
جوزي حبسني حكايات الهواري
كنت واقفة جوه المطبخ… نفس المطبخ اللي بدأ منه كل حاجة… بس الفرق إن المرة دي أنا اللي ماسكة مفاتيحه.
دخل الشيفات يساعدوني، وكل واحد فيهم بيبص لي باحترام حقيقي، مش مجاملة… احترام تعب، واحترام موهبة. “عثمان بيه” كان واقف بعيد، متابع، وعينه فيها رضا غريب… كأنه كان واثق من اللحظة دي من أول يوم.
مدحت قرب خطوة… وبص لي من باب المطبخ:
“نورا… ممكن نتكلم؟”
بصيت له ثواني… مش بكره… بس كأن
في حجاب بيني وبينه.
“مفيش حاجة بينا نتكلم فيها.”
صوته واطي:
“في… في سنين بينا… في بيت…”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع قديم:
“البيت اللي كنت بتخبي مراته فيه في المطبخ؟ ولا البيت اللي كنت بتقول فيه عليا شغالة؟”
سكت.
الكلام وقف في بقه… لأول مرة ما لاقاش حاجة يقولها.
بس هو ما استسلمش… قال بسرعة كأنه بيغرق:
“أنا اتغيرت… والله اتغيرت… لما مشيتي حسيت بقيمتك…”
ضحكت… بس ضحكة هادية، من غير سخرية:
“لا يا مدحت… إنت ما اتغيرتش… إنت بس خسرت.”
الجملة نزلت عليه زي الحجر.
وفي اللحظة دي… واحد من العاملين ناداني:
“يا شيف نورا، في صحفيين بره مستنيينك.”
بصيت لمدحت آخر مرة… وقلت:
“أنا عندي شغل.”
وسبته.
خرجت… والناس حواليا… كاميرات… أسئلة… ضحك… نجاح… بس جوايا كان في هدوء غريب. كأن كل حاجة رجعت لمكانها الصح.
عدت شهور تانية…
المطعم بقى اتنين… وبعدين تلاتة.
اسمي بقى
علامة… “أكل نورا” بقى حكاية.
بس النجاح بيكشف ناس كتير.
في يوم، عثمان بيه طلب يقعد معايا لوحدنا.
قعدنا في مكتبه… نفس الهدوء، نفس النظرة العميقة.
قال لي:
“أنا مبسوط بيكي… جدًا.”
ابتسمت:
“وأنا ممتنة ليك… إنت اللي فتحت لي الباب.”
هز راسه:
“أنا بس شاورته… إنتي اللي دخلتي.”
سكت شوية… وبعدين قال:
“في عرض أكبر… عايز أفتح سلسلة مطاعم بره مصر… وعايز اسمك يكون في كل حتة.”
قلبي دق… مش خوف… طموح.
بس قبل ما أرد… قال حاجة غريبة:
“بس النجاح الكبير… بييجي بتمن أكبر.”
بصيت له:
“قصدك إيه؟”
قال بهدوء:
“سفر… تعب… ضغط… ويمكن تضحي بحاجات شخصية.”
سكتت… وفكرت.
مش في مدحت…
في نفسي.
أنا اللي اتنازلت زمان عشان حد… وخسرت نفسي.
دلوقتي… هل هتنازل تاني؟ حتى لو عشان حلم؟
رفعت عيني… وقلت بثبات:
“أنا هكبر… بس من غير ما أصغر نفسي تاني.”
ابتسم… وكأنه كان مستني الإجابة دي:
”
عشان كده أنا مختارك.”
ابتدى المشروع… وسافرت.
أول مرة أطلع بره البلد… بس وأنا شايلة اسمي، مش اسم حد تاني.
وفي افتتاح أول فرع بره… كان في زحمة غير طبيعية.
ناس من جنسيات مختلفة… بس كلهم متجمعين على نفس الطعم… نفس الروح.
وقفت في نص المكان… وبصيت حواليّ.
افتكرت المطبخ الصغير… الباب المقفول… والخوف.
وفرّقت.
وفي آخر اليوم… وصلتني رسالة.
رقم غريب.
فتحتها…
“أنا مسافر… مش هضايقك تاني… بس حبيت أقولك… إني عمري ما حبيت حد زيك… بس كنت غبي كفاية إني أخسرك.”
مدحت.
بصيت للرسالة شوية…
ومسحتها.
مش كره…
بس خلاص.
في حاجات لما بتتكسر… حتى لو اتصلحت… عمرها ما بترجع زي الأول.
قفلت الموبايل… ورجعت للمطبخ.
لبست المريلة… نفس الإحساس القديم… بس المرة دي من غير خوف.
واحدة من الشيفات سألتني:
“يا شيف… السر إيه؟ إزاي الأكل بتاعك ليه الطعم ده؟”
بصيت لها… وقلت بابتسامة
هادية:
“إنك ما تطبخيش عشان ترضي حد… اطبخي عشان تعرّفي نفسك.”
وفي اللحظة دي… عرفت إن الرحلة لسه في أولها…
بس المرة دي… أنا اللي بكتبها.





