قصص قصيرة

لما عرفت نتائج التحاليل بتاعتي قررت أطلب مجرد مساعدة “50 ألف جنيه”

هناء ماقاطعتنيش وأنا بتكلم. عمرها ما عملت كدة. سمعتني للاخر بهدوء زي ما كانت بتعمل وإحنا أطفال لما بابا وماما كانوا مشغولين عننا بـ “مستقبلي الدراسي”.
قالت بصوت واطي: “يا سلمى.. أنا والله ما معايا المبلغ ده كله، أنتي عارفة البير وغطاه”.
قلتلها إني مقدرة وعارفة ظروفها.
كملت وقالت بتردد: “أنا كل اللي في البيت عندي 15 ألف جنيه.. دي جمعية لسه قبضاها. هو مبلغ مش كبير ومش قد مقامك، بس أنا هركب وتلت ساعات وأكون عندك حالاً.. أنا جاية يا سلمى، أنتي كويسة؟”.
غمضت عيني والدموع نزلت.. بس العاملته معاهم ومعاها والحصل بعد كده خلى الموازين تتقلب فعلا ماحدش كان مصدق ولا انا نفسي كنت مصدقة ! وو.ووو لمتابعه القصه كامله لايك و 5 تعليقات ب تم هنا وهتنزل القصه في اول تعليق لا تفوّت الاحداث الجزء الثاني والأخير
الجرس رن بعد تلات ساعات ونص بالظبط. فتحت الباب، كانت هناء واقفة قدامي. وشها مرهق من السفر، لابسة عباية بسيطة وشنطة يد قديمة، بس عينيها كانت مليانة قلق حقيقي.. قلق مشفتهوش في عين حد من سنين.
من غير “إزيك” ولا مجاملات، رمت الشنطة من إيدها وحضنتني جامد. حضن دافي، ريحته أمان، فكرني بأيام ما كنا بننام في أوضة واحدة وإحنا صغيرين. جسمي اللي كنت فاكراه حديد، ساب خالص بين إيديها، ولقيت نفسي بعيط بحرقة.. عياط مكتوم بقاله أسابيع.
بعد ما هديت شوية، قعدنا في الصالون “الشيك” بتاعي، اللي فجأة حسيته بارد وغريب عليا. هناء فتحت شنطتها وطلعت ظرف أصفر، وحطته على الترابيزة قدامي. إيديها كانت بتترعش وهي بتقول:
“دول الـ 15 ألف يا سلمى.. والله لو كان معايا أكتر مكنتش اتأخرت. قوليلي يا حبيبتي، إيه المشكلة؟ ديون؟ شيكات؟ متخافيش، هنحلها سوا”.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لعينين أختي الصادقة. الفلوس دي هي كل اللي حوشته في سنين شقاها، ومع ذلك، جابتهولي من غير تفكير، من غير أسئلة عن فوايد ولا ضمانات. في اللحظة دي، حسيت إني أغنى واحدة في الدنيا، وحسيت كمان إني أصغر واحدة في الدنيا.
زقيت الظرف ناحيتها تاني، ومسكت إيدها الخشنة من شغل البيت، وقلتلها وصوتي مبحوح:
“أنا مش محتاجة فلوس يا هناء.. أنا معايا فلوس تغطيني وتفيض”.
بصتلي باستغراب: “أمال إيه؟ بتختبريني؟”.
هزيت راسي بالنفي، ودمعة جديدة نزلت: “لأ.. أنا كنت محتاجة أعرف مين عيلتي بجد قبل ما أدخل أوضة العمليات. أنا عندي ورم يا هناء.. والعملية كبيرة ومحتاجة وقت وعلاج طويل”.
اللون هرب من وش هناء. مادتنيش نصايح طبية، مقالتش “روحي لدكتور تاني”، مابدأتش تتكلم عن التكاليف. كل اللي عملته إنها قامت من مكانها، قعدت جنبي على الكنبة، وخدتني في حضنها تاني وفضلت تعيط معايا بصوت واطي. قالتلي جملة واحدة بس، كانت أهم من كل فلوس الدنيا: “أنا هنا يا سلمى.. أنا مش هسيبك.. إحنا هنعدي ده سوا”.
في الأسابيع اللي بعدها، هناء سابت بيتها وعيالها مع حماتها، وجت قعدت معايا. كانت معايا في كل جلسة كيماوي، وفي كل لحظة ألم. كانت بتطبخ، وتنضف، وتمسح دموعي لما بضعف، وتضحكني لما بحتاج أضحك.
بابا وماما وحازم كانوا بيتصلوا.. مكالمات قصيرة، رسمية. “عاملة إيه يا دكتورة؟ شدي حيلك.. إن شاء الله بسيطة”. كانوا بييجوا زيارات خطف، يقعدوا ربع ساعة متوترين، يبصوا في الساعة، ويمشوا بحجة الزحمة أو الشغل. كانوا بيتعاملوا مع مرضي كأنه “إحراج” اجتماعي، مش محنة بنتهم بتمر بيها. حازم مرة قالي وهو خارج: “يعني أنتي يا دكتورة اللي بتعالجي الناس، يجيلك أنتي المرض ده؟ مش عارف أقول للناس إيه في النادي”.
يوم قبل العملية الكبيرة بيومين، كنت قاعدة في سريري، وهنا نايمة على الكرسي جنبي من التعب. طلبت المحامي بتاعي يجيلي البيت.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى