قصص قصيرة

كان الابن الصغير للملياردير يتألّم بلا توقّف إلى أن نزعت المربية شيئًا غامضًا من رأسه.

جاء في التوقيت نفسه الذي أصبحت فيه إيرين جزءا من حياتهما.
كان كل تفصيل يعود إليه الآن مثل ضوء كاشف يفضح ما لم يجرؤ على رؤيته.
رفع رأسه نحو باولا وعيناه متسعتان برعب أب متأخر الفهم.
همس بصوت مرتجف
لا لا. لا يمكن أن تفعل ذلك. ليست إيرين ليست هي.
لم تطرف باولا. لم تهتز. لم تتراجع.
قالت بثبات امرأة عرفت الألم وواجهته
بل تستطيع. وأكثر.
كانت كلماتها كالسياط على روحه.
فجأة انهار جزء من الصورة المثالية التي بناها في ذهنه عن زوجته الثانية المرأة الأنيقة المتقنة المتحدثة اللبقة التي أخذت مكانا أكبر بكثير مما تستحق.
لكنه لم ير أو لم يشأ أن يرى الجانب المظلم الذي كانت تخفيه
خلف ابتسامة براقة وصوت ناعم.
مرت ساعات طويلة بعد تلك المواجهةطوالها لم يذق جوناس طعم الهواء.
كان يجلس قرب سرير ابنه بلا حراك ممسكا بشوكة الصبار كأنها دليل على جريمة ضد الإنسانية وليس مجرد أداة نباتية صغيرة.
وكان كل تنفس من فيليكس تذكيرا بأن سوء الظن ليس خيانة بل قد يكون واجبا.
وحين عادت إيرين إلىالقصر انساب صوتها عبر الردهة قبل أن تظهر.
ضحكة ناعمة. نقرة كعب. رائحة عطر فخم تسبقها بخطوات.
دخلت وهي تحمل حقيبتها الصغيرة كأن الحياة كلها ملك يمينها.
لكنها توقفت عندما رأت الضباط يقفون بوجوه جامدة.
وعندما رأته رأته هوجوناسواقفا في منتصف الردهة بكيس الأدلة الشفاف في يده ووجهه بلا لون ولا روح.
قال بصوت منخفض منهك كأنه رجل خرج من حرب خاسرة
إيرين لقد عرفوا.
تجمد جسدها.
المرأة التي لم ترتبك يوما والتي طالما تلاعبت بالكلمات والمواقف ببراعة ساحر وجدت نفسها فجأة عارية أمام الحقيقة.
انكمش بريق ابتسامتها وانهارت الأقنعة التي نسجتها بعناية.
صرخت بصوت متقطع
جوناس ما هذا ما الذي تتهمني به أنت لا تفهم!
لكن جوناس لم يرفع عينيه عنها.
لم يكن بحاجة لشرح.
كان التعبير على وجهه كافيا ليكسر آخر خيط من خداعها.
تقدم الضباط نحوها بخطوات محسوبة.
انغلقت الأصفاد حول معصميها ببرودة معدنية.
تصلبت عضلات وجهها واندفعت دموعها لكنها لم تكن دموع ندم
كانت دموع غضب امرأة سقطت خطتها.
صرخت وهي تساق خارج القصر
لقد دمرت كل شيء! كان يجب أن يكون لي هذا البيت لك لطفلك!
لم يرد جوناس.
كان واقفا كتمثال لا يملك الكلمات ولا القدرة على الحركة.
ظلت الصرخة تتردد في أرجاء الردهة حتى بعد إغلاق الباب.
ومرت الأيام الأولى بعد القبض عليها ببطء مرعب.
القصر الذي كان يعج بالنشاط صار هادئا كبيت مهجور.
الموظفون يمشون على أطراف أصابعهم كأنهم يخشون أن تستيقظ الفاجعة مرة أخرى.
جوناس بالكاد ينام.
فيليكس يتعافى من الألم ومن الخوف.
أما باولا فكانت مثل الجذر الثابت الذي تمسك الأرض تحت أقدام الجميع.
وبعد ثلاثة أشهر تغير القصر كما لو أن لعنته زالت.
انفتحت النوافذ التي كانت مغلقة دائما.
اختفت رائحة المطهرات التي كانت تخنق الهواء.
صار ضوء الشمس يدخل بلا قيود يغسل الجدران ويعيد لها الحياة.
وفي الحديقة ركض فيليكس بين الأشجار يضحك بصوت لم يسمعه أحد منذ عام كامل.
ضوء خفيف على وجهه وندبة صغيرة تحت شعره تذكر بما نجا منه.
لكن لا شيء آخر بقي.
الألم تلاشى والمأساة انطوت صفحاتها.
جلست باولا على مقعد خشبي قريب تخيط لحافا جديدا لغرفة الطفل.
كانت حركتها هادئة تشبه دقات قلب أم لم ينجبها لكن تبنتها الرحمة.
اقترب جوناس منها بخطوات مترددة كأنه يقترب من حجر أساس في حياته الجديدة.
وضع يده على كتفها وكانت تلك اللمسة اعترافا كاملا صامتا بكل ما تدين به الأسرة لها.
قال بصوت مختنق بالمشاعر التي حاول كبحها
باولا لقد منحت ابني حياته من جديد.
ابتسمت ابتسامة تعبر عن حكمة امرأة رأت من الدنيا ما يكفي لتعرف
أن الشفاء لا يأتي دائما من العلم وحده.
هيستغرق لحظة قبل أن تقول
أنا فقط استمعت إلى ما تجاهلته الآلات.
جلس جوناس بجانبها وهو لا يعلم كيف يبدأ حياة جديدة بعد انهيار القديمة.
لكنه قال أخيرا بصوت يشبه وعدا
ابقي معنا ليس كعاملة. بل كجزء من العائلة.
لم تتوقع أن تسمع هذه الكلمات فارتجفت أصابعها بخفة.
لكن جوابها لم يأت بالكلمات.
بل جاء حين ركض فيليكس نحوها فاتحا ذراعيه كأنه يعرف أن قلبه اختارها منذ البداية.
باولا بقوة أمية فطرية.
اختفى الألم.
وانفتح باب لحياة جديدة
حياة فيها الثقة أساس
والأمان سقف
والمستقبل لا يصنع بالخوف بل بالحب.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى