قصص قصيرة

هددوها بطرد بنتها… ما عرفوا إن الأم هي القاضية!

في قاعة المحكمة كانت المقاعد تمتلئ.
همسات الصحفيين.
دفاتر مفتوحة.
عدسات تلاحق الحركة.
كانت أكاديمية أوكريدج تملك المال والنفوذ والسمعة.
لكن التدقيق وصل.
جلس هالواي متيبسا عند طاولة الدفاع الانزعاج محفورا في وجهه.
جلست غيبل إلى جانبه يداها متشابكتان بإفراط.
واحتل فريقهم القانوني معظم الطاولة ثلاثة محامين اعتادوا الفوز بالإرهاق والترهيب.
لم يروني بعد.
جلست إلى طاولة المدعين.
وجلس إلى جانبي آرثر بينهاليغون وكان وجوده وحده كافيا لإثارة الانتباه.
لم يحضر مدع عام جلسة مدنية اعتيادية إلا إذا كان هناك ما هو أخطر.
مال هالواي نحو محاميه وقال بصوت منخفض
لننه هذا بسرعة.
على الأرجح تمثل نفسها.
هز المحامي رأسه وقد بدأ القلق يتسلل إلى قسم*ات وجهه وهو يقلب الملفات بسرعة لا تخفي ارتباكه. كان يتظاهر بالثبات لكن أص*ابعه كانت تزداد تصلبا مع كل صفحة كأن الأوراق نفسها أصبحت أثقل من أن تحمل.
ثم ارتفع صوت الحاجب واضحا وحاسما
محكمة.
وقف الجميع دفعة واحدة.
توقفت الهمسات.
تجمدت العدسات.
واستقام حتى أولئك الذين اعتادوا دخول القاعات وكأنها غرف اجتماعات خاصة.
دخل القاضي ماركوس ستيرلنغ بخطوات ثابتة لا تسرع ولا تتباطأ كأنه يقيس المكان بميزان قديم من الهيبة والانضباط. كان صارم الملامح لا يحمل في عينيه فضولا ولا ترددا وأخذ مكانه بهدوء شديدذلك الهدوء الذي لا يصد*ر إلا عن رجل تعلم أن العاصفة تبدأ غالبا بجملة واحدة.
جلس ثم ألقى نظرة على القاعة نظرة من يقرأ ما وراء الوجوه قبل أن يقرأ الأوراق.
كانت القاعة ممتلئة على نحو غير مألوف.
صحفيون يعرفون علام*ات القضايا الكبيرة.
موظفون يلتقطون الإشارات الدقيقة في نبرة القاضي.
وأهال جلسوا في الخلف وجوههم مشدودة كأنها تخشى أن تتنفس.
رفع القاضي ملف القضية وقرأ بصوت رسمي
القضية رقم 2024 سي في 1847 فانس ضد أكاديمية أوكريدج وآخرين.
تحركت عيون كثيرة نحو طاولة الدفاع حيث جلس هالواي بصلابة مصطنعة وربطة عنقه مشدودة أكثر من اللازم كأنها تحاول أن تثبت ما يتهاوى داخله.
إلى جانبه جلست غيبل يداها متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصلها. كانت تحاول أن تبدو كمعلمة مظلومة لكن نظرتها كانت تهتز كلما التقطت كاميرا وجهها عن قرب.
ثم انتقل نظر القاضي من الدفاع
إلى طاولة المدعين.
إلي.
تغيرت وضعيته تغيرا طفيفا لا يكاد يرىلكن من يعرف القضاة يعرف أن تلك الحركات الصغيرة تحمل دلالة أكبر من صفحات كثيرة.
قال بصوت متزن
صباح الخير القاضية فانس.
أرى أنك حضرت مع المدعي العام بينهاليغون.
لحظة واحدة
وكأن الهواء نفسه انقطع.
تجمد المكان.
كأن القاعة تحولت إلى صورة ثابتة.
وسقط قلم في الخلف.
ارتطم بالأرض رخيما لكنه بدا كأنه طرق على باب الحقيقة.
استدار هالواي ببطء شديد كما لو أن رقبته لم تعد تطيعه.
الحيرة في عينيه لم تلبث أن تحولت إلى شيء آخر شيء هش شيء أقرب إلى الخوف.
همس قاضية
لم يلتفت إليه أحد من فريقه.
كانوا جميعا منشغلين بمحاولة إنقاذ وجوههم من الانكشاف.
تمتم أحد محاميه وقد تصلبت ملامحه كمن رأى حجرا يسقط من السماء
إلينا فانس الدائرة الفيدرالية.
في تلك اللحظة لم تعد غيبل قادرة على التحكم في رد فعلها.
شهقت شهقة قصيرة وكأن حقيقة واحدة لا أكثر كانت كافية لتخلخل بنيان ثقتها كله.
نظرت إلى هالواي أخيرا.
لم يكن في وجهي غ*ضب.
الغ*ضب كان مرحلة تجاوزتها.
الذي بقي كان وضوحا باردا كأنه حكم مكتوب لا يحتاج إلى تزيين.
قلت بهدوء
قلت لك إنني أعرف القانون
لم أقل إلى أي حد.
تحرك هالواي في مقعده كمن يبحث عن كلمة تعيده إلى عالمه القديم إلى عالم كانت فيه

التهديدات تكفي وكانت فيه السمعة سلاحا وكان فيه الأطفال أضعف من أن يسمع صوتهم.
لكنه لم يجد شيئا.
وقف آرثر بينهاليغون في اللحظة المناسبة تماما. لم يبد عليه أي انفعال. كان صوته متزنا كأنه يقرأ أمرا إدارياوذلك ما جعل الكلم*ات أكثر رعبا.
قال
سيدي القاضي بناء على الأدلة المقدمة وبناء على التحقيقات التي أجريت ترفع الولاية تهما جنائية.
تبدلت ألوان وجه غيبل.
كان في عينيها ارتباك ممزوج بإنكار يائس كأنها لم تتخيل يوما أن غرفة التخزين يمكن أن تخرج من الظل إلى الضوء.
تابع آرثر كلمة كلمة كمن يسقط أحجارا ثقيلة على طاولة لا تحتمل
إساءة معاملة طفل بجناية.
ضر*ب مشدد.
احتجاز جنائي.
كل تهمة كانت تنزل كطرق على قفل قديم يفتح بابا لم تكن المدرسة تريد أن يفتح.
ثم أضاف وقد اتجهت نظرته إلى المدير
وضد المدير هالواي
تهم التآمر وعرقلة العدالة والتأثير على الشهود وإدارة مؤسسة ذات نشاط إجرامي منظم.
نهض أحد محامي الدفاع بسرعة وقد بدا عليه أنه يحاول الإمساك باللحظة قبل أن تفلت تماما
سيدي القاضي هذه قضية مدنية لا يمكن تحويلها بهذه الطريقة!
لم يرفع القاضي صوته. لم يحتج إلى ذلك.
كانت نبرته وحدها كافية لإسكات القاعة
لم تعد كذلك.
ثم أمال رأسه قليلا نحو الحاجب وقال بصرامة مباشرة
لا تسمحوا للمدعى عليهم بالمغادرة.
في اللحظة التالية تحرك المارشالات الفيدراليون بفعالية من اعتاد التنفيذ دون استعراض.
خطوات محسوبة.
أيد تقترب من الأكتاف.
ومسافة تتقلص بين السلطة الحقيقية وبين من ظن نفسه فوقها.
انهار هالواي.
لم يكن انهياره صراخا.
كان انهيار رجل أدرك فجأة أن كل العلاقات التي كان يلوح بهاكل تلك الأسماء الكبيرة والمجالس والنفوذقد أصبحت أوراقا مبللة لا تصلح حتى للإمساك.
التفت نحو الخلف بعينين تبحثان عن خشبة نجاة.
كان قائد الشرطة يجلس هناك.
لا يتكلم.
رأسه مطأطأ.
تصلب فكه وكأنه يحاول ابتلاع الخزي.
وفي تلك النظرة وحدهاتلاشى كل شيء.
لم تعد العلاقات تنفع.
بدأت غيبل ترتجف حين لامست الأصفاد معصمها.
حاولت أن تتمسك بآخر قناع نظرة استعلاء نصف ابتسامة لكن صوتها خرج مشروخا وهي تقاد
لقد دمرت حياتي.
قلت بهدوء دون أن أقترب ودون أن أرفع نبرة
أنت فعلت ذلك بنفسك
حين اعتقدت أن طفلة لا صوت لها.
مرت غيبل أمام الصحفيين والعدسات تلتقط صورة الانهيار الكامل
معلمة مثالية تتحول إلى متهمة.
ورجل وقور يصبح رمزا للابتزاز.
أما هالواي فكان أسوأ.
لم يعد يتكلم عن المعايير والسمعة.
بدأ يهمس بعروض سخيفة لا قيمة لها
منح دراسية اعتذارات تبرعات أي شيء.
لكن شيئا واحدا كان قد انتهى إلى غير رجعة
قدرته على التحكم في القصة.
بعد ذلك انهارت أوكريدج كما ينهار بناء قديم بمجرد أن يسحب منه العمود الذي كان يخبئ التشققات.
بدأت الشهادات تظهر ليس من طفل واحد بل من أطفال كثيرين ومن آباء كانوا صامتين لأن الخوف كان أغلى من الحقيقة.
خرجت حكايات غرف مغلقة.
عقوبات لا يراها أحد.
تهديدات بالفصل.
تلميحات بتشويه السمعة.
أوراق اتفاقيات صمت وقعت تحت الضغط دون أن يفهمها كثيرون.
تحولت المدرسة من مؤسسة صانعة للقادة إلى ملف ثقيل في الأدراج الفيدرالية.
أغلقت أبوابها.
فرضت عليها غرام*ات.
تفكك مجلس إدارتها.
وهرب بعض المتورطين إلى الاستقالات الصامتة لكن الاستقالات لم تعد كافية.
ثم بعد زمن تغير الاسم.
تغيرت اللافتة.
وتحول المكان لاحقا إلى مركز مجتمعي كأن المدينة قررت أخيرا أن تستعيد الجدران من أولئك الذين لوثوا معناها.
بعد عام وقفت أمام مدرسة حكومية بسيطة.
طلاؤها متقشر هنا وهناك لكن على جدرانها رسوم*ات ملونة وعلى ساحتها ضحكات لا تخاف.
كانت صوفي تضحك وتلوح.
ضحكة خفيفة لا تنظر خلفها.
تلوح كما لو أن العالم لم يعد يحمل في زواياه ظلالا ثقيلة.
راقبتها حتى اختفت بين الأطفال.
ثم عدت إلى سيارتي.
عدت إلى عملي.
عدت إلى الرداء الأسود الذي لم يعد مجرد رمز سلطة بل صار تذكيرا بما يجب أن تكون عليه السلطة حماية الضعفاء لا تزيين الأقوياء.
وفي تلك المسافة بين السترات الناعمة وقاعات المحاكم تعلمت الحقيقة الأهم
أن السلطة تختبئ حيث لا نتوقعها
وأن العدالة تكون أشد وقعا حين تأتي على حين غفلة
لا لأنها مفاجئة فحسب بل لأنها تصل في اللحظة التي يظن فيها الظالم أنه أصبح محصنا
فيكتشف متأخراأنه لم يكن محصنا أبدا.

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى