قصص قصيرة

سبت الطب

مين؟
الرجل هز راسه:
لسه ما نقدرش نقول.
إليوت اتعصب:
إنتوا بتتكلموا عن حياتي وكأنها لغز!
أبويا قال:
لأنها فعلًا كانت لغز.
وبعدين بصلي:
قبل ما تتولدي، جدك اكتشف إن فيه خطأ كبير في ملف إليوت.
خطأ إيه؟
بياناته الطبية وتاريخ ميلاده وحتى اسم والدته.
سكتُّ لحظة:
يعني الملف كله مزور؟
الرجل رد:
مش كله.
ثم أخرج صورة صغيرة من جيبه، كانت صورة لممر مستشفى قديم، وفي آخر الممر كانت واقفة ست شايلة طفل رضيع.
إليوت قرب الصورة من عينه وفجأة قال:
دي أمي.
أبويا قال:
أيوه.
إليوت قلب الصورة، وكان مكتوب على ظهرها تاريخ قديم، وتحته جملة بخط واضح:
“لو حصل لي أي حاجة، سلّموا الطفل لعائلة الدكتور، لكن ما تقولوش له الحقيقة غير لما يكبر.”
بصيت لأبويا:
عائلة الدكتور؟ تقصد عيلتنا؟
أبويا هز راسه:
أيوه.
سألته:
طب ليه؟
قبل ما يرد، الرجل الغريب قال:
لأن والدتك كانت عارفة إنك هتكوني جزء من حماية ابنها.
إليوت بصلي، وأنا بصيت له، ولأول مرة فهمت إن لقائنا من خمس سنين يمكن ما كانش مجرد صدفة.
لكن قبل ما نستوعب الكلام، أبويا قلب آخر صفحات الملف، وكانت فيه ورقة واحدة متدبسة من الخلف.
قرأ أول سطر وفجأة قام واقف:
لأ، مستحيل!
قلت:
إيه؟
ناولني الورقة، وكان مكتوب فيها:
“في حالة فشل الخطة، يتم إبعاد إليوت عن ابنة الدكتور حتى لا تكتشف هي الحقيقة.”
إليوت رفع عينه لأبويا:
يعني إنت كنت بتحاول تبعدها عني من خمس سنين؟
أبويا ما أنكرش، لكن قبل ما يجاوب، سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في قفل الباب الخارجي.
كلنا سكتنا.
الرجل الغريب همس:
إحنا مش لوحدنا.
أبويا بص ناحية الباب، وبصوت منخفض قال:
الشخص اللي كنا خايفين منه عرف إن الملف اتفتح!
أبويا قال الجملة دي وفجأة النور قطع، البيت كله غرق في الضلمة.
سمعت صوت إليوت:
محدش يتحرك.
وبعدها صوت خبطة قوية ناحية الباب.
أبويا شغّل كشاف موبايله بسرعة وراح ناحية الملف، لكن الملف كان اختفى!
مين أخده؟!
بصينا لبعض.
الرجل الغريب كان واقف مكانه، وإليوت جنبي، وأنا كنت ماسكة الورقة الوحيدة اللي كانت في إيدي.
أبويا قرب مني وقال:
الورقة دي أهم من الملف كله.
قلت:
ليه؟
رد:
لأنها فيها المكان الوحيد اللي ممكن نلاقي فيه والدته.
إليوت قرب بسرعة:
فين؟
أبويا بص للورقة وبعدين قال:
محطة القطار القديمة.
إليوت استغرب:
محطة القطار؟
أبويا: أيوه، بس مش المحطة اللي الناس تعرفها.
الرجل الغريب قال:
المحطة اللي اتقفلت من سنين.
فجأة سمعنا صوت خطوات في السلم، حد كان طالع ناحية شقتنا.
أبويا طفى الكشاف وهمس:
محدش يتكلم.
الخطوات قربت، وقفت قدام الباب.
ثواني من الصمت.
وبعدين اتسمع صوت مفتاح بيدخل في القفل.
إليوت بصلي، وأبويا أشار لنا ندخل الأوضة.
لكن قبل ما نتحرك، الباب اتفتح ببطء، والشخص اللي دخل ما كانش غريب علينا… كانت ست كبيرة في السن!
وقفت وسط الضلمة وبصت لأبويا مباشرة وقالت:
اتأخرتوا أوي.
إليوت قرب خطوة:
حضرتك مين؟
الست بصت له وعينيها لمعت بالدموع وقالت:
أنا آخر واحدة شافت أمك قبل ما تختفي.
ثم مدت إيدها بحاجة صغيرة، كانت ميدالية قديمة على شكل قلب.
أول ما إليوت شافها، حط إيده على صدره:
دي كانت معايا وأنا صغير!
الست هزت راسه:
لأ يا ابني.
وسكتت لحظة:
دي كانت مع أمك.
ثم بصتلي أنا تحديدًا وقالت:
وجدك كان سايبها ليكي من يوم ما اتولدتي.
فضلت الست واقفة قدامنا والميدالية في إيدها وقالت:
جدك كان عارف إن الحقيقة لازم توصل لكِ في يوم من الأيام.
بصيت لأبويا:
إنت كنت تعرف كل ده؟
هز راسه:
عرفت جزء وخفت من الباقي.
إليوت قرب من الست:
أمي فين؟
ابتسمت بحزن:
في المكان اللي جدك اختاره لها من سنين.
رحنا كلنا لمحطة القطار القديمة، وهناك لقينا غرفة صغيرة مقفولة بالمفتاح اللي كان مع أبويا.
فتحنا الباب، وكانت المفاجأة إن جوه الغرفة مفيش كنز ولا مستندات مخيفة، كان فيه مكتب، وملفات، وصور، ورسالة أخيرة من جدي.
أبويا فتحها وقرأ:
“أنا أخفيت والدة إليوت لأن حياتها كانت مهددة، وطلبت منها تختفي مؤقتًا حتى أحمي ابنها. ولم تكن ابنتي تعرف شيئًا عن الأمر. لقاؤها بإليوت لم يكن مخططًا، ولم أجبر القدر عليه. لكن عندما رأيت أنهما أصبحا سندًا لبعضهما، عرفت أن الحقيقة ستجد طريقها إليهما يومًا.”
إليوت سأل:
وأمي؟
جاءنا صوت من خلفنا:
أنا هنا.
لفينا كلنا، كانت ست كبيرة واقفة عند باب الغرفة.
إليوت فضل ساكت ثواني، وبعدين قال:
ماما؟
دموعها نزلت ومدت إيدها له، قرب منها ببطء واحتضنها، وأبويا وقف بعيد ودموعه في عينه.
أما أنا، ففهمت أخيرًا ليه أبويا كان رافض علاقتي بإليوت من البداية؛ هو ما كانش بيكره إليوت، كان خايف عليّا من سر أكبر مني.
بعدها بأسابيع، اتفتح الملف رسميًا، واتعرفت الحقيقة، واتبرأت كل الأسماء اللي اتظلمت بسبب المعلومات القديمة.
وأبويا وقف قدامي وقال:
أنا غلطت لما خلتك تختاري بين مستقبلك وبين الشخص اللي بتحبيه.
ابتسمت:
وأنا غلطت لما افتكرت إنك بتكره إليوت.
ضحك وقال:
أنا كنت بخاف عليه منك أكتر ما كنت بخاف منك عليه.
إليوت ضحك:
يعني في الآخر أنا اللي طلعت سبب كل الحكاية؟
رد أبويا:
لأ.
وبصلي:
السبب الحقيقي إنك من أول يوم قررتي تساعدي إنسان محتاجك وفضلتي واقفة جنبه.
بعد سنين من الليوم اللي سبت فيه الطب، رجعت أدرسه من جديد، لكن المرة دي باختياري، وإليوت كان أول شخص يشجعني.
أما الملف القديم، رجع لمكانه في خزانة جدي بعد ما اتكتب على غلافه:
“الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها عمرها ما بتختفي.”
ومن يومها فهمت إن القرار اللي افتكرته أكبر غلطة في حياتي، كان في الحقيقة القرار اللي قادني للحقيقة، ولأهلي، ولنفسي من جديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى