
الغرفة 412-C لا تزال تراقب… قصة لم يستطع الطب ولا القانون تفسيرها
ساعات.
شاشات تومض ثم تنطفئ.
مستشعرات تعطي قراءات مستحيلة.
الفنيون كانوا يدخلون يفحصون يخرجون.
وفي كل مرة
كان الشعور ذاته يتكرر.
ثقل في الصدر.
صمت غير مريح.
إحساس بأن الغرفة لا تفرغ بعد مغادرتهم.
حين حولت الغرفة إلى مكتب
لم يتحسن الوضع.
الموظفون الذين جلسوا فيها لفترات طويلة اشتكوا من صداع مفاجئ.
إرهاق غير مبرر.
توتر دون سبب.
لم يذكر أحد كلمة خوف.
لكن الطلبات بالنقل كانت واضحة.
وفي النهاية تركت الغرفة.
مرة أخرى.
لم تغلق نهائيا
لكنها لم تستخدم.
حتى اليوم يرفض عمال الصيانة دخولها بمفردهم.
ليس خوفا معلنا
بل اتفاقا صامتا.
يقولون إن الغرفة لا تبدو مسكونة.
لا أصوات.
لا حركة.
لا ظلال.
لكنها ليست فارغة.
كأن هناك حضورا لا يحتاج إلى دليل.
في أحد التقارير غير الرسمية قال فني قديم قضى أكثر من ثلاثين عاما بين جدران المستشفى وشهد ما يكفي من الموت ليعتاد الصمت عبارة لم تدون في أي سجل ولم تنسب إليه رسميا
أسوأ ما في الغرفة ليس ما تراه
بل ما تشعر أنه يراك.
لم يكن صوته مرتجفا حين قالها ولا حاول أن يبدو غامضا.
قالها ببساطة رجل أنهكته التجربة كأنه يصف حقيقة بديهية لا تحتاج إلى إثبات.
وأضاف بعدها بصوت أخفض أن الغرفة لا تشبه الأماكن المهجورة لأن المهجور مهما طال غيابه يبقى فارغا.
أما تلك الغرفة فكانت دائما ممتلئة بشيء لا اسم له.
وفي النهاية لم يثبت أحد شيئا.
لم ترفع قضية.
لم تفتح محكمة.
لم يستدع خبير.
لم يكتب تقرير نهائي يحمل توقيعا مسؤولا.
لم يكن هناك دليل يمكن تقديمه أمام القضاة دون أن يبدو سخيفا أو مختلا.
ولا تشخيص طبي يمكن إدراجه في كتب الطب دون أن يهدم ما بني من مناهج ونظريات.
ولا تفسير عقلاني قادر على جمع كل الخيوط في سرد واحد متماسك دون أن يتمزق عند أول سؤال جاد.
كل ما وجد
كان فراغا مملوءا.
كان هناك فقط أثر.
أثر لا يمكن الإمساك به ولا قياسه ولا تصويره من زاوية واحدة.
أثر لا يسجل في الملفات لكنه يبقى في الذاكرة.
يظهر في تصرفات الناس في ترددهم في نظراتهم السريعة نحو زوايا الغرف وفي قراراتهم غير المعلنة بالابتعاد.
كان أثرا يلتصق بالمكان أكثر مما يلتصق بالحدث.
بعض الأبواب حين تفتح لا تغلق بعنف.
لا تصدر صريرا ولا تصرخ بمفصلاتها ولا تعلن عن نهايتها بصوت حاد.
إنها تترك مواربة.
كأن اليد التي فتحتها لم تكن متأكدة إن كان ينبغي لها أن تغلقها أصلا.
كأن شيئا ما في الجهة الأخرى يحتاج هذا الفراغ الصغير
هذا الشق الضيق بين الانفتاح والإغلاق.
فتظل الأبواب تنتظر.
وفي الانتظار لا يحدث شيء يمكن الإشارة إليه مباشرة.
لا أشباح.
لا ظلال واضحة.
لا خطوات تسمع.
لكن الإحساس لا يغيب.
وفي الساعات الصامتة قبل الفجر
حين تخف الحركة في الممرات
وتتباطأ الأنفاس في الغرف
وحين تصبح المستشفيات كائنات حية تتنفس ببطء
تبدأ الأجهزة بالهمس.
ليس صوتا حقيقيا
بل إيقاعا منتظما يشبه نبض القلوب البعيدة
قلوب لا ترى لكنها تحس.
في تلك الساعات
توجد أماكن تومض فيها الأضواء دون سبب واضح.
ليس بسبب خلل كهربائي يمكن إصلاحه.
ولا بسبب أسلاك قديمة يمكن استبدالها.
ولا نتيجة تماس عابر أو خطأ هندسي.
بل لأن شيئا ما
في الجهة الأخرى من الفهم
في المساحة التي لا تصلها الأدوات ولا القوانين
لا يزال مستيقظا.
لا يتحرك.
لا يطرق.
لا يقتحم.
لكنه حاضر.
يراقب.
ليس بعين ترى
ولا بنية تفهم
بل بحضور ثقيل لا يحتاج إلى إثبات.
ينتظر.
ليس انتظار الصياد لفريسته
ولا انتظار العدو لهجومه
بل انتظار من يعرف أن الزمن يعمل لصالحه.
ويتذكر.
يتذكر الليالي الطويلة
والنوبات الممتدة
والأقدام التي لم تغادر الغرفة حين كان الجميع يبتعد.
يتذكر الممرضات اللواتي بقين طوال الليل
حين كان الصمت أعمق من الكلام
وحين لم يكن هناك شهود سوى الجدران
والأجهزة
وذلك الشيء الذي لا اسم له
ولا ينسى.





