
تزوّجتُ صديق زوجي الراحل… لكنّ ما كشفه لي ليلة الزفاف قلب حياتي رأسًا على عقب
بلغت الثالثة عشرة وقالت
أنا سعيدة لأن أبي وجد من يجعله يبتسم من جديد.
كدت أنهار.
وحين غادر آخر الضيوف قدنا السيارة إلى بيت دانبيتنا الآنوشعرت بخفة لم أعرفها منذ سنوات. ربما أستطيع فعل هذا. ربما أستطيع أن أكون سعيدة من جديد.
خلعت حذائي وذهبت لأغسل وجهي ولا تزال ابتسامات تلك الليلة تعود إلي. عندما عدت إلى غرفة النوم توقعت أن أجد دان يبدل ملابسه.
لكنه كان واقفا أمام الخزنة في الخزانة. كان جسده متيبسا ويداه ترتجفان.
قلت ضاحكة لأخفف التوتر
دان ما الأمر هل أنت متوتر
لم يلتفت. لم يجب.
قلت بقلق
دان بجد أنت تخيفني.
حين استدار أخيرا حبس منظره أنفاسي. ذنب خام ساحق وخوف.
همس
هناك شيء يجب أن أريك إياه. شيء في الخزنة عليك قراءته قبل أن نكمل هذه الليلة ونغلق بابها على بداية جديدة.
سقط قلبي.
عم تتحدث
ارتجفت يداه وهو يدخل الرمز. انفتحت الخزنة بصوت عال في الغرفة الصامتة.
قال بصوت مكسور
أنا آسف. كان ينبغي أن أخبرك أبكر.
أخرج ظرفا أبيض بسيطا مهترئ الحواف لكثرة ما لمس. بداخله هاتف قديم.
قلت بصوت خافت
ما هذا
قال
هاتفي القديم. وجدته ابنتي قبل أسابيع. شحنته ووجدت
ثم فتح الرسائل وأدار الشاشة نحوي.
كانت محادثة بينه وبين بيتر منذ سبع سنوات قبل وفاة بيتر. مرر دان الرسائل. في البداية مزاح عادي ثم تغير الحديث.
قرأته وأنا أشعر بالبرد يسري في يدي.
دان أحيانا أنظر إلى ما لديك وأتساءل إن كنت سأكون محظوظا مثلك يوما. أنت وإيزابيل منسجمان حقا.
بيتر ستجد نصيبك. يحتاج الأمر وقتا.
دان نعم لكن بصراحة لقد ربحت اليانصيب معها. إنها رائعة. أنت محظوظ.
بيتر لا. بجد. لا تذهب إلى هناك.
بيتر أعدني ألا تحاول شيئا معها أبدا. إنها زوجتي. لا تتجاوز هذا الخط.
تجمعت الكلمات أمام عيني. فهمت كل شيء.
قال دان بصوت مرتجف
نسيت هذه المحادثة تماما. كنت في أسوأ حالاتي. زواجي ينهار. رأيتكما في حفلة شواء وقلت شيئا غبيا. لم أخطط لشيء. أقسم. كنت زوجته.
جلس على حافة السرير رأسه بين يديه.
حين تقاربنا بعد موته لم يكن تلاعبا. كان قد رحل منذ سنوات. لكن عندما وجدت الرسالة كنا قد أرسلنا الدعوات. فذعرت. ماذا لو كسرت وعدي ماذا لو استغللت ضعفك
قال
أحتاج أن أعرف الحقيقة. هل تعتقدين أنني تلاعبت بك
سألته بهدوء
هل تحبني
قال نعم. نعم بكل قلبي.
اقتربت ووضعت يدي على كتفه مطمئنة.
قلت وأنا أثبت نظري في عينيه المرتجفتين
لم يخطط بيتر للموت. لم يكن أحد منا مستعدا لتلك النهاية المفاجئة. ولو كان هنا الآن ولو استطاع أن يرانا كما نحن لما شعر بالغضب أو الخيانة بل بالطمأنينة. كان سيرتاح لأنه يعرف أنني لم أقع في يد رجل أناني بل انتهيت مع رجل طيب رجل لم يضغط علي يوما ولم يستغل هشاشتي ولم يجعل ألمي سلما لرغباته. رجل يعذب نفسه اليوم بسبب رسالة كتبت قبل سبع سنوات في زمن كان الجميع فيه أضعف مما نحب الاعتراف به.
انهارت دموعه عندها دموعا صامتة لم تحمل ندما فقط بل خوفا قديما ظل حبيس صدره طويلا.
قلت بهدوء أعمق
لم تكسر وعدا. لم تخنه. الحياة هي التي حدثت. الفقد حدث. التغيير حدث. وما بين ذلك بقينا بشرا نحاول النجاة. وهذا إنساني.
همس بصوت مبحوح
كنت خائفا خائفا من نفسي ومن نظرتك إلي إن عرفت كل شيء.
أجبته وأنا أبتسم عبر الدموع
وأعرف. أعرف هذا الخوف جيدا. ولهذا بالضبط أعلم أنك الشخص المناسب. لأن من يخاف أن يجرح لا يكون جلادا. ومن يراجع نفسه إلى هذا الحد لا يكون خائنا.
ابتسمنا رغم الدموع وتلاقت أيدينا في مصافحة دافئة تقول سنكمل معا.
في تلك الليلة لم يكن هناك صخب أو استعجال. جلسنا متقابلين وتحدثنا طويلا. قطعنا عهودا جديدة لا تكتب على الورق ولا تقال أمام الناس بل تغرس في القلب. عهودا تقوم على الصدق وعلى ألا نهرب من الأسئلة الصعبة وعلى أن نكون ملجأ لا عبئا وسندا لا خوفا.
مر شهران منذ تلك الليلة. شهران لم يكونا مثاليين لكنهما كانا حقيقيين. وكل صباح أستيقظ فيه إلى جانبه أشعر بيقين هادئ بأنني اخترت صوابا. ليس لأن الطريق سهل ولا لأن الجراح اختفت بل لأن الحب الحقيقي لا يقوم على الراحة وحدها بل على الالتزام. على البقاء حين يكون الهرب أسهل. على الصدق حتى حين يكون مؤلما.
سيبقى بيتر جزءا لا ينفصل من قصتي. لن يمحوه زواج جديد ولن يلغيه حب آخر. هو من منحني عشرين عاما من الفرح وطفلين يملآن حياتي معنى وأساسا متينا للحب سأظل أقف عليه ما حييت. ذكراه ليست عبئا بل جذرا.
لكنه ليس الفصل الأخير.
دان هو فصلي الثاني. فصل لا ينكر ما سبقه بل يبني عليه. فصل أكثر هدوءا أقل اندفاعا لكنه أعمق فهما وأكثر صدقا.
والقلبكما تعلمت متأخرةأقوى مما نتصور. يمكن أن ينكسر إلى شظايا ومع ذلك يواصل الخفقان. يمكن أن يدفن حبا عظيما ثم يفتح مساحة لحب آخر من دون أن يمحو الأول أو يقلل من شأنه.
أنا في الحادية والأربعين من عمري. تزوجت مرتين. ودعت حبا عظيما بطريقة لم أخترها ثم وجدت نفسي أفتح قلبي من جديد حين ظننت أنه أغلق إلى الأبد. خسرت وبكيت وتعثرت ثم وقفت مرة أخرى.
وإن كان ثمة ما أعلمه الآن بعد كل هذا فهو أن الحياة ليست عادلة ولا مرتبة ولا تسير وفق الخطط التي نرسمها في عقولنا. إنها فوضوية معقدة قاسية أحيانا لكنها في لحظات نادرة وثمينة تمنحنا ما نحتاجه لا ما توقعناه.
وأحياناإن كنا شجعانا بما يكفي لنختار من جديدتنتهي تماما كما كان ينبغي لها أن تكون.





