قصص قصيرة

لقيت طليقتي منى السيد

يا علي؟ صوتها اتغير سنة، بقى فيه حذر مفاجئ. فيه حاجة ولا إيه؟ الدار كلموك؟
لا لا خالص.. بس أنا حسيت إنك شايلة هم كبير أوي مع بابا، وأنا مسافر دمياط بكرة الصبح بدري أخلص شوية عقود في المعرض الرئيسي. كنت عايزك تجيلي المعرض على الساعة ١٢ الضهر كدة.. فيه أوراق عايزك توقعي عليها.
أوراق إيه يا علي؟ سألت بلهفة حاولت تخبيها.
أنا قررت أتنازل لك عن ٢٠٪ من أسهم المعرض الرئيسي، كتابة وهبة مني ليكي.. تقديرًا للمجهود اللي بتعمليه مع بابا، وعشان أؤمن مستقبلك ومستقبل عيالك لو جرى لي حاجة.
السكوت ساد على الخط لخمس ثواني كاملين. كنت حاسس بضربات قلبها الهربانة من الفرحة عبر الأثير. سمعت نفس طالع منها بسرعة قبل ما تتكلم بصوت بيترعش من الفرحة المزيفة
ربنا يخليك ليا يا علي! أنت أخويا وسندي في الدنيا.. من غيرك إحنا ولا حاجة! خلاص يا حبيبي، الساعة ١٢ الضهر بالظبط هكون عندك في مكتب دمياط.. تحب أجيب معايا أي أوراق أو ختم الشركة القديم؟
أيوه.. هاتي معاكي ختم الشركة والتوكيل العام اللي مع أختك، عشان نعمل كل حاجة مظبوطة عند المحامي بالمرة.
من عينيا يا علي، من عينيا يا حبيبي.. توصل بالسلامة!
قفلت الخط. حطيت رأسي على الدكسيون وصرخت بعلو صوتي.. صرخة مكتومة خنقتها جوة العربية. الحية أكلت الطُعم بسرعة أسهل مما كنت متوقع. الطمع كان عامي عينيها لدرجة إنها ما فكرتش دقيقة واحدة ليه القرار ده جه فجأة.
طول الطريق لدمياط، والليل بيمر عليا زي سنة كاملة. عينيا ما غمضتش لحظة. كل ما أغمض، أشوف أبويا وهو ماسك في جكيتي وبيترعش في الأوضة الصاج، وأشوف ندى وهي بتفرز الزبالة تحت المطرة. الفجر أذن وأنا داخل مدخل دمياط. المحلات لسه قافلة، والهدوء مالي الشوارع، بس جوة عقلي كان فيه حرب مولعة.
وصلت المعرض الرئيسي الساعة تسعة الصبح. المعرض كان عبارة عن قصر من أربع أدوار، مليان أفخم أنواع الموبيليا والأثاث اللي بيتصدر لبرة. تحفة معمارية أنا وأبويا بنيناها عرق بعرق، حجر بحجر. دخلت المكتب الخاص بيا في الدور الثاني، فتحت الخزنة، وطلعت الملفات القديمة.. الملفات اللي مريم اتهمت فيها ندى بالسرقة من تلات سنين.
قعدت أراجع الفواتير والتوقيعات بعين جديدة.. عين الراجل اللي انزاحت من على وشها الغشاوة. فعلاً! التوقيعات كانت تقليد رديء لتوقيع ندى، والختم المستخدم كان هو ختم الإدارة المالية اللي كان دايماً في عهدة مريم! إزاي كنت أعمى كدة؟ إزاي الغرور خلاني أصدق إن مراتي بتخونني وأختي هي الملاك الطاهر؟
الساعة تشاور على ١١٣٠ الصبح. باب المكتب اتفتح بالراحة.
دخلت ندى!
كانت لابسة عباية سوداء قديمة بس نضيفة، وطرحة مشدودة بوقار. وشها كان شاحب، بس عينيها كانت مليانة ثبات يرعب أي حد يبص فيها. دخلت ومن غير ما تتكلم كلمة واحدة، قفلت الباب وراها بالترباس.
وصلتي إزاي؟ سألتها وأنا بقوم أقف احتراماً ليها من غير ما أحس.
جيت في عربية نقل خضار من الفجر.. ندى قالتها وهي بتبص حواليها في المكتب الفخم ببرود، أبوك أمان في مكان مأمنه مع ست طيبة في الحارة، وماحدش يعرف مكانه. المهم دلوقتي.. هل كلمت مريم؟
كلمتها، وجاية في السكة، وقالت إنها هتيجي على الساعة ١٢.
وجوزها؟ أشرف المورد؟
ما جابتش سيرته، بس أنا متأكد إنه مش هيسيب فرصة زي دي تفوته.. لازم يكون جاري وراها عشان يتأكد إن الأسهم اتنقلت باسمها فعلاً.
ندى طلعت من شنطتها القماش الصغيرة ملف أوراق أصفر، متبهدل ومصفر من الرطوبة. حطته على المكتب قدامي
ده ملف القضايا والتحويلات المالية بتاعة أشرف في الصعيد.. الراجل ده كان شغال في شركة توظيف أموال وهمية في أسيوط، وسرق أكتر من ١٥ مليون جنيه من أهالي قرى كاملة وهرب على القاهرة ودمياط بالبطاقة المزورة واسم أشرف المورد. الفلوس دي هي اللي بدأ بيها يشتري منك خشب بأسعار وهمية عشان يغسل الفلوس جوة حسابات معارضك!
مسكت الورق وأنا مذهول أنتِ جبتي الورق ده منين يا ندى؟
لما طردتني يا علي، أنا ما قعدتش أعوج وشي وأندب حظي.. أنا كنت عارفة إن أشرف ده وراه مصيبة، لأن شفته أكتر من مرة بيكلم ناس بأسلوب تهديد في التليفون. طوال التلات سنين اللي فاتوا، وأنا بشتغل في الشارع، كنت بجمع المعلومات خطوة خطوة، ولما لقيت أبوك في المصحة، الصورة كملت في دماغي.
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات كعب عالٍ برة في الصالة الرئيسية للمعرض، ومعاها صوت ضحكات رجالي متقطعة.
ندى شاورت لي بإيدها الضيف الكبير وصل.. ادخل استخبى جوة أوتار العرض اللي ورا المكتب، وما تطلعش إلا لما أدى لك الإشارة.
استخبى؟ قلت باستغراب، أنا صاحب المكان! إزاي أستخبى وهم داخلين مكتبي؟
يا علي.. ندى قربت مني وبصت لي بحدة، أنت لو واجهتهم دلوقتي بصفة صاحب المكان، مريم هتلعب على عاطفتك وأشرف هيهرب أو ينكر. سيبهم يفتكروا إن المكتب فاضي أو إنك مستنيهم برة، وخليهم ينطقوا بكل حاجة بلسانهم!
ما كانش قدامي غير إن أصغي لكلامها. دخلت الغرفة الملحقة بالمكتب، وهي غرفة صغيرة بنحط فيها العينات والخرائط، وسبت الباب موارب سم واحد بس.
بعد دقيقتين بالظبط، باب المكتب اتفتح بقوة.
دخلت مريم، كانت لابسة أشيك هدوم عندها، ومسك أيدها أشرف.. الراجل اللي كنت فاكره مجرد مورد خشب بسيط وشريف! كان لابس بدلة غالية، وعلى وشهم ابتسامة النصر.
إيه ده؟ علي فين؟ مريم قالتها وهي بتبص حوالين المكتب باستغراب.
وفجأة، عينيها وقعت على ندى اللي كانت واقفة جنب الشباك، مدية ظهرها للباب ومكتفة إيديها.
مريم اتفاجأت، وشها أصفر لحظياً،
وأشرف رجع خطوة لورا بدهشة.
أنتِ؟! مريم صرخت وهي بتبص لندى بقرف وذهول، أنتِ إزاي دخلتي هنا يا شحاتة؟ يا أمن! يا أمن المعرض! إزاي الزبالة دي تدخل مكتب رئيس مجلس الإدارة؟!
ندى لفت ببطء شديد، وبصت لمريم وأشرف بنظرة هادية جداً، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
اهدي على نفسك يا مريم.. الأمن مش هيسمعك، لأن علي مدي أفراده كلهم إجازة النهار ده عشان الاجتماع العائلي المغلق.
أشرف اتدخل بغضب وهو بيقرب من ندى وبيشاور بصباعه في وشها
أنتِ جاية تعملي إيه هنا يا بت أنتِ؟ مش علي طردك زي الكلبة من تلات سنين ورمى هدومك في الشارع؟ جاية تتسولي تاني ولا جاية تسرقي؟ اطلعي برة بدل ما أطلب لك الشرطة ألبسك قضية جديدة!
ندى ما اتهزتش شعرة واحدة، مشيت بخطوات ثقيلة وقعدت على الكرسي الجلد الفخم بتاع علي، وحطت رجل على رجل
الشرطة؟ فكرة حلوة يا أشرف.. أو يا أحمد عبد التواب عشان نقول الاسم اللي في بطاقتك الحقيقية بتاعة أسيوط؟
أشرف يتشمد مكانه، الابتسامة اختفت تماماً من على وشه، وعينيه اتسعت برعب قاتل. مريم بصت له باستغراب
أحمد مين؟ أنتِ بتقولي إيه يا مجنونة أنتِ؟
ندى فتحت الملف الأصفر اللي على الترابيزة وقرأت منه بصوت عالي وواضح
أحمد عبد التواب المنسي، الصادر ضده ٤ أحكام غيابية بالسجن المؤبد في قضايا اختلاس وتوظيف أموال وغسيل أموال في محافظة أسيوط عام ٢٠٢٢. الهارب والذي ينتحل صفة أشرف المورد بعقود مزورة.
مريم بصت لأشرف بذهول وصوتها بدأ يترعش أشرف.. أنت بتكذب عليا؟ الكلام ده صح؟
أشرف بلع ريقه بعنف، وبص لندى بغل مرعب، وطلع مطواة قرن غزال من جيب بدلتو الداخلية وفتحها بصوت زكة ترعب
أنتِ عرفتي الكلام ده منين يا بنت الكلب؟ أنتِ فاكرة إنك لما تعرفي كلمتين هتهددينا؟ أنتِ هتموتي هنا النهار ده، وأنا ومريم هنخلص إجراءات تنازل الأسهم ونغور من البلد دي كلها!
مريم حطت إيدها على بؤها برعب لما شفت السلاح، بس الطمع كان أكبر من خوفها، قربت من أشرف وقالت بصوت واطي بس مسموع
اقفل الباب يا أشرف! ما تخليهاش تطلع برة بالورق ده! علي على وش وصول، لو شاف الورق ده كل حاجة ضاعت والأسهم مش هتوصل لينا!
أشرف قرب من ندى والسلاح في إيده، وعينيه كلها دم ورغبة في القتل
الورق ده ينحرق هنا، وأنتِ هتطلعي من هنا في كفن.. محدش هيسأل عن زبالة زيك بتلم بلاستيك تحت الكباري!
ندى ما تحركتش من مكانها، ولا حتى رمشت، وبصت ناحية الأوضة المفتوحة سنة وقالت بصوت هادي
سمعت يا علي؟ سمعت أختك النظيفة الشريفة وهي بتقول له يقفل الباب ويحرق الورق ويقتلني؟ سمعت أختك اللي كنت بتبعت لها ٣٥ ألف جنيه كل شهر عشان تسيب أبوك يموت في الزبالة؟
في اللحظة دي.. أنا ما قدرتش أتمالك نفسي ثانية واحدة زيادة.
دفعت باب الأوضة الملحقة بقوة رهيبة خلت الخشب في الحيطة بصوت زي . طلعت وأنا زي الوحش الكاسر، عيوني مليانة دم وغضب وجنون.
مريم صرخت صرخة هزت أركان المبنى أول ما شافتني طالع، وأشرف لف بسرعة في إيده وهو مبهوت.
ع علي؟! مريم اتلجلجت وشها بقى أبيض زي القماش، أنت.. أنت كنت هنا؟
مشيت ناحيتها وأنا مش شايف قدامي. مسكتها من شعرها بقوة خلتها تصرخ وتوقع على ركبيها قدامي
يا واطية! يا خاينة! يا اللي من دمي! أختي تفعل في أبويا كدة؟! تسيبيه في الزبالة وقرح الفراش واكلاه وتخدعي أخوكي وتسرقي شقى عمرنا علشان حتة هربان؟!
أشرف هجم عليا بالمطواة وهو بيصرخ اوعى يا علي بدل ما أقتلك مع المتردية دي!
لكن قبل ما المطواة توصل لصدري، باب المكتب الخارجي اتكسر وانفتح بالقوة!
دخل أربعة رجال أجسادهم ضخمة، لابس بدلات سوداء وشكلهم يرعب، يقودهم راجل كبير في السن، شعره أبيض، ويمشي على عصا بوقار شديد، وعينيه فيها قسوة الصعيد كلها.
الراجل الكبير بص لأشرف المصدوم، وهز عصايته في الأرض بقوة خلت الرخام يرن
أهلاً يا أحمد يا عبد التواب.. بقالك أربع سنين هربان بفلوس اليتامى والأرامل بتوع أسيوط وفاكر إنك استخبيت في دمياط؟
أشرف المطواة وقعت من إيده على الأرض، ورجليه اتسحبت منها القوة ووقع على الأرض وهو بيرتعش

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى