، وليث لمحها، فساب كل الناس وراح لها.
مسك إيدها وقال
تعالي يا ملكة.
ضحكت
ملكة إيه؟
ملكة البيت اللي علمتني يعني إيه بيت.
وبعدين أخرج من جيبه صورة صغيرة كانت مكتوب عليها جملة واحدة
في يوم رميت في وشها قميص نوم وقلت لها إنها مجرد خيمة… وبعد سنين اكتشفت إن الخيمة اللي كنت بسخر منها كانت ساترة قلب أنضف من قلبي بكتير.
بسمة ضحكت ودموعها نزلت.
قالت له
بس أوعى تنسى إنك كنت محتاج تتربى من الأول.
ضحك ليث وقال
أنا لسه بتعلم على إيدك.
وبين ضحكات العيلة وصوت ليان وهي بتلعب، ليث بص لمراته وقال
عارفة يا بسمة؟ لو رجع بيا الزمن، كنت هختار أحبك من أول مرة أشوفك فيها.
بسمة ردت وهي بتبص في عينيه
وأنا لو رجع بيا الزمن، كنت هختار نفسي الأول.
ليث اتفاجئ من الجملة، لكنها كملت بابتسامة
وبعدين لو ربنا كاتب لنا نلتقي، كنت هختارك وإنت الإنسان اللي بقيت عليه دلوقتي.
ابتسم ليث وحضنها.
والحقيقة إن بسمة ما كسبتش ليث لما لبست الحرير، ولا لما خلفت له الوريث، ولا لما ساعدته ينقذ شركته… هي كسبته يوم ما رفضت تسمح له يكسر كرامتها، ويوم ما عرف إن الحب مش إنك تملك إنسان، الحب إنك تبقى الشخص اللي يختار يعيش معاك وهو مطمن.
تمت بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى