
جوزي كسر رجلي من حكايات انجى الخطيب
آسفين، حقك عليا أنا. التقرير والتسجيل ده لو وصلوا للنيابة، اسم العيلة وسمعتنا هتتدمر في السوق، وكريم ده هيترمي في السجن!
نوال نسيّت كل التكبر والشال العالي اللي دخلت بيه، وجريت ناحية السرير وهي بتعيط وبتمسك في إيدي
أرجوكي يا بنتي أستحلفك بدموعي، بلاش تخربي بيتك وتفضحينا. ده جوزك وحبيبك، واعتبري اللي حصل ده ساعة شيطان أنا بنفسي هخدمك تحت رجليكي لحد ما تخفي!
سحبت إيدي منها بمنتهى القرف وبصيتلها بجمود
ساعة شيطان؟ لما تسيبوني ألتوي من الألم على أرض المطبخ وأنا رجلي مكسورة وتطلبوا أكل وتتفرجوا على التليفزيون، دي كانت ساعة شيطان؟ لما ابنك يضربني بعصاية خشب عشان تأخير أربعين دقيقة في الشغل، وتقوليلو كانت محتاجة تتربى، ده كان شيطان ولا قسوة وغل منكم؟
الأستاذ هشام المحامي طلع من شنطته مجموعة أوراق ثانية، وحطها على الترابيزة جنب السرير، وقال بصوت حاسم
قدامكم عشر دقايق. الأستاذة هنا مجهزة وثيقة طلاق إبراء بنفقات مؤخر وصداق مع إقرار بالتعويض الطبي والمادي عن الإصابة العمدية، بالإضافة لتنازل كامل عن أي متعلقات تخصها في الشقة. كريم يوقع حالًا، مع شيك بمبلغ التعويض يا إما المحضر هيتحرك من قسم الشرطة للنيابة، والملف المالي هيتوجه لمباحث الأموال العامة.
كريم بص لأبوه وهو مستني منه أي إنقاذ، لكن فؤاد بص له بنظرة كره واحتقاروقاله بمنتهى القسوة
وقّع يا كريم وقّع وهات الشيكات، وبعد ما تخلص تنسى إن ليك أب، وحسابي معاك على اللي سرقته هيترد بالقانون، مش هرحمك!
بإيدين بترتعش وعينين مليانة دموع الخيبة والهزيمة، مسك كريم القلم. كان بيوقع كل ورقة وكأنه بيوقع على نهاية غروره وسيطرته.
بعد ما خلص، المحامي أخد الورق ورجعه الشنطة بابتسامة نصر هادية، وبص لكريم وقال
دلوقتي تقدروا تتفضلوا بره الدكتورة محتاجة ترتاح.
فؤاد أخد مراته نوال من إيدها وهو بيسحبها وراه، وبص لكريم وقال بحدة
قدامي على العربية عشان نفتح الخزنة ونشوف البلاوي اللي عملتها.
خرجوا الثلاثة من الأودة، وباب المستشفى اتقفل وراهم بصوت هادي، وسابوا وراهم هدوء عجيب ومليان راحة.
بصيت للشبّاك اللي كان بيطل على الشارع كانت الشمس بتبدأ تطلع، والنور بيدخل الأودة ببطء وينور كل زاوية فيها.
حطيت إيدي على رجلي المتجبسة، ولأول مرة من سنين حسيت بنفسي طالع صافي وخفيف. الألم كان لسه موجود، لكن الخوف الخوف كان اختفى تمامًا ومبقاش ليه مكان.
هشام المحامي ابتسم بهدوء وهو بيعدّل نظارته، وحط ملف التنازلات الرسمي وعقد الطلاق الموثق على السرير قدامي وقالي
مبروك يا مدام بقيتي حرة تمامًا بالورق والقلم، والشيك اتحول لحسابك المصرفي، والتهديد المالي اللي كان عاملينه عليكي بقى هو السيف اللي متعلق على رقبتهم.
دمعة دافية نزلت من عيني ببطء، بس المرة دي ماكانتش دمعة قهر ولا وجع كانت دمعة خروج من الضلمة للحرية. حسيت إن القفص الحديد اللي كنت محبوسة فيه سنين اتنسف في لحظات، وإن الناس اللي افتكروا إنهم يقدروا يدوسوا عليا ويستغلوا طيبي ويسلبوني إرادتي، اكتشفوا إن الست لما تقرر تدافع عن نفسها، ما حدش يقدر يقف في طريقها.
بعد شهرين كاملين من العلاج الطبيعي والمتابعة، وقفت على رجلي تاني من غير العكاز. كنت واقفة قدام شباك مكتبي الجديد في الشغل، والشمس طالعة ومالية المكان دفا.
تليفوني رن، وكان الأستاذ هشام بيبلغني بآخر الأخبار. فؤاد ما سكتش لابنه؛ أخد كل المستندات والتزويرات ورفع قضية استيلاء، والنيابة تحفظت على أموال كريم وشمعت الشركة الوهمية اللي كان عاملها، وبقى بيتردد على النيابات والمحاكم ومتهدد بالسجن في أي لحظة. أما نوال، فالست اللي كانت بتتباهى بعز ابنها وسيطرتها، بقت عايشة في عزلة تامة ومش قادرة ترفع عينها في وش حد بعد ما الفضيحة ملت العيلة والمنطقة كلها.
قفلت المكالمة وبصيت لرجلي اللي خفت تمامًا، وابتسمت برضا. كريم كان فاكر إنه بكسر رجلي هيعلمني مقامي وماكانش يعرف إنه بالضربة دي، صحى جوايا الست اللي ما بتنكسرش، وبدأ بإيده أخر فصل في حكايته، وأول فصل في حريتي.
عدّت سنة كاملة سنة كانت كفيلة إنها تمسح كل أثر للوجع،وتكتب بداية جديدة لست قررت إنها ما تتكسرش مهما كانت القسوة.
كنت واقفة في القاعة الواسعة وسط زمايلي في الشغل، بصوت التصفيق الحار اللي ملا المكان وأنا بتسلم جائزة التميز والتكريم عن مشروعي الجديد. مسكت الدرع بإيدي، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على النيل وهو بيلعن تحت ضوء الشمس، وافتكرت الليلة اللي كنت فيها زاحفة على أرض المطبخ الباردة، مش قادرة آخد نفسي من الألم.
في نفس اليوم ده، كريم كان بيقضي أول شهور من حكم السجن اللي اترفع عليه في قضايا النصب والتزوير، بعد ما أبوه رفض يتنازل عن أي حق من حقوقه. أما نوال، فالست اللي كانت فاكرة إن الفلوس والسيطرة هيحموا عيلتها، بقت عايشة لوحدها في شقة فضيت عليها، بتواجه نظرات الناس وفضايح الجرايد اللي ما رحمتش حد. هما اختاروا القاع وأنا اخترت السما.
بعد الحفلة، نزلت وتمشيت في الشارع لوحدي. الهواء كان نقي وبيجدد الطاقة في صدري، وخطواتي كانت قوية، متزنة، ومفيهاش أي أثر للوجع القديم.
بصيت لرجلي اللي مشيت بيها كل المسافة دي، وابتسمت ابتسامة صافية من أعمق نقطة في قلبي.
الضربة اللي كان فاكر إنها هتخليني أعرف مقامي وتكسر إرادتي كانت هي نفس الضربة اللي صحّت القوة اللي جوايا،
وعلمتني إن مقامي الحقيقي مش تحت رحمة حد، مقامي أنا اللي بحدده بنفسي وأنا واقفة بثبات، حرة، ومرفوعة الراس.
تمت
حكايات انجى الخطيب





