قصص قصيرة

عدالة السماء حكايات اسما

وحسيت لأول مرة في حياتي إني خايفة منه.
فضلت طول الليل صاحيه.
وفي الصبح…
قررت أرجع المستشفى.
وصلت هناك حوالي الساعة عشرة.
نفس الريسبشن… نفس الرائحة… نفس الممر اللي فقدت فيه بنتي.
لكن الممرضة اللي ادتني الفلاش ما كانتش موجودة.
سألت عنها.
الموظفة بصت لي بتوتر وقالت:
“هي… مشيت من الشغل.”
الكلمة دي نزلت عليا زي حجر.
مشيت؟
إمتى؟
قالت:
“امبارح.”
وقفت لحظة أفكر.
واضح إنها كانت عارفة إنها هتمشي…
علشان كده ادتني الفلاش.
سألت عن الدكتور اللي كان مع ليلى.
بعد شوية… خرج لي من مكتبه.
نفس الوش… نفس الهدوء البارد.
قال:
“أقدر أساعدك في حاجة؟”
قلت له بصوت حاولت أخليه ثابت:
“أنا عايزة أفهم… إيه اللي حصل لبنتي بالظبط.”
الدكتور سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قالها قبل كده:
“كانت حالة نادرة… الجسم انهار بسرعة.”
لكن المرة دي…
أنا ما كنتش نفس الأم المنهارة.
طلعت الموبايل…
وفتحت الفيديو.
وريته له.
أول ما شاف الشاشة…
لون وشه اتغير.
فضل ساكت…
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“الفيديو ده… منين جبتيه؟”
قلت له:
“الممرضة اللي كانت مع بنتي.”
بص حواليه…
وبعدين قفل باب المكتب.
وقتها حسيت إن قلبي هيطلع من صدري.
قال بصوت واطي:
“اللي حصل… ما ينفعش يتقال هنا.”
الكلمات دي خلت الدنيا تلف بيا.
قلت له:
“يعني إيه؟”
سكت لحظة…
وبعدين قال:
“جوزك… هو اللي طلب إيقاف العلاج.”
جسمي كله اتجمد.
قلت:
“إيه؟”
قال:
“الحالة كانت صعبة… لكن ما كانتش ميؤوس منها.”
الكلمات وقعت عليا زي السكاكين.
قلت وأنا بصرخ:
“يعني بنتي كانت ممكن تعيش؟!”
الدكتور ما ردش.
بس بصته كانت كفاية.
خرجت من المكتب وأنا مش شايفة قدامي.
كل حاجة حواليا كانت بتلف.
رجعت البيت…
وأحمد كان قاعد في الصالة…
بيتفرج على التلفزيون.
بص لي وقال:
“كنتي فين؟”
وقفت قدامه.
وقلت:
“كنت في المستشفى.”
الريموت وقع من إيده.
سكت لحظة…
وبعدين قال:
“ليه؟”
قلت:
“علشان أفهم… إزاي بنتي ماتت.”
وشه شحب.
وقلت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“أنا شوفت الفيديو.”
سكت.
دقيقة كاملة.
وبعدين قال:
“أي فيديو؟”
قلت:
“فيديو الكاميرات… وإنت بتوقع الورقة.”
عينيه اتسعت.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن الممرضة كانت صادقة.
أحمد قعد على الكرسي ببطء.
وقال بصوت مكسور:
“أنا كنت بحاول أحميكم.”
الكلمة دي خلت الدـ,ـم يغلي في عروقي.
قلت:
“تحمينا إزاي… بقتـ,ـل بنتنا؟!”
قال بسرعة:
“ما كانش قـ,ـتل.”
وبعدين بدأ يحكي.
قال إن التحاليل كشفت مرض خطير جدًا في دم ليلى.
مرض وراثي…
ومكلف جدًا في العلاج.
العلاج كان هيحتاج ملايين… وسنين طويلة.
والدكتور قال له إن نسبة نجاحه ضعيفة.
وإنها حتى لو عاشت… هتعيش حياة مليانة ألم.
قال إنه خاف عليا…
وخاف عليها.
فوقّع الورقة.
كل كلمة كان بيقولها… كانت بتكسر حاجة جوايا.
وقفت قدامه…
وبصيت في عينيه.
وقلت:
“إنت ما حمتناش… إنت سـ,ـرقت مني بنتي.”
وخرجت من البيت.
وأنا ماشية في الشارع…
افتكرت ضحكة ليلى.
افتكرت صوتها وهي بتقولي:
“ماما… حضـ,ـن.”
وقتها بس…
انفـ,ـجرت في البكاء.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده…
كانت أبشع بكتير.
لأن بعد أسبوع واحد…
الممرضة اللي ادتني الفلاش ظهرت تاني.
ولما قابلتني…
قالت الجملة اللي غيرت كل شيء:
“جوزك ما كانش خايف على بنتك… كان خايف على الفلوس.”

ابتسمت الممرضة ابتسامة حزينة وهي بتبص لي وقالت:
“لازم تعرفي الحقيقة كلها… لأن اللي حصل لبنتك ما كانش مجرد قرار غلط.”
وقفت قدامها وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت لها بصوت مخنوق:
“إيه الحقيقة؟”
بصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعنا… وبعدين قالت:
“تعالي نقعد.”
قعدنا في كافيه صغير جنب المستشفى.
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الكوب.
الممرضة سكتت شوية… وبعدين قالت:
“ليلى ما كانتش بتمـ,ـوت.”
رفعت عيني ليها بسرعة.
قلت:
“يعني إيه؟ الدكتور قال إن حالتها كانت ميؤوس منها.”
هزت رأسها بالنفي.
وقالت بهدوء:
“لا… كانت حالة صعبة… بس كان عندها فرصة.”
الكلمات دي خلت صدري يضيق.
قلت:
“طب ليه قالوا كده؟”
تنهدت الممرضة وقالت:
“علشان جوزك طلب منهم.”
وقتها حسيت كأن حد ضـ,ـربني على راسي.
قلت:
“طلب منهم إيه؟”
قالت:
“طلب منهم يوقفوا العلاج.”
الدم جمد في عروقي تاني.
لكن الممرضة كملت:
“وما كانش السبب اللي قاله لك.”
بلعت ريقي بصعوبة.
قلت:
“يعني إيه؟”
قالت:
“جوزك ما كانش خايف على بنتك من الألم… كان خايف على نفسه.”
سكتت لحظة… وبعدين قالت:
“قبل ما ليلى تتعب بأيام… جوزك كان جاي المستشفى.”
استغربت.
قلت:
“جاي ليه؟”
قالت:
“كان بيسأل عن تكاليف علاج مرض معين.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قالت:
“المرض اللي طلع عند ليلى.”
سألتها:
“وإيه المشكلة؟”
الممرضة بصت لي مباشرة وقالت:
“تكلفة العلاج كانت ضخمة… لكن في نفس الوقت… كان فيه حاجة تانية.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“تأمين.”
وقتها الدنيا سكتت حواليا.
قالت:
“جوزك عامل تأمين على حياة ليلى.”
الكلمة وقعت عليا زي صاعقة.
قلت بصوت ضعيف:
“تأمين؟”
هزت رأسها.
“مبلغ كبير.”
سألتها وأنا مش مصدقة:
“قد إيه؟”
قالت بهدوء:
“خمسة مليون جنيه.”
إيدي سابت الكوب.
ووقع على الأرض.
فضلت باصة قدامي.
خمسة مليون.
ليلى… كانت عنده رقم.
دموعي بدأت تنزل بدون ما أحس.
قلت:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى