قصص قصيرة

وجد محفظة مليئة بالمال… فسلّمها! ما حدث بعدها قلب حياته رأسًا على عقب

إلى دعم الأسر ذات الدخل المحدود وتسهيل وصولهم إلى الخدمات القانونية تابعت. نحتاج إلى أشخاص يعرفون الشارع يعرفون معاناة الناس ويملكون ثقة حقيقية في أعينهم.
توقفت لحظة ثم أضافت
وظيفة بساعات ثابتة. دخل مستقر. عمل كريم. ولن تضطر بعد الآن إلى اختيار العمل بدل حضور مهرجان ابنتك.
تجمد للحظة. لم يكن يتوقع أن تعرف عن المهرجان لكنه أدرك أنها استمعت إليه في اللقاء السابق باهتمام حقيقي.
لماذا أنا سأل بصوت خافت.
أجابته بنبرة صادقة
لأن أشخاصا مثلك هم من ينهضون بهذا البلد كل يوم حتى وإن لم يلتفت إليهم أحد. لأنك حين لم يكن أحد يراقبك اخترت الصواب.
لم يستطع الرد فورا. شعر بحرارة تسري في صدره وصورة لوبيتا تومض أمام عينيه. لم يكن الأمر مجرد وظيفة بل اعتراف بقيمته بإنسانيته بقراره الصغير الذي لم يره أحد في ذلك الصباح.
غامت عيناه بالدموع. لم يكن يبكي من أجل المال ولا من أجل الوظيفة الجديدة بل من أجل ذلك الإحساس العميق الذي نادرا ما يزور القلوب المتعبة الإحساس بأن جهده لم يكن عبثا وأن صدقه لم يذهب هباء وأن العالم رغم قسوته أحيانا ما زال قادرا على أن ينصف من يختار الطريق الأصعب.
شكرا قال بصوت متهدج كأن الكلمات تخرج من صدره بعد رحلة طويلة. شكرا حقا.
لم يكن يعرف كيف يعبر أكثر. لم يتعلم في حياته عبارات كبيرة أو خطابات منمقة. كل ما عرفه هو العمل والصبر وتحمل المسؤولية. لكن في تلك اللحظة شعر أن كلمة شكرا تحمل وزن سنوات كاملةمن التعب.
وقع الأوراق بعد أيام قليلة.
قرأ اسمه مكتوبا بخط رسمي إلى جانب توقيع القاضية وختم المحكمة. تأمل الخطوط التاريخ التفاصيل الصغيرة التي كانت بالنسبة إليه أشبه ببوابة تفتح نحو فصل جديد لم يكن يتخيله.
في الأسبوع التالي دخل المبنى نفسه الذي كان يهابه لكن بخطوات مختلفة. لم يعد زائرا متوترا بل موظفا يحمل بطاقة تعريف صغيرة معلقة في جيبه. لم يكن المكتب الذي جلس خلفه فاخرا ولم يكن الكرسي مغطى بالجلد الفاخر لكنه كان نظيفا مرتبا يطل على نافذة جانبية يدخل منها ضوء الصباح.
كانت هناك بطاقة صغيرة على حافة المكتب مكتوب عليها
خوليان راميريز
برنامج الدعم المجتمعي
ظل ينظر إلى اسمه لدقائق طويلة.
لم يكن الاسم جديدا لكنه بدا مختلفا. بدا وكأنه يحمل قيمة أخرى وزنا آخر. لم يعد مجرد اسم على كشف الرواتب في مستودع بل اسم مرتبط بخدمة الناس بالاستماع بالمساعدة.
في الأيام الأولى شعر بشيء من الارتباك. تعلم كيف يملأ الاستمارات الرسمية كيف يراجع الوثائق كيف يوجه المواطنين إلى الأقسام المناسبة. تعلم لغة جديدة ليست لغة القوانين فحسب بل لغة الاحترام المتبادل والإنصات الحقيقي.
كان يستقبل يوميا رجالا ونساء بوجوه متعبة بملفات مهترئة بحكايات ثقيلة. امرأة تطلب استشارة بشأن حضانة أطفالها. رجل مسن لا يفهم أوراق الضمان الاجتماعي. شاب يبحث عن توجيه قانوني بسيط لكنه لا يعرف من أين يبدأ.
كان خوليان يجلس أمامهم بصبر صادق.
لم يكن يملك كل الإجابات لكنه كان يملك شيئا أهم القدرة على الإصغاء من دون حكم من دون تعال.
حين كانت امرأة تبكي أمامه لم يكن ينظر إلى الساعة.
حين كان رجل يرفع صوته من شدة الإحباط لم يكن يرد ببرود.
كان يرى في كل واحد منهم انعكاسا لذاته القديمة لذلك كان يتعامل معهم كما كان يتمنى أن يعامل هو لو جلس يوما في هذا المكان.
لم يعد يحمل الصناديق الثقيلة لكنه صار يحمل هموما أخف حين يراها تجد طريقها إلى الحل.
لم تعد كتفاه تؤلمانه كما في السابق لكن قلبه صار يتحمل مسؤولية من نوع مختلف مسؤولية إنسانية لا تقل شرفا عن أي عمل جسدي.
وفي كل مساء كان يعود إلى البيت بخطوات أهدأ.
صار يستطيع شراء حذاء جديد للوبيتا من دون أن يحسب النقود مرارا.
صار الإيجار يدفع في موعده.
صار المطبخ يمتلئ بأصناف لم تكن تظهر إلا في المناسبات.
لكن التغيير الحقيقي لم يكن في المال.
كان في حضوره.
في الوقت الذي صار يملكه.
في الأمسيات التي يجلس فيها مع لوبيتا لمساعدتها في واجباتها المدرسية لا بعين نصف مغلقة من التعب بل بتركيز حقيقي.
في الضحكات التي صارت أطول.
في القصص التي يحكيها لها قبل النوم من دون أن يقاطعه القلق بشأن الغد.
وجاء مساء المهرجان.
جلس في الصف الأمامي بثياب نظيفة مكوية بعناية.
لم يكن هاتفه يرن مطالبا بنوبة إضافية.
لم يكن يفكر في شاحنة ستصل عند الفجر.
كان هناك فقط حاضرا.
كانت لوبيتا ترتدي فستانا ملونا تتلألأ عيناها بالحماس. حين بدأت الموسيقى الشعبية تعزف تحركت مع زميلاتها بخطوات متناسقة بثقة طفولية بريئة لا تعرف معنى الخوف من المستقبل.
كانت عيناه مثبتتين عليها وحدها.
رآها تكاد تتعثر ثم تستعيد توازنها بابتسامة.
رآها تبحث بعينيها بين الوجوه.
وحين التقت نظراتهما أضاء وجهها كما لو أن الشمس اختارت تلك اللحظة لتشرق من عينيها.
لوحت له بيد صغيرة فلوح لها بكل ما يملك من فخر بكل ما يحمله قلبه من امتنان.
في تلك اللحظة لم يكن يفكر في المحكمة ولا في القاضية ولا في المحفظة.
كان يفكر في ذلك الصباح البعيد في موقف السيارات في اللحظة التي انحنى فيها ليلتقط محفظة جلدية بنية.
كان يمكن أن يضعها في جيبه.
كان يمكن أن يمضي.
كان يمكن أن يختار طريقا أسهل.
لكنه لم يفعل.
وأدرك الآن بوضوح لم يعرفه
من قبل أن الحياة لا تقاس بحجم المال الذي نملكه بل بحجم القيم التي نحافظ عليها حين لا يرانا أحد.
إن الحياة قد تتأخر لكنها لا تنسى.
قد تختبرك بصمت لكنها تراك.
والقرارات الصغيرة التي نظنها عابرة قد تكون البذور التي تنمو في صمت حتى تصير شجرة ظلها واسع.
ليست العدالة دائما عقابا.
أحيانا تكون فرصة تعطى لمن لم يطلب شيئا.
وليست المكافأة دائما مالا.
أحيانا تكون كرامة تعود إلى مكانها الصحيح وطمأنينة تسكن القلب وابتسامة طفلة ترى أباها في الصف الأول.
ومنذ ذلك اليوم صار خوليان يردد في داخله حقيقة واحدة لا تتغير
أن الإنسان قد لا يملك الكثير
لكن ما يختاره حين يكون وحيدا
هو ما يحدد أي حياة سيعيش لاحقا.
وأحيانا يكفي قرار واحد صادق
ليفتح بابا لم يكن يخطر ببالك أنه موجود أصلا.

الصفحة السابقة 1 2 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى