
تزوّجتُ متسوّلة فأنجبت لي طفلين… ثم ظهرت الحقيقة التي أسكتت القرية كلّها
الرفاه وتدار فيه الحروب باسم العائلة والميراث والنفوذ.
أدركت أنها لم تهرب من الفقر بل من الغنى حين يتحول إلى لعنة ولم تفر من المسؤولية بل من صراع يسلب الإنسان ذاته قطعة قطعة حتى لا يبقى منه سوى اسم على أوراق وممتلكات. لقد رأت بعينيها كيف تتحول الروابط العائلية حين يتدخل المال إلى ساحات نزاع بارد وكيف يقاس الإنسان بما يملك لا بما يحمل في قلبه. اختارت أن تكون مجهولة منسية جائعة أحيانا لكنها حرة على أن تكون محاطة بكل شيء إلا السلام.
حين تقدم والدها نحوي لم أر فيه رجل أعمال نافذا ولا صاحب إمبراطورية بل رأيت أبا أنهكته السنوات وكسرت قلبه المسافات وأتعبته الأسئلة التي لا إجابة لها. كانت خطواته ثقيلة كأن الأرض نفسها تذكره بكل يوم مر دون أن يعرف أين ابنته وبكل ليلة نام فيها وهو يتساءل إن كانت لا تزال على قيد الحياة. في ملامحه امتزج الوقار بالانكسار والقوة بالحسرة كأن المال الذي ملكه يوما لم يستطع أن يشتري لهالطمأنينة حين فقد أغلى ما يملك.
أمسك يدي بقوة صادقة قوة لم أعرف فيها استعلاء ولا تفوقا بل رجاء وامتنانا وقال بصوت خرج من أعماق قلب متعب
شكرا لك لأنك رأيت ابنتي كما هي لا كما رآها الناس. شكرا لأنك لم تختصرها في ثيابها ولا في حالتها ولا في فقرها. لقد منحتها ما عجز المال عن منحه الأمان. المال والسيارات والعقارات وكل ما يتصارع عليه الناس يزول أو يورث أو ينسى أما القلب الصادق والبيت الذي تفتح أبوابه بمحبة فهما الثروة الوحيدة التي لا تخون صاحبها.
ساد صمت ثقيل في القرية صمت لم يكن فراغا بل كان محملا بمعان لم يعرفها الناس من قبل. صمت كشف هشاشة الأحكام وسذاجة الظنون وقسوة الكلمات التي تقال بلا تفكير. أولئك الذين اعتادوا الهمس والسخرية الذين نظروا إلى هانه يوما نظرة شفقة ممزوجة بالازدراء وجدوا أنفسهم عاجزين عن رفع أعينهم. الكلمات التي قالوها في الماضي عادت إليهم الآن ثقيلة كأنها حجارة سقطت فجأة على صدورهم.
لم يتخيل أحد أن المرأة التي مروا بها يوما دون اكتراث أو رموها بنظرات قاسية كانت ابنة واحدة من أغنى العائلات ولا أن الرجل الذي عاش بينهم حياة بسيطة يحرث أرضه ويربي دجاجه سيصبح يوما صهرا لتلك العائلة التي كانوا يظنونها بعيدة عن عالمهم بمسافات لا تقاس.
لكنني وسط هذا الانقلاب كله لم أشعر بأن شيئا تغير في داخلي. لم ينتابني شعور النصر ولا الرغبة في الرد ولا لذة المفاجأة. الألقاب الجديدة بدت لي فارغة والمكانة الاجتماعية لم تلمس قلبي. كل ما فعلته أنني التفت إلى هانه ونظرت في عينيها طويلا. هناك في عمقهما كان الصفاء نفسه والبساطة نفسها والصدق ذاته الذي شدني إليها يوم رأيتها أول مرة في زاوية السوق. لم تغير الحقيقة الجديدة شيئا فيها لم تتبدل ملامحها ولا طريقتها ولا تواضعها الذي لم يعرف التكلف يوما.
عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن أحببتها لأنها شاركتني القليل دون تذمر وتحملت معي الشدة بصمت ومشت إلى جواري في طريق صعب لم يكن فيه ضمانات ولا وعود. كانت امرأة اختارت الكرامة حين كان بوسعها أن تختار الرفاه واختارت الصدق حين كان بإمكانها أن تختبئ خلف الأقنعة.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا. توقفت الثرثرة وانحسر التندر وحل محلهما صمت مختلف صمت التفكير والمراجعة. صاروا ينظرون إلينا نظرة أخرى لكنني لم أبحث عنها ولم أحتج إليها. بقيت كما كنت أستيقظ مع الفجر أعتني بأرضي وأعود في المساء إلى بيت أعرف فيه معنى السكينة.
وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك
الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق. هناك حيث ظن الناس أنني وجدت امرأة متسولة بينما كنت في الحقيقة قد وجدت شريكة عمري ووجدت معها معنى الحياة الذي لم يعرفه المال يوما ولن يعرفه مهما كثر وتضاعف.





