
تنكّرتُ كمشرّدة لأختبر أولادي… فكانت الصدمة أقسى مما توقعت
كان صوت الباب المصنوع من خشب الماهوغاني الصلب وهو يغلق في وجهي يدوي كطلقة في ذلك الشارع الصامت الراقي في حي لوماس دي تشابولتيبيك. ظل الصدى يهتز في هواء عصر فبراير البارد في مدينة مكسيكو أو لعله لم يكن إلا الطنين في أذني الذي خلفته الإهانة. جيسيكا ابنتي الكبرى فخري الطفلة التي ألبستها الحرير وأرسلتها إلى أرقى الداخليات في سويسرا كانت قد طردتني للتو كما لو كنت كلبا أجربا.
وقفت هناك أمام ذلك الباب الكهربائي الذي كنت أنا نفسي قد دفعت ثمنه قبل سنوات أشعر بدمي يتجمد. لم يكن برد فبراير هو الذي جعلني أرتجف بل الجليد الذي رأيته في عيني ابنتي.
كانت قد همست لي عبر الشباك الحديدي بصوتها الذي تستعمله لتأنيب خادماتها
رجاء اذهبي قبل أن يراك رجال الأمن.
استدرت وأسحب قدمي داخل حذاء أكبر من مقاسي بدرجتين كنت قد التقطته من القمامة وبدأت أمشي. كان لا يزال أمامي بيتان آخران. اختباران آخران. لكن اسمحوا لي أن أعود قليلا إلى اللحظة الدقيقة التي بدأت فيها هذه الحماقة. إلى اللحظة التي قررت فيها أنا ليندا مونتس ملكة النسيج أن أموت كي أرى الحقيقة.
بدأ كل شيء قبل ثلاثة أسابيع في مكتبي بالطابق الثالث والعشرين في سانتا في. من نافذتي الزجاجية كنت أرى المدينة تمتد بلا نهاية كتلة من الضوء والإسمنت كنت قد أخضعتها بيدي. أنا امرأة صنعت نفسي بنفسي. حين مات زوجي قبل اثنتي عشرة سنة فرك الشركاء الجشعون والمنافسون أيديهم انتظارا لسقوط إمبراطوريتي. كانوا يقولون امرأة لا تستطيع إدارة هذا وخصوصا امرأة بدأت بخياطة الحواشي في حي دوكتورس.
لكنني لم أحافظ على الشركة فقط بل ضاعفتها. عملت ثماني عشرة ساعة في اليوم فاوضت نقابات قاسية قاتلتالموردين الصينيين والزبائن الأمريكيين الذين كانوا ينظرون إلي باستعلاء. احتملت كل شيء. ولماذا من أجلهم. من أجل أولادي الثلاثة. كي لا يشعر جيسيكا وميغيل ودانيال يوما بالجوع الذي كان يلوي أحشائي عندما كنت طفلة.
في ذلك الثلاثاء بعد الظهر وأنا أراجع كشوف الحسابات انكسر شيء في داخلي. كنت قد تلقيت ثلاث مكالمات في ذلك اليوم.
الأولى كانت من جيسيكا
أمي أحتاج مليونين من البيسوس لتجديد المطبخ. رخام إيطاليا ارتفع سعره وأريده جاهزا لاجتماع النادي.
لا مرحبا ولا كيف حالك. مجرد طلب بارد مباشر.
الثانية من ميغيل ابني طبيب القلب النجم
أمي سأبدل السيارة. أحتاج أن تحولي لي مليونا ونصفا. هذا لأجل الصورة أنت تعلمين مرضاي يتوقعون مستوى معينا.
لا شكرا ولا أحبك.
ثم جاءت المكالمة الثالثة دانيال. ابني الأصغر الخروف الأسود في نظر أخويه لأنه اقترف خطيئة أن يريد أن يكون معلما في مدرسة حكومية في إيزتابالابا.
مرحبا يا أمي اتصلت فقط لأطمئن على ضغطك. هل أخذت الدواء بالمناسبة حلمت بك الليلة الماضية فقلقت عليك. أحبك يا عزيزتي.
لا مال. لا طلبات. فقط حب.
نظرت إلى الأرقام فوق مكتبي. جيسيكا وميغيل كلفاني ثروات شهادات عليا في الخارج حفلات زفاف في ضياع فاخرة بيوتا في أغلى الأحياء سيارات حديثة سفرا أما دانيال فكان يعيش في بيت صغير من بيوت الإسكان يسدد قسطه بقرض إنفونافيت ومتزوجا بسارة فتاة بسيطة كانت تنظف المكاتب لتساعد في المصاريف.
صفعتني الفوارق كما يضرب مطرقة. كنت قد ربيت طفيليين بملابس ماركات وربيت إنسانا حقيقيا. لكنني احتجت إلى اليقين. احتجت أن أعرف هل بقي تحت طبقات الغرور والأنانية شيء من الأطفال الذين كنت أضمهم إلى صدري
اتصلت بروبرتو محامي وموضع ثقتي الوحيد.
سأختفي يا روبرتو. سأدعي أن الشركة أفلست وأنهم حجزوا على كل شيء. سأذهب إلى بيوت أولادي كمتشردة.
حاول أن يثنيني
سيدتي ليندا أنت في الحادية والستين. الشارع خطر. وصحتك
قطعته
صحتي أسوأ إن بقيت أعلم أنني ربيت مرتزقة بدل أبناء. جهز كل شيء.
تغيرت. أودعت بدل شانيل وساعات كارتييه و كرامتي في الخزنة. ذهبت إلى سوق لا لاغونييا واشتريت ثيابا مستعملة معطفا رماديا تفوح منه رائحة الرطوبة والنفتالين سروالا ملطخا وحذاء مهترئا. امتنعت عن غسل شعري ثلاثة أيام. لوثت أظافري بتراب أصص الزرع.
حين نظرت إلى المرآة كانت ليندا مونتس قد اختفت. لم يبق إلا عجوز حزينة منهكة لا أحد.
قضيت ليلتي الأولى في محطة الحافلات الشمالية. أردت أن تكون بؤسي حقيقيا. نمت على مقعد معدني أعانق كيسا أسود من البلاستيك لا يحوي إلا ممتلكاتي القليلة. رائحة البول البرد الذي يخترق العظم لامبالاة الناس الذين يمرون ويتجنبونني كأنني قمامة كل ذلك صار درعي.
في اليوم الثالث كنت جاهزة. رائحتي كريهة هالاتي حقيقية وبطني ملتصق بظهري من الجوع. ركبت حافلة إلى اللوماس.
كان بيت جيسيكا مهيبا حدائق مثالية كاميرات مراقبة سيارات فارهة عند المدخل. ضغطت جرس الاتصال.
نعم ماذا تريدين نحن لا نعطي مالا قالت بصوت معدني ممل.
قلت
ابنتي أنا. أمك.
ساد صمت طويل. فتح الباب بضعة سنتيمترات بما يكفي لأن أدخل لا بما يكفي ليكون ذلك دعوة.
مشيت على ممر من حجر طبيعي. خرجت جيسيكا لكنها وقفت حاجزا عند المدخل الرئيسي. كانت ترتدي طقما رياضيا بلون السلمون يساوي أكثر مما تكسبه عائلة عادية في سنة.
قالت وملامحها تتلوى رعبا
أمي ماذا جرى لك رائحتك فظيعة!
قلت وصوتي المرتجف لم يكن تمثيلا
خسرت كل شيء يا ابنتي. الشركة أفلست. البنك أخذ البيت والحسابات كل شيء. أمضيت ثلاثة أيام أنام في الشارع. ليس لدي مكان أذهب إليه.
نظرت جيسيكا بتوتر نحو بيوت الجيران.
أمي هذا لا يمكن أن يحدث اليوم. لدي عشاء مع شركاء روبرتو. لا يمكنك أن تكوني هنا بهذه الهيئة.
قلت
أحتاج فقط مكانا أنام فيه. غرفة الخدمة المرآب أي شيء.
قاطعتني بحدة
لا! هل جننت ماذا ستقول الخادمات وماذا سيقول أصدقائي إن رأوا أمي صارت هكذا
قلت
أنا أمك يا جيسيكا. أنا التي أعطتك هذا البيت.
قالت ببرود
وأنا ممتنة لكن هذا لا يعطيك الحق أن تأتي لتدمري صورتي. اسمعي اذهبي إلى مأوى. هناك كثير في وسط المدينة. حين تستحمين وتنهين مشاكلك نتحدث. لكن الآن اذهبي. رجاء.
ثم أغلقت الباب. سمعت طقة قفل الأمان. وقفت أمام الخشب المصقول أبكي لا على الفقر المصطنع بل على الفقر الحقيقي في قلب ابنتي.
خرجت من مجمع جيسيكا الخاص وروحي تسحب سحبا. نظر إلي حارس البوابة بريبة وأنا أغادر كأنه يتأكد أن العجوز المجنونة لم تسرق شيئا. لو كان يعلم أنني صاحبة الشركة التي تصنع الزي الذي يرتديه لأغمي عليه. لكن في تلك اللحظة لم أكن السيدة ليندا كنت مجرد إزعاج.
مشيت قرابة ساعة حتى وصلت إلى منطقة بولانكو حيث يعيش ميغيل. قدماي اللتان لم تعتادا المشي الطويل وخصوصا بحذاء ممزق كانتا تؤلمانني بشدة. ظهرت بثور حارقة في كعبي. الجوع جعلني أدور. مررت أمام مطاعم يأكل فيها الناس شرائح اللحم ويشربون النبيذ وفهمت لأول مرة في حياتي معنى أن تكون البؤس غير مرئي. لم ينظر أحد إلى عيني. كنت شبحا.
شقة ميغيل كانت بنتهاوس في مبنى ذكي. اضطررت أن أتوسل إلى البواب أن يبلغه أن أمه في الأسفل.
قال البواب وهو يقطب أنفه
يقول الدكتور أن تصعدي





