قصص قصيرة

ولاد الجيران

سألت بصوت مكسور
إمتى؟
قال
من سبعة وعشرين سنة.
سكت لحظة، ثم أضاف
لكن موتُه مش هو السر.
اقترب من أحد الصناديق.
فتح صندوقًا لم أرَه من قبل.
كان بداخله جهاز تسجيل قديم.
ضغط على زر التشغيل.
في البداية سمعت تشويشًا.
ثم جاء صوت رجل.
صوت متعب، لكنه واضح.
قال
لو التسجيل ده وصل لبنتي يبقى أنا فشلت.
اتسعت عيناي.
اقتربت من الجهاز.
كان صوت أبي الحقيقي.
يا بنتي لو سمعتي الكلام ده، اعرفي إن أمك ما ماتتش.
توقفت أنفاسي.
بصيت للجميع.
ثم عاد الصوت
هي عايشة.
صرخت
فين؟!
لكن التسجيل استمر.
وهي أقرب شخص ليكي مما تتخيلي.
انقطع التسجيل فجأة.
رفعت رأسي.
نظرت إلى أم الطفلين.
كانت تبكي بشدة.
لكنها لم تكن تنظر إليّ.
كانت تنظر إلى ابنتها الصغيرة.
الطفلة كانت واقفة في زاوية القبو، ودموعها نازلة على خدها.
ثم قالت جملة واحدة جعلت الجميع يصمت
ماما كفاية كذب.
الأم رفعت عينيها نحوها.
والطفلة اقتربت مني ببطء.
ثم أخرجت من جيبها صورة قديمة.
وضعتها في يدي.
نظرت إليها.
وفي الصورة كانت هناك امرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
المرأة كانت أم الطفلين.
أما الطفلة التي بين ذراعيها
فكانت أنا.
وقبل ما أقدر أتكلم، قالت الطفلة
دي مش أول مرة ماما تنقذك.
هي بتنقذك من يوم ما كنتِ طفلة.
ثم نظرت ناحية والدها وقالت
بس المرة دي هو عرف مكانك.
في اللحظة نفسها، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج البيت.
الرجل الغريب نظر لأبي.
وأبي قال
وصلوا.
سألت وأنا مرعوبة
مين؟
فتح أبي صندوقًا أخيرًا.
وأخرج منه ملفًا أسود.
وضعه أمامي.
وقال
الناس اللي كانوا بيخلّوا ولاد الجيران ينضفوا الشارع كل يوم أحد عشان يخفوا آثار حاجة مدفونة تحت بيوتكم.
ثم نظر في عيني مباشرة
وإنتِ آخر واحدة فاضل تعرف الحقيقة.
وفجأة
جاء صوت
الصناديق، الأسرار
والسبب الحقيقي لتنظيف الأطفال للشارع كل أسبوع.
أبلغنا الشرطة بكل ما عرفناه، وتم القبض على الأشخاص المتورطين بعد العثور على الأدلة التي أخفاها أبي الحقيقي قبل سنوات.
أما والد الطفلين، فاعترف بكل شيء.
وكانت المفاجأة أن الرجل الغريب الذي ساعدنا كان محققًا تابع القضية من البداية، وكان يحاول حماية الأطفال وأمي في نفس الوقت.
بعد أسابيع، رجعت للشارع.
لأول مرة، لم يكن الأطفال يحملون كيسًا أسود.
كانوا يحملون أكياسًا عادية لجمع القمامة.
اقترب مني الولد وقال بابتسامة
خلاص بقينا بننضف الشارع بجد.
ضحكت لأول مرة منذ شهور.
ثم نظرت إلى أخته.
قالت لي
بس في حاجة لسه ماقلناهاش.
سألتها
إيه؟
أشارت إلى الشجيرة الموجودة أمام بيتي.
إحنا لقينا حاجة تانية هناك.
اتجمدت.
إيه؟
ابتسمت وقالت
علبة قديمة.
ذهبت معها.
حفرنا تحت الشجيرة.
وفعلًا، وجدنا صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله خطاب واحد.
مكتوب بخط أبي الحقيقي.
فتحت الخطاب، وقرأت
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أخيرًا بقيتي بأمان.
وتحتها
بس أهم حاجة تعرفيها إن أمك ما كانتش الوحيدة اللي حاولت تحميكي.
وفي آخر السطر كان هناك اسم.
اسم شخص لم أسمعه طوال حياتي.
أخوك الحقيقي.
رفعت رأسي ناحية أمي.
كانت واقفة بعيدًا، ووجهها تحول إلى شحوب كامل.
قلت
ماما مين أخويا؟
نظرت إليّ لثوانٍ.
ثم قالت بصوت مرتجف
أنا كنت أتمنى ما تعرفيش.
وأشارت ناحية الرجل الذي كان يقف خلفها.
عندما التفتُّ إليه
عرفت وجهه فورًا.
لأنه كان الرجل الذي أنقذني في تلك الليلة.
الرجل الذي ظل طوال القصة يقول إنه مجرد محقق.
لكن الحقيقة
أنه كان أخي الذي ظن الجميع أنه  منذ سبعة وعشرين عامًا.
ومن يومها، فهمت أن ولاد الجيران لم يكونوا ينظفون الشارع لإخفاء جريمة
كانوا، من غير ما يعرفوا، ينظفون الطريق حتى أصل إلى الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى